·   طبيعة التحدي؟

 

إن من أهم ما تتسم به المرحلة الحالية في تاريخ المسلمين سمة الرمادية وانغلاق بعض أهم مفاصلها إذ وصل مستوى الانغلاق إلى الدرجة التي حار فيها القادة والحكماء فلم يعد الطريق بينا ولا بدائل العمل واضحة المعالم فيسهل الاختيار فيما بينها وقد زاد من تعقد المرحلة خضوع الواقع العملي لظلال التنازع في الميدان النظري بين الاجتهادات الإسلامية المختلفة يضاف إلى ذلك محاولات الأعداء الواسعة للتدخل في صياغة العقل المسلم عبر خطط ماكرة من محاولات التأثير والإيحاءات المستمرة والتي تستخدم لها أكثر الوسائل تطورا كمراكز البحوث والدراسات والمؤتمرات وتوظيف القدرات العقلية ثم استخدام القنوات الفضائية والإذاعات والفنون وعليه فإن سبر أغوار ذلك الانغلاق بغية فكه أصبح واجبا ملحا خاصة في هذه المرحلة الانتقالية والتي سجلت فيها الدعوة الإسلامية تطورا مباركا في وقت أذن الله عز وجل فيه بتحولات هامة في العالم ونحن نعلم بأن سنن الكون تمضي نحو وراثة الأرض للمؤمنين: )وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ( (القصص:5)

 

وتتعرض الساحة الإسلامية في ظل هذه المرحلة لسباقين وتحديين، أما التحدي الأول فهو في مجال الفكر والعلم والنظرية وأما التحدي الثاني فهو في مجال التطبيق والنواحي العملية وأعتقد بأن الخسائر في التحديات التطبيقية يمكن أن تكون محتملة ذلك أن الأمم تحتاج في مسارات نهضتها إلى التجارب والفشل والنجاح معا لكن الخسائر الناجمة عن التحدي الأول أي في مجال النظرية لا يمكن احتمالها حيث ستكون النتائج وخيمة وطويلة الأمد وهو الذي يفسر حاجة الأمة إلى التجديد وما التجديد إلا في مجال النظرية والاجتهاد إذ أن الدين كامل لا مجال للتغيير فيه، ولكن لا يعني هذا أن يتأخر الدعاة عن تحديد الاختيارات في المجال النظري والعلمي ظنا منهم أن ذلك سوف ينقذ الموقف ولكنه التقدم الدقيق والحاسم في الوقت المناسب ولو لم يثبت أبو بكر الصديق رضي الله عنه في معركة الفهم وأولويات التطبيق وذلك بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم لكان تطبيق الإسلام في مهب الريح ولو لم يثبت رجال من الأمة كالإمام أحمد بن حنبل وغيره في تاريخها المجيد فيذبوا عنها غائلة التغيير والتبديل لما وصلنا هذا الدين ناصعا وافرا.

 

ومن الأمثلة المعاصرة التي خضعت فيها الأمة للتحديين معا نموذج فلسطين فقد كان بإمكان المسلمين تحمل المعارك المتجددة والدفع بالشهداء بعد الشهداء وذلك منذ أن وطئت أقدام الصليبيين الجدد أرض المقدسات لكن لم يكن بالإمكان أبدا تحمل الخسارة الهائلة لو أن زمام المعركة والمبادرة بقي بيد المنحرفين عن الطريق القويم من أبناء الأمة الذين تابعوا الفكر القومي والشيوعي ذلك أن بيعهم للقضية على أساس الدنيا وارد تماما فكان أكبر إنقاذ تحقق لمسيرة هذه المعركة هو دخول الصادقين الملتزمين إليها من أوسع الأبواب فطاب الجهاد وطاب الاستشهاد ولا خوف من طول المعركة مادامت الأمانة العلمية فيها بيد رجالها الحقيقيين.

 

وأما النموذج الثاني والذي يمثل خسارة وفاجعة في مجال الاجتهاد والنظر فهو ما حصل في الجزائر إبان سقوط العهد الشيوعي فيها فإن عدم قدرة الدعاة وأصحاب المدارس الإسلامية المختلفة فيها على الاتفاق حول ما يصلح للمرحلة من اجتهاد وخطة قد أدى إلى إجهاض أكبر تحول معاصر نحو التطبيق الإسلامي فطاشت الاجتهادات وغرقت البلاد ولم تعد المعارك الميدانية تجدي نفعا في ظل ذلك الخلاف وسال الدم المسلم غزيرا في ظل الظلامية الشديدة التي أجاد فيها أعداء الأمة اللعب والكر والفر.

 

والأمثلة كثيرة ولكن الواجب المحتم يقضي بضرورة السعي الدؤوب لمحاصرة التناقض الحاد ومنع الفشل في تقريب الفهم ثم الدفع نحو الاتفاق على ما يصلح للمرحلة من مسطرة الاجتهاد والتي يمكن أن تسع جميع العاملين للإسلام بشرط تحديد المواقع التي يجب على الجميع أن يدعمها ويقترب منها قولا وعملا ومن خلال اختيار وفرز دقيق للخيارات لا أن تترك الأمة بلا قرار وبلا مسؤولية.