لقد مثل القرن العشرين الميلادي بالنسبة للمسلمين غاية الضعف والإقصاء عن شؤون البشر وذلك منذ أن جاء هذا الدين للكون أول مرة حيث أحكم النصارى واليهود وغيرهم من ملل الكفر سيطرتهم على الأرض وغدت بلاد المسلمين عمقا مستباحا بكل مقدراتها البشرية والمادية ومن عجيب ما تحقق في هذا القرن اعتقاد المسلمين بالرغم مما أصابهم أنهم يشتركون ويتقاسمون  الإنجازات مع بقية البشر تلك التي تحققت في مجال العلوم والسياسة والاجتماع والتكنولوجيا فإذا بحصيلة القرن تدل على عكس ذلك تماما فرياح التنمية لم تعرف طريقها إليهم والاستقرار السياسي والديموقراطي لم يذوقوا طعمه البتة والسلم الدولي لم يكن يعنيهم تماما فقد مالت عليهم الأمم الكافرة في كل بقاع الأرض والأهم من ذلك أنهم خسروا مرجعيتهم الدولية كأمة لها معالمها ودينها وخسروا مقدساتهم وانقضى القرن العشرين واحتفل النصارى بدخول قرنهم الجديد واحتفل معهم كثير من المسلمين نتيجة للحالة النفسية المهيمنة عليهم وقناعتهم بأنهم كغيرهم من البشر أيضا تجمعهم المرجعيات الدولية والقانون الدولي ولكن القرن الجديد يفتتح بزيادة معدل الأذى الموجه للمسلمين دون غيرهم فالهندوس يستمتعون بوضع مميز واحترام نصراني ويهودي وبوذي مشترك وكذا بقية الشعوب الكافرة ووحدهم المسلمين في نيجيريا وإندونيسيا والهند والعراق وغيرهم تسلط عليهم استراتيجية التغيير والتقطيع لأوصال أراضيهم فهل خرج المسلمون من القرن العشرين بأيد خاوية؟ وهل سيبقى المسلمون أرضا مستباحة في بقية العقود من قرنهم الخامس عشر الهجري؟ وهل ستبقى مقدساتهم رهنا لرغبات ومزاج السيد الأمريكي وربيبه اليهودي؟ وهل للمسلمين علاقة مباشرة بما جرى من تحولات في نهاية القرن العشرين؟ وهل هم مؤهلين للعب أدوار هامة وخطيرة في القرن الواحد والعشرين؟

 

هذا ما سأحاول الإجابة عليه في هذا الفصل بإذن الله تعالى وذلك من خلال استعراض ما يلي:

أولا: المسلمون بين مشاريع الكفر العالمية.

ثانيا: مسار المشروع الإسلامي خلال القرن.

ثالثا: النتائج الكبرى للقرن العشرين في واقع المسلمين.

 

 

 

·   أولا: المسلمون بين مشاريع الكفر العالمية

 

إن التحولات التي شهدتها الأمة المسلمة في القرن العشرين يمكن أن تشبه بعملية تقاذف اللاعبين للكرة وذلك طوال القرن العشرين وقد مرت تلك التحولات بخمس مراحل واضحة ومحددة المعالم وهي:

المرحلة الأولى: مرحلة الإجهاز على الخلافة الإسلامية منذ بداية القرن وحتى سقوط الخلافة الإسلامية عام 1923م.

المرحلة الثانية: مرحلة التحول الأولى في النظام الدولي منذ بداية العشرينيات وحتى انتهاء الحرب العالمية الثانية.

المرحلة الثالثة: مرحلة الحرب الباردة منذ 1945 وحتى سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1990م.

المرحلة الرابعة: مرحلة التحول الثانية في النظام الدولي منذ 1991 وحتى 2001م.

المرحلة الخامسة: مرحلة الإمبراطورية الأمريكية منذ 2001 وحتى يومنا هذا.

 

وسوف أشرح أهم الملامح لكل مرحلة من تلك المراحل الأربع.

 

ملامح المرحلة الأولى: مرحلة الإجهاز على الخلافة الإسلامية  

                        منذ بداية القرن وحتى سقوط الخلافة الإسلامية عام 1923م.

وفي هذه المرحلة يمكننا أن نلاحظ الملامح التالية:

§      كان نظام الخلافة الإسلامية قد وصل إلى أدنى مراحله من الانحطاط والنخر الداخلي وتفكك الأوصال سواء بالتحولات التي شهدتها عاصمة الخلافة من مؤامرات داخلية وتغلغل للجمعيات المفسدة التي يسيطر عليها اليهود والنصارى أو بالتناقض بين الشعوب المسلمة وصعود الروح القومية أو بالعجز المادي والاقتصادي وضعف السيطرة على الملك الشاسع.

