·   ثالثا: تصنيف الجماعات الإسلامية

 

إن تشكل الجماعات البشرية سنة كونية تطبع حياة البشر أينما كانوا، وهذه السنة المطردة إنما تشق طريقها في الناس وفق مستلزمات محددة تدفع بالسنة إلى الظهور، ومن تلك المستلزمات وجود أزمة في حياة أي أمة ثم اختلاف النظر إلى تلك الأزمة، ومنها ظهور قادة ومجتهدين يقولون أقوالا محددة تلقى قبولا في الناس فيلتفون حول أولئك القادة فتنشأ الجماعة، ومنها جاذبية وسحر التاريخ حيث تتشكل الجماعات على أمل استعادة صور محددة من التاريخ ومحاولة إحياء تلك الصور في الواقع المعاش، ومنها موقع الأمة التي تنتمي لها الجماعة المعنية وحالة تلك الأمة وموقعها على سلم التدافع بين الأمم، ومنها طبيعة البيئة التي تتولد فيها الجماعة المعنية فإن أي جماعة تكون أسيرة بدرجة كبيرة لتلك البيئة ومعطياتها، إلى غير ذلك من المستلزمات لظهور سنة تشكل الجماعات.

 

وإن تشكل الجماعات الإسلامية المعاصرة  قد خضع بلا شك لتلك المستلزمات وعليه فيمكننا أن نرى غلبة رؤى محددة ساهمت في تشكيل كل جماعة على حده، ولعل من أهم الأسباب التي ساهمت في صنع تلك الجماعات هو طبيعة ورؤى مؤسسها، ثم البيئة التي حكمت تشكل تلك الجماعة وتطورها.

 

ولكي نعطي أمثلة دقيقة على ما تم عرضه سابقا من حيث تأثير تلك المستلزمات في تكوين الجماعات فإننا يمكن أن نتوقف عند أربع مدارس أساسية شكلت الأرضية الأصيلة للجماعات الإسلامية المعاصرة في مجتمعات المسلمين وتلك الجماعات هي:

جماعة الإخوان المسلمين

جماعة التبليغ والدعوة

الجماعات السلفية

الجماعات الصوفية

 

فقد تحدد أداء تلك المدارس بمقولات مؤسسيها وحدود الاجتهاد الذي وقف عليه كل مؤسس، والذي تأثر بدوره ببيئته وظروف أمته، فنرى الإمام حسن البنا قد تأثر كثيرا بمسألة إعلان سقوط الخلافة الإسلامية والتي شكلت حدا فاصلا بين تاريخ وتاريخ في الأمة المسلمة، وعليه فإنه قد بنى اجتهاده على هذا التحول المهم في حياة الأمة المسلمة وجعل جل همه موجها للمنكر الأكبر الذي ينبغي أن يحارب ويستبدل بالمعروف الأكبر وهو الإمامة وإقامتها وعليه فقد جعل سقف المشروع ضرورة عودة الخلافة الإسلامية، وفي سبيل تحقيق ذلك الحلم الكبير قال بضرورة إعادة بناء الجيل المسلم عقيدة وخلقا وعملا وجهادا، كما أن مشاهدة الإمام البنا لطبيعة الصراع الذي كانت تخوضه الأمة الإسلامية وتعقد ذلك الصراع والأدوات التي استخدمها الأعداء من سياسة وإعلام وتربية وغيرها جعله كل ذلك يختار الرؤية الشاملة لإعادة البناء ويصر على استخدام الأساليب المعاصرة وتوظيفها في الصراع، وقد لعبت البيئة المصرية بلا شك دورا هاما في تشكل رؤية الإمام البنا بما كانت تحمله من تاريخ للأمة تمثله مصر وبالمعارك الكبرى التي نشبت على ساحاتها حيث اتخذها الصليبيون الساحة التالية للصراع الفكري والثقافي بعد تركيا وإسقاط الخلافة فيها وبقرب موقع مصر من الغرب الصليبي وإطلالتها على حقيقته وكثرة المثقفين والوعاة فيها وبالتطور المدني والسياسي للمجتمع المصري وفاعلية الأدوات العلمية التاريخية كجامعة الأزهر وبقية الجامعات والمعاهد.

 

ومن هنا تنوع اجتهاد الإمام البنا واتسعت رؤاه الإصلاحية لتشمل العقيدة والتربية وإعداد الجيل الواعد ولتشمل تلك الرؤى العمل السياسي والإعلامي والمؤسسي وغيره، بل وتوظيف الجهاد الذي غاب طويلا عن الأمة للذود عن المقدسات.

