·   أولا: التوطئة

 

إن الرب تباركت أسماؤه وتجلت صفاته قد قضى بأن جعل الخلق متنوعي المشارب متعددي  الآراء، وصرفهم عز وجل صروفا شتى من الخلق والخُلُق، وقد دل ذلك على عظيم صنعه في تقسيم مستويات الفهم وتقدير الأمور حتى وصل الأمر إلى المفاضلة بين الأنبياء صلوات الله عليهم: )فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ( (الانبياء:79).

 

وستبقى مستويات الفهم والقدرة على التلقي والاستيعاب والمفاضلة في الدرجات العلمية إحدى المعجزات التي أودعها الله عز وجل في البشر والتي تنعكس نتائجها على سنن التدافع في الكون بين الحق والباطل ومن صور ذلك قولـه سبحانه:)فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ( (البقرة:251).

 

فكانت الحكمة والعلم مقدمة ضرورية لحاملي الحق حتى يمكنهم الدخول في معادلة التدافع السنني.

 

ولعل حاجة المسلمين لما ورثوه من العلم والحكمة لا تخفى خاصة في محاولة فهمهم واستيعابهم لما حل بهم في هذا العصر، وإن الحاجة لتتأكد أكثر في مسألة فك الاشتباك الشديد بين الجماعات الإسلامية العاملة في مجال الدعوة إلى الله تعالى، أو استيعاب خلافهم على أقل تقدير وهذا ما يمكن أن يتحقق بتداول العلم وفشوه في أوساط الأمة فهناك من النتائج المباركة ما تقع بمجرد تبليغ العلم قبل فهمه فما بالكم بالفهم والاستيعاب وذلك كما ورد في مسند الإمام أحمد عن حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه حيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رَحِمَ الله امْرَأً سَمِعَ مَقالَتي فَبَلَّغَها، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهِ إلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ".

 

ولم يقع للمسلمين من حال بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كحالهم هذا الذي هم عليه من حيث الاختلاف والتشتت وذلك منذ أن دالت دولتهم وسقطت خلافتهم وتفرقوا شذر مذر حيث لم يتوقف الأمر عند افتقاد المسلمين لمرجعيتهم السياسية فقط والمتمثلة في الخلافة بل إن الفقد والوهن قد لحق بالمرجعية الشرعية التي تجمع الأمة على رؤية واحدة وتحديد دقيق لمرضها وبالتالي علاجها، وعليه فقد جاءت رؤى الجماعات الإسلامية التي تكونت في ظل هذه المرحلة متعددة وفق تعدد وتنوع أمراض الأمة وضعفها وسوء أحوالها، وكثرت مدارس الإصلاح وجماعات الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي مسألة وإن كانت تدل على حياة الأمة وتفاعلها المبارك مع التحديات التي فرضت عليها لكنها تدل أيضا على انكفاء كل جماعة على نفسها وتقديمها لاجتهادها على اجتهاد الآخرين، وغني عن القول بأن تلك الجماعات على اختلافها تُجمع من حيث المبدأ على ضرورة العودة إلى كتاب الله وحكمه وإلى الالتزام بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ولكنها تختلف في طرق العلاج والأسس المعتمدة في ذلك العلاج، فمنهم من يرى البدء بالحكم والخلافة ومنهم من يرى تصحيح العقيدة وإزالة البدع من حياة المسلمين ومنهم من يرى التركيز على الإيمان وتزكية النفس ومنهم من يرى ضرورة مصاولة الكفار وجهادهم ومنع تأثيرهم في واقع الأمة، ومنهم من يحاول أن يجمع الأمور من أطرافها وهكذا.

 

ويعتري أي بحث في مسألة الجماعات والحركات الإسلامية أزمة حادة لدى الكتاب الإسلاميين تتمثل في زاوية النظر أو زواياه التي يعتمدها الباحث في تحليله وبحثه، وتأثره بالخلفية الفكرية أو بالاجتهاد الدعوي الذي تأثر به أو انتمى إليه وهذا ما يقلل من مساحة الموضوعية التي هي لب أي بحث ودراسة، ولإزاحة هذا العامل وحجبه عن التأثير قدر المستطاع فإني أنبه إلى أن أكثر ما اعتمدته في هذا البحث كمنهج ومسار هو اتخاذ مسألة علاقة الجماعات بالمشروع الإسلامي ومدى خدمتها له كمقياس ومعيار أساسي للحديث عن مختلف الجماعات، ومن ثم اهتممت ببحث كيفية تحقيق التكامل بين تلك الاجتهادات لا تغليب اجتهاد على آخر أو الحكم على الاجتهادات المتنافرة وتقييمها ولا الخروج بتصور يضم اجتهادات المختلفين في اجتهاد واحد.

 

ولا بد لنا في هذه المقدمة أن نحدد أي الجماعات نقصد ببحثنا هذا؟ إنها الجماعات الإسلامية الحديثة والتي تلتزم بما عليه أهل السنة والجماعة وعليه فالبحث لا علاقة له البتة بتعريف (الفِــرَق) ذلك المصطلح الذي تعارف عليه علماء الأمة في حديثهم عن الجماعات التي انحرفت عن الدين وعن إجماع علماء الأمة المعتمدين لدى أهل السنة والجماعة.

 

 

ويمكننا أن نحدد الجماعات والحركات الإسلامية المعنية بهذا البحث في القائمة التالية:

1-     جماعة الإخوان المسلمين

2-     جماعة الدعوة والتبليـغ

3-     الجماعات الصوفيـة

4-     الجماعات السلفيـة

5-     جماعات الجهـاد

6-     الجماعة السروريـة

7-     حزب التحريـر

8-     الجماعة الإسلامية في شبه القارة الهندية

9-     جماعة نجم الدين أربكان في تركيـا

10-الأفراد المستقلون والمؤسسات الدعويـة

 

وإن التركيز على أداء الجماعات السابقة لا يعني إشاحة الوجه عن الجهود الدعوية التي انبثقت من المؤسسات الرسمية في مختلف بلدان العالم الإسلامي والتي التقت وتقاطعت أحيانا مع جهود الدعاة ووفرت دعما معنويا وماديا لمسيرة الدعوة الإسلامية المعاصرة ولكن مساحة البحث تعنى في المقام الأول بالجهود المستقلة والتي انبثقت من اجتهادات محددة.

 

والآن وبعد أن تطاول الزمان وترسخت التجارب الإسلامية وأعطى الله سبحانه وتعالى تلك الجماعات الإسلامية من الوقت ما يسمح بمراجعة الموقف الدقيق لتجاربها، وبناء على التحولات الكبرى التي تمت في الأمة المسلمة أثناء مسيرتها ومحاولاتها للنهوض فإنه بات لزاما على قيادات الحركات والجماعات الإسلامية أن تتوقف للنظر في قربها وبعدها من المشروع الإسلامي ومدى علاقة إنجازاتها بهذا المشروع وبعبارة أخرى ما علاقة الجماعات بالإصلاحات الكلية الجامعة في الأمة؟ وكذا دور تلك الجماعات في تحديد خيارات الأمة تجاه التطورات التي ختم بها النصارى قرنهم الميلادي والتحديات الجديدة التي فرضوها على الأمة وتحديد أدوار الأمة المسلمة في قرنها الخامس عشر؟ وفي هذا الفصل سوف أحاول بسط هذه الرؤية الخاصة لهذه القضية الشائكة والله العلي القدير أسأل أن تكون رؤية متزنة ومنصفة ومُـصلحة لا مُــفرقة ولامُــشتِـتة.