·   ثانيا: مسلمات وبدهيات

 

وفي هذا الاستعراض سأحاول التوقف والتذكير ببعض المسلمات التي تستهدف صنع لغة مشتركة يتم على ضوئها التعرف على بقية المفردات والمدلولات في هذا المبحث ولعل ذلك أن يعمل على تقريب الفهم تجاه التعامل مع مصطلح المشروع الإسلامي وعلاقة الجماعات الإسلامية بهذا المصطلح بغض النظر عن الرؤى والاجتهادات لكل جماعة أو حركة إسلامية معاصرة، مع العلم بأن المسلمات التي سوف أستعرضها هنا ما هي إلا مما اتفق عليه المسلمون طبقا لشريعتهم أو كانت واقعا مشاهدا بين المسلمين ولا يمكن للمنصف إلا أن يُــقــرّ بما في تلك المسلّمات من حق.

 

مصطلح المشروع الإسلامي:

يمكن اعتبار مصطلح (المشروع الإسلامي) وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف على بنائه الظاهري اللغوي فإنه يُعدّ المصطلح المعبر عن مسار العملية الإصلاحية والدعوية في واقع الأمة ذلك الذي يتناول العملية الإصلاحية ويضمها من أطرافها والتي تشمل الإصلاح العقدي والأخلاقي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي وغيره في واقع أمة المسلمين، وبغض النظر عن المدى وعن الحدود التي تضعها كل جماعة لممارسة دورها في واقع الأمة نسبة إلى العملية الإصلاحية الكلية وبغض النظر عن الأساليب المستخدمة من قبل كل فريق من الدعاة في تبليغ دعوتهم وقيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن الجميع يقر بأن الإصلاح في واقع الأمة لن يتأتى إلا إذا قامت كل جماعة من المسلمين بدورها ومن جهة أخرى فإن الأمر الشرعي في العناية بالأمة قد تأسس على مراعاة كل مفردات الشريعة الإسلامية وعدم التفريط في جانب منها وإلا دخل الدعاة في الوعيد الشديد الموجه من الرب عز وجل لبني إسرائيل حين قال سبحانه: )ثُُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ( (البقرة:85) والشاهد في قولـه عز وجل )أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض( فإن صلاح المسلمين لن يتأتى إلا أن يشمل الإصلاح كل جوانب الحياة وفي حال بقيت جوانب من دين الإسلام معطلة فإن دور الدعاة هنا أن يعملوا لتغيير هذا التعطيل فإن الله عز وجل لم يقبل من بني إسرائيل التطبيق الجزئي للدين ومفهوم أنه لم يُضرب بني إسرائيل كمثل في القرآن إلا لكي لا يقع المسلمون فيما وقع فيه أولئك ففي تفسير ابن كثير حول هذه الآية قال: بلغنـي أن عمر بن الـخطاب قال فـي قصة بنـي إسرائيـل: إن بنـي إسرائيـل قد مضوا وإنكم أنتـم تُعْنَون بهذا الـحديث.

 

الظرف الزمني:

ومن المسلمات أنه ليس بالإمكان أبدا تجاوز عامل الزمن على الاجتهادات الإسلامية المعاصرة إقبالا وإدبارا وتحرفا فإن المستجدات الكبرى التي وقعت في عصرنا هذا قد أثرت تأثيرا كبيرا ومباشرا في كل تصورات الإصلاح والدعوة ومن أهم تلك المستجدات إسقاط الخلافة الإسلامية وبقاء المسلمين بلا مرجع ولا إمامة ومنها تحكم الكفار فيهم من شرق وغرب ومنها فرض مناهج الضلال عليهم في التفكير والسياسة والتعليم،  وبغير أخذ أثر تلك العوامل والمستجدات في منهج الإصلاح يعيش المسلمون خارج عصرهم ولا يكون لاجتهاداتهم تأثير حقيقي على مسار الحياة التي أوجب الله عليهم أن يتصدوا لإصلاحها: )وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ( (الحج:78)، فالشهادة أن يشهد المؤمنون على واقع بعينه محدد المعالم زمانا ومكانا وشخوصا فهي ليست شهادة عامة مطلقة فلكل جيل شهادته وقد رأينا أثر هذا العامل وهو عامل الظرف الزمني على الاجتهادات الدعوية المعاصرة بشكل مباشر فإن من تعرض للسياسة مثلا من الجماعات الإسلامية كان اجتهاده مؤسس على اعتبار خطورة وأثر هذا الجانب على المسلمين ومن ترك السياسة واشتغل بالتعليم والدعوة فإنه أشفق على ضياع الزمن دون نتيجة حقيقية على المسلمين وهكذا في بقية مفردات الاجتهادات المعاصرة.

