·   ماهية المشروع الإسلامي؟

 

إن بقاء الاجتهادات الإسلامية المعاصرة في مسارات متوازية ومتضاربة أحيانا أخرى قد أدى إلى ضعف محاولات الدفع داخل الأمة المسلمة لإحداث تحول حقيقي في واقع المسلمين وعليه فإن النجاح الحقيقي في المرحلة القادمة أن تتوصل أغلب قيادات الحركات الإسلامية إلى رؤية مشتركة للتعامل مع التحديات المستجدة وإن توزعت أعمال الحركات الإسلامية المختلفة على مساحات متفرقة وهذا الاتفاق المأمول ليس مجرد حلم وردي لا مجال لتحققه في الواقع وإنما هو أمل له نصيب وافر من المعطيات العلمية والعملية فمن المعطيات قيام هذا الدين على الوحدة والجماعة فكيف يأمل المسلمون بالنصر وهم مقيمون على التنازع. ومن تلك المعطيات تاريخ الدعوة الإسلامية المعاصر وما أنتجه ذلك التاريخ من واقع معاش تمثل في أداء جهادي مبارك كالجهاد في أفغانستان والجهاد في فلسطين وغيرها وما خاضته الحركات الإسلامية من معارك سياسية وما بثته من تأثير إيماني وتربوي عميق في الأجيال فإن ذلك الجهد قد أدى إلى صياغة عقول ونفوس المسلمين نحو اتجاهات محددة ثم يأتى بعد ذلك عامل آخر مهم سيقود بدوره إلى اتفاق في صياغة رؤى المسلمين والذي يتمثل في الضغوط التي يمارسها الكفار بشتى ألوانهم على المسلمين كفعل النصارى الغربيين بقيادة أمريكا وكفعل اليهود في الأرض المقدسة وكفعل الروس والهندوس والبوذ وغيرهم ولكن هذا التدافع لا يمكن استثمار آثاره بلا تصور عملي يحدد الغايات والمراحل ويجيب على أهم التساؤلات ومن هذا المنطلق ولدت رؤى الإصلاح  في أذهان علماء المسلمين منذ حدوث أخطر تحول حقيقي في واقع المسلمين وهو سقوط الخلافة الإسلامية وقد تراوحت تلك الرؤى بين مسارين رئيسيين أما المسار الأول: فشمل الرؤى التي توقفت عند بعض مفردات الإصلاح في واقع المسلمين فهي إما أن تكون قد ركزت على شؤون الحكم أو شؤون المجتمع أو شؤون الفرد أو تناولت البناء العقدي والإيماني أوالتأصيل الشرعي والتجديد الفقهي أو التربية والتزكية، دون أن تجيب تلك الرؤى على مجمل الأزمة الضاربة في واقع الأمة أو تحدد مساحة التحرك وكيفية الأداء حتى يصل المسلمون إلى استعادة موقعهم الذي أراده الله تعالى لهم في الكون.

 

وأما المسار الثاني: فقد شمل الرؤى التي تحدثت عن أداء واسع وشامل وفي كل الاتجاهات ورسمت مشروعا محددا للنهضة ورسمت أهداف المشروع الكبرى فلم تترك مفردة من مفردات الإسلام الأساسية إلا واعتمدتها في أسسها النظرية وقد شملت وعالجت تلك الرؤية مفردة البناء العقدي والإيماني ومفردة الحكم والسياسة وشؤونهما ومفردة البناء الاجتماعي والفردي، كما تعرضت تلك الرؤية لنقد الواقع وطرق التعامل معه واعتمدت التدرج في الإعداد والإصلاح كسياسة أصيلة وسعت لتحديد الوسائل العملية لإعداد وتنشئة الجيل كما أنها استثمرت الناتج الإنساني في مجال العلوم والإدارة ووظفت كل ذلك في سبيل النهضة وإن من أهم نتاج هذه الرؤية هو تطوير الاجتهاد والإجابة الشرعية على أهم التطورات في واقع المسلمين، ولعل أبلغ الرؤى تعبيرا عن تلك الموازين والمعالم سابقة الذكر تتمثل في الرؤية التي طرحها مؤسس الإخوان المسلمين في مصر عام 1928م الإمام حسن البنا، ثم أتى متساوقا مع تلك الرؤية وتلك المعالم رؤى الإمام أبي الأعلى المودودي في شبه القارة الهندية، فتمكنت تلك المدرستان من بسط مظلتي التأثير على جناحي العالم الإسلامي شرقيه وغربيه فقامتا بمواجهة المد الشيوعي والمد القومي العنصري وأسهمتا إسهاما مباشرا في صناعة التحولات الإيجابية على مستوى المسلمين في العالم كله وكان من أبلغ المشاريع التي تعاونت عليه الرؤيتان معا في الميدان العملي هو دعمهما وتشجيعهما للجهاد في أفغانستان طوال عقد الثمانينات من القرن العشرين وكذلك دعم الوجود الدعوي الإسلامي في أوروبا وأمريكا.