§      كان اختيار المسلمين في التحاقهم بمحاور الصراع العالمي يتم على هامش ذلك الصراع دون أن يملك المسلمون أرضية ورؤية مستقلة تؤهلهم لفرض شروطهم فكان انتصار أي طرف من أطراف الكفر المتنافسة عالميا يهدد موقف المسلمين بغض النظر عن ماهية تلك التحالفات.

§      كانت أطراف بلاد المسلمين وبعض بلاد القلب الإسلامي قد وقعت تحت هيمنة وسيطرة أمم النصارى كمصر وإندونيسيا وماليزيا وشبه القارة الهندية وأجزاء كبيرة من إفريقيا وأطراف الجزيرة العربية وغيرها.

§      وضع الإنجليز ومن والاهم من النصارى واليهود مسألة إلغاء التأثير العالمي للمسلمين ضمن أجندتهم في الصراع الدولي الناشب وأطلقوا على تلك المسألة (الرجل المريض) مما مكنهم من تحقيق هدفين كبيرين في آن واحد وهو إبعاد المسلمين عن التأثير الدولي وتحقيق السيطرة الدولية لهم ولحلفائهم، وهو نفس ما تفعله أمريكا في هذه المرحلة ولكن باتجاه منع التأثير الإسلامي الصاعد في العالم.

§      كانت عملية صناعة الأبطال الوهميين للمسلمين تتم بدقة بالغة وفي مواقع مختلفة من العالم الإسلامي ولم يكن لكثير من أجيال ذلك الوقت من التأهيل ما يمكنهم من فهم حقيقة ما يجري خاصة مع ملاحقة العلماء المخلصين ومنع تأثيرهم على العامة والخاصة وكان من أهم الأبطال الذين صنعوا في ذلك الوقت أتاتورك اليهودي ليتسلم زمام السيطرة في عاصمة الخلافة.

§       قاد الإنجليز وفي ظلهم الفرنسيون بوضع وتنفيذ استراتيجية تمزيق الأمة المسلمة والسيطرة على ثرواتها وبما يكفل عمل تلك الاستراتيجية لفترة طويلة من الزمن.

§       كان من أهم معالم الاستراتيجية الصليبية تلك هو التركيز على البعد القومي في تفتيت المسلمين وتقسيم كل قوم إلى وحدات أصغر وترتيب النظم السياسية التي ستحكم المسلمين نيابة عن الصليبيين.

§       وكانت أخطر مسألة في تلك الاستراتيجية هو إيكال عملية الهيمنة على المقدسات لليهود بدلا من النصارى حتى تنصرف أنظار المسلمين وتركز على اليهود وتنسى النصارى وبالمقابل يتمكن النصارى من الهيمنة الكلية ويتظاهروا بالتفهم لقضايا المسلمين السياسية التي بدأت تعصف بالعالم الإسلامي في كل مكان بينما هي من صناعة الإنجليز بالمقام الأول سواء في كشمير أو في فلسطين أو في اليمن الجنوبي وغيرها.

§       قام الإنجليز والنصارى عموما بدعم المشروع اليهودي بكل مقوماته ومستلزماته العسكرية والسياسية والسكانية وقد عطلت الحرب العالمية الثانية وضع المشروع اليهودي قيد التنفيذ.

§       ساهم الصراع بين أمم النصارى على مختلف نحلها في صناعة الواقع الدولي وتشكيل اتجاهاته بل إن النظام الدولي الذي أخذ في التشكل في ذلك الوقت إنما نهض من خلال ذلك الصراع سواء كان ذلك الصراع بين أتباع الكنيسة الشرقية وأتباع الكنيسة الغربية حيث أتاح الدعم الذي تلقاه الشيوعيين بالقضاء على آخر معاقل الكنيسة الشرقية في روسيا أو بالصراع الذي نشب داخل الكنيسة الغربية بين البروتستانت والكاثوليك والذي هبت رياحه من اتجاهات مختلفة عندما أقصيت هولندا نهائيا عن مستعمراتها الشرقية وإسبانيا عن مستعمراها في أمريكا الجنوبية وعندما استعر الصراع بين الفرنسيين والإنجليز على مواقع مختلفة من العالم.