 

مقولات المؤسس وأثر البيئة:

ومن المسلمات أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال إنكار دور المؤسس أو المؤسسين لكل جماعة أو حركة إسلامية معاصرة في بناء تصورات تلك الجماعات وكذلك دور البيئة والظرف الاجتماعي والسياسي الذي نشأت فيه كل جماعة بغض النظر عن ربط كل جماعة لنفسها بعمق التاريخ الإسلامي كالعلماء والأئمة المجددين فإن المطبَّــق في كل جماعة ما هو في الحقيقة إلا اجتهاد مؤسسها أو مجموعة مؤسسيها في المقام الأول مهما ادعت كل جماعة أن رؤيتها هي الأصح والأولى بالاتباع.

 

 

المنكر الأكبر:

  ومن المسلّمات اعتبار عامل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أحد أهم معالم الدعوة إلى الله تعالى إذ منه انطلقت كل الواجبات الأخرى فهذه المهمة هي من أول مهام وجود المسلمين والعلماء منهم على وجه الخصوص، وهي مهمة شاقة ومعقدة فكيف إذا أضيف لها تعقد أحوال المسلمين المعاصرة؟ وكان من مقتضيات أداء تلك المهمة تحديد الأولويات فيها وتحديد المنكر الأكبر في قائمة تلك المناكر وهو ما ينبغي التركيز عليه سعيا لتغييره أو إعداد متطلبات تغييره ولو على المدى البعيد، وقد اتضح بلا ريب بأن المنكر الأكبر الذي تنطلق منه بقية المساوئ وتستظل به في واقع الأمة هو غياب المرجعية السياسية والشرعية أو غياب الإمامة التي لا تنعقد أكثر أمور الشريعة إلا بها، بل ولا يمكن التعرف على سمات الأمة المسلمة إلا في ظلها، وعليه فإن أصل قيام الجماعات بدورها ما جاء إلا سدا لهذا الخلل البين في واقع المسلمين.

 

خضوع المسلمين للكفار:

ومن المسلّـمات أن أكثر ما أفسد على المسلمين حياتهم وتطبيق دينهم في هذا العصر هو تحكم الكفرة بأمرهم حيث جعلوا أعزة المسلمين أذلة، وهذا مشاهد في كل الأقاليم والأمصار المسلمة سواء كان ذلك التحكم عبر التدخل المباشر أو عن طريق الوكلاء داخل المجتمعات المسلمة ولعل من أبسط الأمثلة على هذا التدخل عجز المسلمين عن منع الخمور في بلادهم قاطبة إلا ما رحم الله فقد أدخلها الإنجليز والفرنسيون وفرضوا وجودها من جاكرتا إلى الرباط فلم ينجح القانون ولا الديموقراطية ولا الأغلبية في منعها وما ذلك إلا لتحكمهم بنا فما بالكم بغير ذلك من البلاء والفساد.

 

وتعاونوا على البر والتقوى:

ومن المسلّمات أن وصول الأمة إلى تحقيق إصلاح حقيقي في واقعها لا يمكن أن يتم إلا عبر تعاون وثيق بين أبنائها وعلمائها وكل المواقع المؤثرة فيها، وأن أي اعتذار عن ذلك التعاون من قبل المتصدين لعملية الدعوة إلى الإسلام لا يمكن أن يكون مقبولا مهما كانت أسبابه ومبرراته: )فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ( (محمد:22) وفي تفسير القرطبي للآية ينقل عن قتادة قوله: كيف رأيتم القوم حين تَوَلَّوْا عن كتاب الله تعالى ألم يسفكوا الدماء الحرام ويقطعوا الأرحام وعصَوُا الرَّحمن· فالرحِم على هذا رَحِم دين الإسلام والإيمان، التي قد سماها الله إخوة بقولـه تعالى: )إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ( (الحجرات: 01). (انتهى) وعليه فإن من أشق وأشد أنواع القطيعة هي قطيعة الدعاة ونفرتهم من بعضهم البعض.

 

المنهج:

ومن المسلّمات أن المنهج الذي ينبغي أن يوظف لتحقيق تلك الغايات -أي غايات الإصلاح- لا يمكن أن يكون إلا منهج الإسلام ذاته وبشموله بحيث لا تترك مفردة أساسية من مفرداته إلا وتدخل في تحقيق تلك الغايات السامية فلا يعاب على أي مستخدم لمفردات المنهج الثابتة في الكتاب والسنة إلا إذا تعدى تلك الحدود.