 

وأما المشاريع الأخرى والتي وصفت بالنهضوية زورا وبهتانا كالوطنية والقومية والاشتراكية تلك التي تربعت على رؤوس الأمة أكثر من نصف قرن ولا زالت والتي أهملت البعد العقدي للأمة وبضعت الأمة إلى أقوام متناحرة لا يمثل الدين فيها إلا غلالة رقيقة لا علاقة له بالتقدم والتأخر أو تلك التي وظفت الدين توظيفا داعما للملك وتابعا له والتي لم تسمح للأمة أن تنمو نموا حقيقيا اقتصاديا كان أو غيره فقد كان دور تلك المشاريع معطلا لمسيرة النهضة الإسلامية الحقيقية وذلك بما استوردته من عقائد فاسدة وبما أعطته من ولاء كامل للشرق والغرب وبما وأدته من أحلام المسلمين ووحدتهم فهي تذكر بالغساسنة والمناذرة قبيل الفتح الإسلامي، حيث جاءت تلك المشاريع متساوقة مع الأوضاع العالمية وتابعة لها وما سقوط جزائر بومدين ولا سودان نميري ولا عراق صدام ولا إندونيسا سوهارتو ولا لبنان فرنجيه ولا صومال بري ولا تونس بورقيبه ولا يمن عبدالفتاح اسماعيل إلا أمثلة محدودة على سقوط تلك المشاريع وفشلها.

 

وتمثل التجارب التطبيقية التي نتجت عن الاجتهادات الإسلامية والرؤى التي سادت الأمة خلال القرن العشرين الميلادي أحد أهم المؤشرات لفهم طبيعة التغيرات التي نتجت عن تلك الرؤى وعن الدفع بالمشروع الإسلامي في واقع المسلمين ومن ثم رؤية المستقبل القريب والبعيد وتحديد طبيعة المراحل المتبقية من عمر المشروع وتحقيق غاياته الكبرى.

 

وعليه فقد تحددت أبعاد المشروع الإسلامي نظريا وعمليا خلال النصف الثاني من القرن العشرين الميلادي بل وافتتح المسلمون قرنهم الخامس عشر بالمضي نحو تفعيل أوضح لرؤاهم المعاصرة في المشروع مما مكنهم من أن يضعوا مرتكزاته الرئيسة على الأرض من خلال عدة مسارات في مجالي الاجتهاد والتطبيق والتي مثلت أغلب الاتجاهات الإسلامية أو كانت قاسما مشتركا بين أكثريتهم وهي مدرسة الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية في شبه القارة الهندية وجماعة أربكان في تركيا والمدرسة السلفية والمدرسة الصوفية وبعض الجهود الحكومية التي ساندت تلك الرؤى وقد تمثلت مسارات الاجتهاد والتطبيق في الصور التالية:

 

§        التركيز على بناء الجيل المسلم عقيدة وخلقا وسلوكا وتوسيع دائرة هذا البناء واستثمار الميادين المختلفة خاصة الجامعات والمدارس مع تقبل المزاحمة من قبل بقية الأفكار والعقائد المناقضة للإسلام دون الدخول معها في صراع مباشر.

§        المطالبة السلمية والعلمية بضرورة العودة إلى الإسلام في كل مناحي الحياة خاصة التطبيق الدستوري والقانوني والترحيب بأي اقتراب وتزحزح نحو هذا المطلب من قبل المسؤولين وتشجيعه والصبر على الضغوط المختلفة التي مارستها أجهزة الدول والأحزاب العلمانية لصد ومنع هذا التوجه.

§         إقرار المسؤولين والحكام على ما هم عليه من تغلب وسيطرة منعا للفتنة وأملا في التحول نحو التطبيق الإسلامي أو بعضا منه على أقل تقدير.

§           الإفتاء بعدم جواز الخروج على الحكام سدا للذرائع وحقنا لدماء المسلمين.

§       الإقرار باستقلال الدول الإسلامية وإجازة المرجعية الوطنية فيها والاعتماد على هامش ذلك الاستقلال المتاح لها ضمن المعادلة الدولية والمطالبة بتفعيل مرتكزات الأداء الوطني من ولاء واحترام حقوق المواطن ومساواة وتنمية اقتصادية واجتماعية.