§      عمل الإنجليز والفرنسيون بكل ما أوتوا من طاقة لوضع التغيير الثقافي عند المسلمين موقع التنفيذ عبر وسائل كثيرة من إرسال البعثات والحملات التبشيرية وتأسيس الأحزاب وانتقاء النوابغ من أبناء الأمة وتدريسهم في الغرب وعبر تأسيس الجامعات وإصدار المجلات وترجمة كتب الغرب وإرسال الرحالة والمستكشفين يجوبون بلاد المسلمين وغير ذلك من الوسائل.

 

ملامح المرحلة الثانية: مرحلة التحول الأولى في النظام الدولي منذ بداية العشرينيات وحتى انتهاء الحرب العالمية الثانية.

وفي هذه المرحلة يمكننا أن نلاحظ الملامح التالية:

§        تزايدت الوعود بمنح المسلمين استقلالهم من إندونيسيا إلى المغرب واستخدمت لذلك الوسائل المختلفة من المراسلات السياسية إلى المؤتمرات وغيرها.

§           تصاعدت حدة التحولات الدولية وتشكلت المحاور العالمية وبدت نذر الحروب تعم العالم.

§         فرض الإنجليز والفرنسيون سيطرتهم الكلية على معظم بلاد المسلمين.

§          خاض المسلمون حروب تحرير في مواقع مختلفة من العالم مما أسهم في تشكيل المرحلة التالية من تاريخهم.

§      العالم يتفرج على وقوع بلاد آسيا الوسطى والقوقاز تحت أيدي الشيوعيين والذين قتلوا في عهد ستالين وحده ما يقرب من أحد عشر مليون مسلم.

§         بدأت نذر تشكل الأحزاب القومية والشيوعية تحت إشراف الإنجليز والفرنسيين وذلك في مختلف بلاد المسلمين.

§         بدأت نذر تشكل الحكومات الجديدة في بلاد المسلمين والتي تم رعايتها نصرانيا في مختلف المواقع.

§          يدخل الأمريكان عهد التمدد الدولي.

§         تقع الحرب العالمية الثانية من وتمثل بلاد المسلمين أحد المسارح الهامة للصراع الدولي خاصة شمال إفريقيا وجنوب شرق آسيا.

 

ملامح المرحلة الثالثة: مرحلة الحرب الباردة منذ 1945 وحتى سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1990م.

وفي هذه المرحلة يمكننا أن نلاحظ الملامح التالية:

§      تم تشكل النظام الدولي الجديد والذي تنتهي مرجعيته إلى النصارى في أغلبه وإلى الشيوعيين في شقه الثاني وبهذا التوزيع يكون المسلمون أكبر الخاسرين وعلى كل الأصعدة حيث توزع العالم الإسلامي على الخمسة الكبار فكان نصيب النصارى شقي العالم الإسلامي الشرقي والغربي بينما كان الشق الشمالي من نصيب الشيوعيين فتحكم الكفرة في هذه الأمة تحكما مطلقا فعينوا قادتها ورسموا دساتيرها وأسسوا جيوشها ولكن تحت مسميات أخرى كالثورة والتحرر من الاستعمار والوطنية وغيرها من الشعارات.

§       تكفل الشيوعيون في الاتحاد السوفيتي والصين بقمع المسلمين وحركات تحررهم ومطالبهم بحقوقهم بينما ترك النصارى تلك المهمة للنظم السياسية التي أنشئوها في المشرق والمغرب.

§     تسابق الشرق والغرب على افتتاح مرحلة التوازن الدولي تلك بمنح اليهود حق اغتصاب مقدسات المسلمين في فلسطين عام 1948م.

§        دشنت هيئة الأمم المتحدة عهدها بقرارات حاسمة في منح فلسطين لليهود وتثبيت ذلك الوجود وأعطت ظهرها للمسلمين ولم تثبت لهم حقا في مقدساتهم وحتى القرارات الهزيلة التي صدرت في هذا الشأن لم تلق طريقها للتطبيق البتة.

§       لم يتمكن المسلمون طوال هذه المرحلة وحتى انهيار الأمم المتحدة على يد ربيبتها أمريكا من أن يثبتوا حقا لهم عبر هذه الهيئة بل لقد زادتهم قراراتها بلاء إلى بلائهم في كشمير وفي البوسنة وغيرها.

§      اكتشف الصليبيون حقيقة وجود المشروع الإسلامي وبوادر النهضة الإسلامية عندما كاد أن يتعثر المشروع اليهودي الوليد بثبات المجاهدين من أبناء الحركة الإسلامية والذين اخترقوا المسرحية الهزلية والصراخ القومي عند العرب بعمل ميداني مباشرعام 1948م.