 

يبقى الاجتهاد اجتهادا:

ومن المسلّمات أنه مهما كان من قناعة كل جماعة برؤاها الإصلاحية فإن تلك الرؤى تبقى اجتهادا لا بد أن تنزل منزلة الاجتهاد وإن رآها أهلها صحيحة، لأنه لا يمكن لأحد أن يلم الدين العظيم من أطرافه ويقدمه في إطار اجتهاده وعليه فإن أول درجات التفاهم والتواصل بين الجماعات الإسلامية الذين ينضوون تحت إطار أهل السنة  والجماعة هو اعترافهم كلهم بأن اجتهادهم صواب قابل للخطأ كما قال الإمام أبو حنيفة: قولنا هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه فمن جاءنا بأحسن من قولنا فهو أولى بالصواب منا.

 

مع العلم بأن الخلاف حول القضايا العقدية والتي تعتبر من أصول الاعتقاد والتي تمثل إجماع أهل السنة والجماعة واجبة الاتباع وهي لا تخضع للقاعدة السابقة وإلا دخل في هذا الإطار كل الفرق التي شذت عن الأمة.

 

سنة التعدد والاختلاف:

ومن المسلّمات أنه لا يمكن لجميع العالمين في الحقل الإسلامي أن يكونوا صورا متطابقة وإلا رمنا من ذلك إلغاء سنة من سنن الله تعالى في الخلق وهي الاختلاف والتنوع، ويترتب على ذلك أنه يسع كل طائفة من المسلمين أن تنفر وتسلك الطريق الذي تراه مناسبا وما تعتبره أكثر أهمية من غيره في إصلاح مجتمعات المسلمين ولكن هذا لا يعفي من التعاون والتآزر والموالاة والنصرة وجمع الكلمة.

 

 

إطار أهل السنة والجماعة:

ومن المسلّمات أنه مهما اختلفت مناهج الدعوة والإصلاح بين الجماعات الإسلامية التي تنتمي إلى منهج أهل السنة والجماعة فإنه لا يجوز لهم الاختلاف في الكليات المعتمدة لدى أهل السنة والجماعة ولهم الاختلاف فيما دون ذلك من التدقيق العلمي وفرز التفاصيل وعليه فلا يجوز أيضا قيام أي جماعة منهم باستخدام مناهج التشكيك الكلية تجاه اجتهادات الآخرين، وإلا أدى ذلك إلى إخراج تلك الجماعات لبعضها البعض من إطار أهل السنة والجماعة.

 

انضباط الأداء الدعوي بالوسع والمصلحة:

    ومن المسلمات أن الشريعة قد حددت ضوابط دقيقة لعملية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تراوحت بين الوسع وبين ميزان المصالح والمفاسد المتصورة والناجمة عن تلك العملية، وهي مسطرة واسعة استقرت المدارس الإسلامية المختلفة على مواقع محددة منها وبغض النظر عن مواقع المدارس الإسلامية على مسطرة الوسع والمصلحة فكل ينشد تحقيق أفضل النتائج والنأي عن المفاسد سواء سلك طريق الأمن والاستقرار أو تجشم الصعاب والمهالك فكلهم يرغبون في تحقيق أعلى المصالح بميزانهم والذي وجدوا لـه مثيلا في التطبيق لدى علماء المسلمين من قبل.

 

التحذير العظيم من فساد ذات بين المسلمين:

ومن المسلمات أن صلاح ذات بين المسلمين أصل عظيم من أصول الإسلام فقد ورد عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دُبّ إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء، هي الحالقة حالقة الدين لا حالقة الشعر، والذي نفس محمد بيده لا تؤمنوا حتى تحابّوا، أفلا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم". مسند الإمام أحمد 1424.

 

ويعلق صاحب شرح عون المعبود في الجزء 13 ص 216 على ذلك بقولـه: وفي الحديث حث وترغيب في إصلاح ذات البين واجتناب الإفساد فيها، لأن الإصلاح سبب للاعتصام بحبل الله وعدم التفرق بين المسلمين، وفساد ذات البين ثلمة في الدين من تعاطى إصلاحها ورفع فسادها نال درجة فوق ما يناله الصائم القائم المشتغل بخويصة نفسه. انتهى.

 

وأول إصلاح ينبغي أن يتحقق هو صلاح ذات بين الدعاة أصحاب الاجتهادات الإسلامية المعاصرة والذين أضر بالدين فساد ذات بينهم كثيرا.

 

فإذا أمكننا الاتفاق على كل أو بعض تلك المسلمات في الفقرات الماضية يمكن أن ندلف إلى بقية التفاصيل بيسر أكثر.