§             إقرار مبدأ الديموقراطية والالتزام بالقانون والمطالبة بوضع الديموقراطية موضع التنفيذ لتحقيق الأداء الإسلامي من خلالها.

§             إقرار مبدأ التدرج في الإصلاح وتطبيق الإسلام في شتى مناحي الحياة ودعوة الأجيال من الدعاة للصبر والاحتمال.

§         تحميل الحكام في العالم الإسلامي مسؤولية استرداد حقوق المسلمين المغتصبة وعلى رأسها المقدسات في فلسطين والصبر على الأخذ والرد والجدل الذي لم ينته فصولا في جامعة الدول العربية وفي رابطة العالم الإسلامي وغيرها مع اعتبار كل الحركات الإسلامية لموضوع فلسطين خطا أحمر لا يمكن تجاوزه مهما كانت الأسباب.

§           إقرار مبدأ المنافسة واستخدام الضغوط السلمية وحقوق التجمع والتعبير التي سادت الأرض فضلا عن إقرار الإسلام بها للمطالبة بالحقوق والدفع بالتأثير الإسلامي في المجتمعات المسلمة.

§           الالتزام بالقوانين والأعراف الدولية في التعامل بين الأمم والدول والثناء على ما وافق الإسلام منها من تعاون على الخير واعتبار الأمم المتحدة مرجعا حقيقيا لرفع المظالم وصون الحقوق.

§           إقرار مبدأ الحوار بالحسنى مع كل الاتجاهات المناقضة للإسلام حتى القابعة منها بين ظهراني المسلمين والتي لم توفر شيئا للإضرار بالمسلمين وإفساد بيئاتهم كالشيوعيين الذين أفسدوا اليمن الجنوبي دهرا.

§               الإقرار بمبدأ المواطنة والمساواة في الحقوق بغض النظر عن الانتماءات والعقائد.

§       الإفتاء بضرورة تعايش الأقليات المسلمة في الأوساط الكافرة مع مطالبتها بحقوقها القانونية والوطنية مساواة بالأغلبية ودعوة الأقليات للصبر على أذى الكفرة.

§        التجاوز عما أصاب الدعاة في العالم الإسلامي من أذى وقتل وتشريد وفتح الباب للأمل وعدم السماح بالوقوع في دائرة اليأس.

§         تجديد مبدأ رد الظلم والاعتداء من قبل الكفرة على بلاد المسلمين في جهاد واضح لا لبس فيه ودعم المسلمين الذين يتعرضون للأذى بكل أشكال الدعم وعليه انطلقت ملحمة الجهاد المعاصر في أفغانستان ثم في فلسطين وغيرها.

§        لم ير الدعاة ضيرا في التلاقي على مصالح مشتركة في المسيرة الجهادية المعاصرة كما كان الأمر في حرب المسلمين للملحدين السوفييت عندما غضت أمريكا الطرف وسمحت لبعض العتاد أن يصل للمجاهدين دون أن يعطي المسلمون الدنية في دينهم وكان ما تحملوه من الشهداء الذين زادوا على المليون والنصف لم يكافئه ولم يقابله أي بذل من قبل النصارى الذين وقفوا موقف المتفرج·

§          التأكيد على البعد الحضاري في دين الإسلام بما يحمله من قيم وتاريخ مجيد واستثمار الانفراج الكبير والتواصل العالمي بين شعوب الأرض والذي ساد طوال العقود الثلاثة في نهاية القرن العشرين للدفع بالدعوة الإسلامية إلى أطراف الأرض والعناية بتجمعات المسلمين القابعين بين ظهراني تلك الشعوب وتأهيلهم حتى يعطوا الصورة التي تليق بالدين الإسلامي ومظاهر الالتزام به.

§       فكيف سارت السفينة أو سفن العالم الإسلامي طوال العقود الماضية وفي ظل تلك الاجتهادات ومحاولات التطبيق وكيف قابل حكام العالم الإسلامي تلك المواقف والمطالبات؟ وللإنصاف فإن الصورة الكلية لم تكن كلها في الإطار الاجتهادي الذي تقدم وصفه فقد مارس بعض الدعاة أفرادا وجماعات أدوارا خارج ذلك الإطار وهكذا هي الأمم في أدوار نشأتها وتفاعلها خاصة إذا لاحظنا الضغوط وسياسة الحجب التي مورست ضد العمل الإسلامي خلال نفس العقود التي تطورت فيها تلك الرؤى والاجتهادات ودخول الفكر الشيوعي وتوابعه في ساحة المسلمين.

 

ويأتي هذا الكتاب لكي يتوقف عند الصورة الكلية بغية تجلية الموقف وكشف مخبوء المستقبل قدر المستطاع والذي لا يعلمه إلا الله العليم الخبير.