§       شهدت هذه المرحلة ضرب وتصفية بؤر النهضة الإسلامية الأولى واستمرت تلك التصفية قرابة عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن كما حصل في مصر وغيرها وتم تجديدها في عقد الثمانينيات في مواقع مختلفة من العالم.

§      أسس النصارى جيوش العالم الإسلامي واعتنوا بقادتها عبر نوادي كبار الضباط والتي لا يمكن دخولها إلا عبر بوابة الخمور والزنا وتشكلت أنوية الجنرالات الذين ينتهي الأمر إليهم فتجدهم في إندونيسيا كما تجدهم في الباكستان كما تجدهم في تركيا وغيرها، مع تحديد مهمة هذه الجيوش بضبط الوضع الداخلي لا أكثر.

§      قام الصليبيون ببناء وترتيب شؤون أجهزة الأمن وتسليمها للقرامطة الجدد في واقع المسلمين المعاصر ممن يتلذذون بإيذاء المسلمين وتعذيبهم، وقد بذل النصارى جهودا كبيرة في سبيل إعداد قيادات تلك الأجهزة وتربيتهم وتسليمهم مقاليدها، وقد وصل الأمر بأهمية هذه الأجهزة في النظام السياسي الذي أنشأه الصليبيون إلى درجة أن يكون هذا الجهاز مستقلا عن الحاكم نفسه فله صلاحياته التي يمكن أن تتجاوز الحاكم، وتم وضع عقيدة خاصة بتلك الأجهزة وعلى رأس قائمة تلك العقيدة: حرب ومعاداة الدعاة من المسلمين وتشويه سمعتهم، ومن الأمثلة الصارخة على دور الإنجليز في هذا الشأن أن الذي أعد ورتب جهاز الاستخبارات في اليمن الجنوبي  قبيل تسلم الشيوعيين لمقاليد الحكم ضابط بريطاني يسمى هندرسون ثم انتقل المذكور بعد ذلك إلى القاعدة البريطانية في البحرين ليستكمل مهامه ولمدة استغرقت السبعينيات وردحا من الثمانينيات. (العرشاني، عوض: الإرهاب الشيوعي في اليمن).

§       شهدت هذه المرحلة وقوع مذابح مروعة للشعوب المسلمة التي رفع عنها كل أغطية الحماية الدولية فالقس نيريري يقتل المسلمين بالآلاف في تنزانيا وزنجبار وماركوس يفعل فعلته في مسلمي الفلبين ونصارى الحبشة وإرتريا يميلون على المسلمين في تلك البلاد وهندوس الهند يسفكون الدم المسلم رخيصا وبوذ تايلاند يقتلون مسلمي بورما بالآلاف والصرب يذبحون مسلمي البوسنة حتى أصبحت مذابح المسلمين في هذه المرحلة أكبر وأوسع من أن تحصر في الأرض كلها.

§          الربط الاقتصادي والهيمنة من خلال عدة وسائل منها:

1.  الهيمنة على الثروات الرئيسة للبلاد الإسلامية خاصة البترول عبر عقود الامتياز وهيمنة الشركات المرتبطة بالمستعمر والتحكم في خطوط النقل وفرض أسعار البيع وغير ذلك.

2.  الإشراف على تأسيس مجالس النقد حيث غالبا ما كان يرأسها إنجليزي أو فرنسي والتي تم تحويلها إلى مصارف مركزية في مرحلة لاحقة.

3.   ربط العملة المحلية بالعملة في الدولة الأم المستعمرة والتي انتهت غالبا إلى الدولار في نهاية المرحلة.

4.   إبقاء سلسلة من البنوك الأساسية للمستعمر تمثل ثقلا هاما في الأداء الاقتصادي والتنموي في كل البلاد الإسلامية.

5.   إنشاء خطوط طيران ظاهرها الوطنية وهي وريثة خطوط المستعمر.

6.  إنشاء مناطق تجارية حرة تسمح بحرية الأداء التجاري للشركات الاستعمارية الكبرى والشبكات الاقتصادية العالمية دون أن تتأثر بأية تغيرات تطرأ على الواقع الاقتصادي الداخلي في البلد المعني.

7.   إبقاء الحكومات في العالم الإسلامي رهينة القروض الخارجية طويلة المدى لبنوك المستعمر وصناديقه العالمية.

8.  السيطرة على الاقتصاد المحلي عبر الودائع المالية الضخمة التي تودع في الغرب خاصة والتي تفقد مالكيها من حكومات وتجار القدرة على السيطرة عليها حتى لكأنها نوع من الرهن مقابل الانصياع الكلي للغرب الكافر.

§       قامت القوى الاستعمارية الصليبية باختيار مواقع استراتيجية جغرافيا على امتداد العالم الإسلامي ولكنها صغيرة المساحة وإعطائها وضعا تنمويا عاليا وجعلها نقاط مرور وتمركز بين الشرق والغرب دون أن يكون لها أثرا تنمويا مباشرا على بحر الشعوب المسلمة المحيطة بها مع إعطاء الأفضلية الاستثمارية فيها لغير المسلمين كما حدث في سنغافورة وهيمنة الصينيين عليها.

§      فرضت القوى الصليبية الخمر والدعارة وجعلتها رسمية الوجود ومحمية بالقانون في كل العالم الإسلامي وذلك قبل انسحابها الظاهري من بلاد المسلمين وقد حافظت كل النظم السياسية على هذا المسار.

§       تم ربط جميع دول العالم الإسلامي باتفاقيات في المجالات العسكرية والاقتصادية والثقافية طويلة الأمد تضمن الالتزام بتوجيهات العدو والارتباط به.

§      سمحت القوى الصليبية بالمد الشيوعي في العالم الإسلامي في مجالات الفكر والتطبيق مع مسك الخيوط بيدها وانقسم العالم الإسلامي إلى ملكية مرتعدة من شيوعية متربصة والكل واقع في أحضان الصليبية، ومن أمثلة ذلك المكر الصليبي تسليم البريطانيين عدن للشيوعيين إبان انسحابهم منها في30/11/1967.

§       شهدت هذه المرحلة صعود وانهيار مشاريع الفكر اليساري والشيوعي والقومي والوطني وأحزابه التي ملأت العالم ضجيجا وعمت العالم الإسلامي وتمكنت تلك الأحزاب من الهيمنة المباشرة على أغلب نظم الحكم في العالم الإسلامي.

§      كما شهدت هذه المرحلة صعود وانهيار أبطال المرحلة الوهميين كأتاتورك وعبد الناصر وبورقيبة وسوكارنو وغيرهم.

§       شهدت هذه المرحلة صعود وانهيار الوهم الذي تعلق به المسلمون وهي حركة عدم الانحياز.

§      فرضت نظم التعليم المهلهلة والمسماة بالحديثة والتي لم تنتج إلا أجيالا من الكتبة الذين ينتظرون التعيين في السلك الحكومي، ومقابل ذلك تم منع ومصادرة التعليم الشرعي بأساليبه القديمة ولذا تم تأميم الأزهر ومصادرته ومصادرة جامعات أخرى كالزيتونة في تونس وغيرها ومنعت المساجد الكبرى في حواضر العالم الإسلامي من أداء دورها كالمسجد الأموي في دمشق وغيره.

§      تم توفير الدعم الكامل للأقليات المناقضة للأغلبية السنية في أغلب بلاد المسلمين وتمييزها بوضع خاص في الحكم والاقتصاد كالنصيرية في سوريا والنصارى والدروز في لبنان والنصارى في فلسطين والأردن وغيرها.

§        تمركزت الجمعيات والنوادي المشبوهة كنوادي الماسونية والروتاري واللايونز خاصة في المواقع المركزية المؤثرة واستقطابها لأبناء النخب السياسية والاقتصادية في العالم الإسلامي.

§      حرصت القوى الصليبية على عدم استثارة المسلمين دينيا وذلك بالحذر من التعرض للمقدسات والشعائر بل وتوفير وضع خاص للجزيرة العربية بحيث تظهر أنها مستقلة عما يجري حولها في عدن ومسقط والبحرين والكويت.

§      ما كادت شمس الإمبراطورية البريطانية تأذن بالغروب إلا والإمبراطورية الجديدة المتمثلة في أمريكا تتهيأ لوراثة بريطانيا في كل مواقع العالم خاصة في الجزيرة العربية وترسم الاستراتيجية الجديدة في ظل الحرب الباردة.

§     حرصت القوى الصليبية على إبقاء المناطق الإستراتيجية في العالم الإسلامي تحت خط الفقر دائما خاصة تلك التي تتميز بوزن سكاني كبير ومقدرات اقتصادية ضخمة بالإضافة إلى التسلط العسكري الدائم.

§      عاش المسلمون ثلثي هذه المرحلة وهي قرابة ثلاثة عقود على هامش الأوضاع العالمية حيث لم تكن لهم علاقة بصناعة وتنفيذ السياسات التي حكمت العالم وأجزائه في تلك العقود.

§      كان من أول مراحل تنفس المصطلحات الإسلامية ميدانيا ذلك الذي تمثل في استبسال وقتال الجنود المصريين في حرب عام 1973م حيث ذاق المسلمون لأول مرة في تاريخهم المعاصر معنى القتال في سبيل الله تعالى.

§      بدأت أول بوادر الحراك الإسلامي وصعود نجم الأداء الإسلامي يلوح في نهاية سبعينيات القرن عندما اختبر المسلمون مبادئهم لأول مرة اختبارا يتناسب والأحجام الكبيرة في الكون وكان ذلك عندما بدأ الجهاد في أفغانستان في وقت لم يكن يتصور أحد من البشر أن يجرؤ الكبار فضلا عن الصغار على التحرش بالدب الروسي وأن يقول له لا.

§      وعندما اطمأن النصارى إلى فاعلية الأداء الإسلامي وتأكدوا من آثاره الميدانية على الدب الروسي غضوا الطرف عن البنية التحتية التي تمكن المسلمون أن يؤسسوها لدعم الجهاد في أفغانستان ولم يفعلوا أكثر من ذلك ولم يوفروا دعما حقيقيا للجهاد كما تزعم فلول النفاق في العالم الإسلامي بل لقد استعمل الأمريكان ميزانيات خفية لدول إسلامية في دعم الجهاد بدلا من أن يتحملوا أي شيء في هذا السبيل سوى السماح بوصول بعض سلاح الصواريخ المضادة للطائرات والمسماة (ستنجر) ولم يستخدم أي سلاح أمريكي أو اوروبي آخر في المعركة فقد كانت غنائم المجاهدين المصدر الأول لنمو الجهاد.

§      تبدأ نذر الهزيمة الكبرى المدوية للاتحاد السوفيتي في أفغانستان ويكون من آثارها المبكرة السياسة الإصلاحية التي دعا لها آخر رئيس لتلك الإمبراطورية العجوز جورباتشوف أو ما يعرف بالجلاناسوست أو الشفافية ويستعد الصليبيون للاحتفال الكبير ووضع إستراتيجيتهم الجديدة للانفراد بالسلطة في العالم.

§      ويقرأ النصارى في الساحة الأفغانية قراءتين هامتين وعقد الثمانينيات يقارب على الانتهاء أما القراءة الأولى فهي قرب اهتزاز وسقوط الاتحاد السوفيتي فيتهيئوا بوضع الخطوط العريضة للهيمنة الأمريكية المطلقة وأما القراءة الثانية فهي الخطورة التي تشكلها النهضة الإسلامية الحديثة والتي برغم معاناة المسلمين تمكنت من تحقيق هذا التطور العالمي الخطير.

§     يتم لجم الإمبراطورية الشيعية بعد حرب عقد التسعينات ولتبدأ مرحلة من التعديلات والإصلاحات في النظام الشيعي، ومن جهته يخرج النظام البعثي العراقي منتصرا ملوحا بقوته مطالبا بسداد ودفع فواتير دوره الذي كلف به ولكن الأوامر الصليبية تصدر بعدم الدفع وضرورة الانتظار.

§      ويتهاوى الاتحاد السوفيتي مخلفا ملكا عالميا مهلهلا وأتباعا تقطعت بهم السبل وفراغا كبيرا في النظام الدولي فكان لا بد من فعل شيء يمنع المغامرين من استثمار ذلك الفراغ ولا بد من تدشين العهد الجديد باستعراض للقوة يليق بهذا التحول فكان أن وقع الاختيار على أحد أغبى العبيد وهو النظام البعثي العراقي والذي استجاب للإغراءات دون أن يبصر الهاوية التي ينحدر إليها فكان غزو الكويت وهكذا سقط بقية العبيد في اللعبة التي لم تنته فصولا.

 

ملامح المرحلة الرابعة: مرحلة التحول الثانية في النظام الدولي منذ 1991 وحتى 2001.

وفي هذه المرحلة يمكننا أن نلاحظ الملامح التالية:

§      تقدم الأمريكان ببطء وحذر نحو هدم النظام الدولي والتخلص من مخلفات مرحلة الحرب الباردة واستثمار الغباء البعثي العراقي لتحقيق أكبر الخطوات في تجاوز ذلك النظام والتظاهر بالاستظلال بالأمم المتحدة لتنفيذ تلك الخطوة.

§      الحرص الأمريكي الكبير على التقدم بالأجندة الصليبية العالمية وتمثيل الأمم النصرانية عبر استخدام حرب الخليج الثانية حيث جاءت كل الرايات النصرانية تحت الراية الأمريكية.

§      حرص الأمريكان على عدم استثارة المسلمين في بداية عقد التسعينيات واستصحاب الأجندة الإسلامية ظاهريا عبر استخدام أزمات المسلمين كأزمة البوسنة وأزمة الشيشان.

§     قضم أمريكا للحصص العالمية التقليدية لما كان يسمى بالقوى العظمى سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي خاصة في قارة إفريقيا وآسيا وقد كان القضم الأمريكي ذاك على حساب روسيا وفرنسا على وجه الخصوص والأمثلة كثيرة في الجزائر والكونغو وآسيا الوسطى وغيرها.

§      تبدأ الصليبية العالمية بوضع يدها على الثروات الاقتصادية الواعدة في آسيا الوسطى خاصة الثروة البترولية من خلال رسم مسارات التنمية والتلاعب بالأوضاع السياسية وإعادة تصميمها بنفس الأدوات القديمة من الوطنية والنظام الاستخباراتي والجيش والتوازن بين القوى السياسية وإعطائها الفتات لكي تسيل الثروة إلى النصارى دون عناء ودون أن يستفيد منها أهلها بطبيعة الحال.

§       استخدام أمريكا لتفوقها في المجال الاقتصادي والتكنولوجي والذي عرف في العقد الأخير من القرن العشرين بالعولمة لإضعاف الخصوم الأساسيين كروسيا والصين.

§      ويسارع شيوعيو الأمس أمريكيو اليوم إلى الالتحاق بالسيد الجديد بعد سقوط سيدهم القديم فتجد أمريكا فيهم ضالتها خاصة في العالم الإسلامي والعربي فتسلمهم أجندة التغيير الفكري والتربوي والأخلاقي في وزارات التربية والإعلام وغيرها وتوكل لهم مهمة وضع العولمة سيئة الذكر موضع التنفيذ.

§      وتدور كرة الثلج التطبيعية مع اليهود فتكون الاختراقات في كل الاتجاهات من المحيط إلى الخليج ففي جزيرة العرب تلتحق قطر وعُمان وعلى المحيط موريتانيا وتتوالى وفود اسرائيل على المنطقة وتتهيأ بقية المناطق للالتحاق بالركب وتحدث الاتصالات السرية ولكن تجدد الانتفاضة في فلسطين عام 1999م تفسد على المحتفلين فرحتهم.

§      المساعدة الأمريكية في حلحلة الوضع الشيعي في إيران عبر توفير القبول السياسي العالمي والإقليمي للنظام الإصلاحي هناك مقابل المحافظين وعليه بدأ الجميع يتسابق إلى طهران وتؤتي تلك السياسة ثمارها عندما وقف خاتمي أول مرة مخاطبا الأمم المتحدة منوها بأنه يقبل ما يقبله الفلسطينيون في فلسطين وتتابع الآثار الإيجابية لأمريكا في قضية غزو أفغانستان وغزو العراق.

§      تركت أمريكا الأجندات السياسية الإقليمية المتعارضة تعمل ذاتيا واستثمرت نتائج ذلك التعارض في النهاية كما حصل طوال التسعينيات في أفغانستان حيث تصارعت الأجندة الهندية والروسية والإيرانية مع الأجندة الباكستانية والصينية وكان الكاسب النهائي أمريكا ونفس الأمر تحقق في البلقان عندما تصارعت الأجندة الأرثوكسية ضد الأجندة الكاثوليكية في ساحة الأجندة الإسلامية المحاصرة وهي الساحة البوسنوية ثم تقدمت أمريكا لتكسب النتائج، كما كان بالإمكان ملاحظة تصارع الأجندة الأوروبية ضد الأجندة الأمريكية على الساحة البلقانية من وجه آخر.

§     حاولت أمريكا تطوير إستراتيجية حضانة المشروع اليهودي وحمايته خاصة بعد التهديد الذي فرضه المجاهدون والذين جاءوا على غير ميعاد بالنسبة لليهود وكانت محاولة التطوير بعدة اتجاهات كان من أهمها نفخ الروح في النظام السياسي العروبي العتيد وإحضاره إلى إسرائيل حتى يسحب البساط من تحت أقدام المجاهدين وقد أبدى ذلك النظام استعداده الكامل لبيع القضية ووأدها ولكن الاستدراك جاء متأخرا، وكان من اتجاهات التطوير تلك فتح أبواب النظام العربي والإسلامي برمته للاختراق اليهودي وكان من اتجاهات التطوير تلك إجراء تعديلات جذرية في خارطة سايكس بيكو العتيدة والتي بدأت بحرب الخليج الثانية وتقدمت كثيرا بحرب الخليج الثالثة والاتجاه يمضي نحو خلخلة دول الطوق استراتيجيا.

§      محاولة إنعاش الدور التركي الأتاتوركي العتيد واستثماره في صنع المعادلة الجديدة في المنطقة عبر عدة اتجاهات ومنها التحالف التركي الإسرائيلي وتنفيذ الخنق المائي لسوريا والعراق وخدمة تركيا للأجندة الأمريكية في المنطقة في آسيا الوسطى وفي العراق.

§      كشفت أمريكا اللثام عن رؤيتها في إيقاف المد الإسلامي عبر الإعلان عن حشد من الإجراءات لمواجهة الإرهاب كما تدعي عام 1996 في مؤتمر شرم الشيخ بمصر وذلك عندما تمكن المجاهدون من تطوير أدائهم في فلسطين وألحقت بذلك قائمة من الأوامر لتجفيف منابع العمل الإسلامي في مجالات عدة.

§       يعتبر نجاح الهندوس في تفجير القنبلة النووية بنهاية عقد التسعينيات من القرن العشرين بمثابة إضافة خطيرة للنظام الكفري في العالم والتي جاءت بمساعدة يهودية في المقام الأول لكي تقف أمام أي تطور في الموقف عند المسلمين في باكستان ولكن هذه الإضافة لن تمكن الهندوس من لعب دور عالمي لأنه قد انقضى عهد فريق العمالقة وجاء العهد الأمريكي.

§      التحاق كل كفار العالم بالأجندة الأمريكية والاستظلال بها في محاربة الإرهاب وذلك في سعي حثيث نحو منع المسلمين من الوصول إلى أي حقوق يتمتع بها غيرهم في العالم. 

 

 

ملامح المرحلة الخامسة: مرحلة الإمبراطورية الأمريكية منذ 2001 وحتى يومنا هذا.

وفي هذه المرحلة يمكننا أن نلاحظ الملامح التالية:

§      إنه مهما اختلف الناس حول 11 سبتمبر فإن أوضح ما فيها أنها جاءت متساوقة مع الرغبة الأمريكية العارمة والخطة الإستراتيجية الجامحة لتسلم زمام السيطرة على العالم ولكي توفر خدمة جليلة للآمال الصليبية اليهودية المشتركة.

§     لم تكن أمريكا بحاجة إلى 11 سبتمبر إلا في مجال التسريع بوضع استراتيجيتها الكلية قيد التنفيذ الكلي وإلا فقد أسست أمريكا لتلك الإستراتيجية قبيل غياب شمس الاتحاد السوفييتي بنهاية الثمانينيات من القرن العشرين.

§      أخرجت أمريكا في هذه المرحلة كل ما في جعبتها من حيث استهداف إستراتيجيتها الجديدة لأمرين رئيسيين أما الأول فهو الاستئساد وكسر النظام العالمي نهائيا وأما الثاني فهو استهداف المسلمين ومنع أي فرصة لنهضتهم وحصولهم على حقوقهم واستقلالهم الحقيقي.

§      فتحت أمريكا الباب لكل اتجاهات المرونة والقابلية لخدمة إستراتيجيتها العالمية ومنها تدشين تجمع الراغبين لخدمتها وما أكثرهم ومنها الدفع باتجاه تجديد النظم السياسية في المنطقة الإسلامية لضمان خدمة أكيدة ومتطورة لاستراتجيتها ومنها القبول بألوان إسلامية ظاهرة تحمل قلوبا أمريكية وهكذا.

§      جددت أمريكا الاستعمار العسكري المباشر وزينته بكل الألوان المتاحة لقبوله في القرن الجديد.

§      تفوقت الأجندة اليهودية على الأجندة الأمريكية نفسها وهذا ما يفسر تدمير التحرك الأمريكي على الأرض للصورة الأمريكية العالمية في بعض الأحيان.

§      صعد مؤشر الإعجاب الأمريكي بالذات والتفوق على شعوب العالم خاصة بعد النجاح الأولي الذي تحقق في العراق على حزب البعث الربيب الأمريكي السابق ولا تزال أمريكا تسجل زيادة في الغرور يوما بعد يوم.

§      سجلت شعوب العالم وعلى اختلاف أديانها ومذاهبها أعلى درجة من الشجب والرفض عرفه العالم المعاصر ضد الهجوم الأمريكي على العراق مما يسهم في تشكل صورة محددة لعلاقة أمريكا بتلك الشعوب في المرحلة التاريخية القادمة.