 

كما أثرت البيئة في نشأة جماعة التبليغ تأثيرا كبيرا تلك البيئة التي وجد المسلمون أنفسهم فيها مستضعفون وقلة على كثرتهم بعد أن تمكنت بريطانيا من فك رباط الأمة الإسلامية في شبه القارة الهندية وبعثرتها على ثلاث مواقع هي الهند والباكستان والبنغال، وبعد أن فعل الاستعمار البريطاني فعله في استعباد القارة الهندية وإنهاء أية مقاومة فيها، بل وتوظيف الهنود لخدمة التاج البريطاني في العالم والموت في سبيله· وبتطور العصبية الهندوسية وتطور الفكر الوطني الهندي الذي خدع به المسلمون كثيرا، وبتعدد الانتهاكات الهندوكية ضد المسلمين وفقدان المسلمين لأية حركة تمكنهم من صد العدوان الذي تكرر عليهم كثيرا فقد ترسخت فيهم قيمة المسالمة خاصة مع فقدانهم الأمل بنصرة إخوانهم المسلمين لهم والذين بات يلفهم السبات العميق في كل مكان من العالم، كما كان لترسخ المدارس الصوفية القديمة بين المسلمين في تلك البيئة أثرها الكبير في تشكل آمال هذه المدرسة، ففي ظل هذه البيئة ولدت جماعة التبليغ وترعرت وبدأت في نشر أفكارها في بقية العالم الإسلامي مؤكدة على تربية النفس والروح غاضة الطرف عن بقية أجزاء الشريعة من علم وفكر وسياسة وجهاد واقتصاد واجتماع لأنها تعتقد بأن التعرض لتلك الأمور سوف يعقد عملية الدعوة والإصلاح فآثرت السلامة وألزمت أتباعها بعدم التعرض لأي شيء خارج تعاليمها.

 

وأما المدرسة السلفية والتي نهضت في شبه جزيرة العرب فقد تأثرت كثيرا بأقوال أحد أهم مؤسسيها وهو الإمام محمد بن عبدالوهاب والذي راعه انتكاسة عقيدة المسلمين في مهد الرسالة وانتشار البدع والخرافات وابتعاد الناس عن روح الإسلام وصفائه فجعل يؤكد على ضرورة العودة إلى ذلك الصفاء مما أهل دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب أن تكون أحد معالم النهضة الإسلامية المعاصرة بتأثيرها على الدعوات التي جاءت بعدها كدعوة الإخوان المسلمين، ولكن تطاول الأمد بين مقولات المؤسس ومن جاء بعده وتعلق هذه المدرسة في مراحلها الأخيرة بالوضع السياسي المعاصر في شبه الجزيرة العربية والذي نشأ في ظل ترتيب الإنجليز لشؤون العرب كلها وليست الجزيرة العربية وحدها واتخاذ الدولة السعودية الحاكمة لهذه المدرسة كعمق ديني لتأكيد همينتها وسيطرتها على شبه الجزيرة العربية فقد كان لذلك كله الأثر السلبي على تطبيقات هذه  المدرسة من حيث تابعية هذه المدرسة لرؤى الحكم والتي وضعت بدورها سقفا محددا لممارسة هذه المدرسة وعليه فقد توقف أداؤها على التأكيد بحسن صنيع الأسرة المالكة وحصر الدعوة في مساجلات كلامية مع المدارس الأخرى، وانحبست الفتاوى الصادرة عن هذه المدرسة في إطار البيئة السياسية والاجتماعية المحدودة دون الأخذ في عين الاعتبار المستجدات التاريخية في الأمة المسلمة وما فرضه الأعداء عليها من أوضاع سياسية، كما كان لالتزام هذه المدرسة بالتطبيقات المذهبية في ظل مذهب الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة رحمه الله والاقتصار عليه أثره في اصطدام هذه المدرسة بما عليه المسلمون في مواقع أخرى من العالم والتزامهم بالمذاهب الفقهية الأخرى، وقد تولد من هذه المدرسة مدارس أخرى تقاطعت بعض اجتهاداتها مع اجتهاد المدرسة الأم ومنها المدرسة السلفية العلمية التي قادها الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق في الكويت في نهاية السبعينيات وتميزت في مصر مدرسة أنصار السنة وخرجت الجماعة السرورية في السعودية في الثمانينيات (نسبة إلى مؤسسها الشيخ محمد بن سرور زين العابدين) والذي دمج المقولات السلفية في مجال العقيدة بالأداء الفكري والحركي للإخوان المسلمين في استهداف إقامة الدولة المسلمة، وبقيت المدرسة السلفية الكبرى في إطار ما عرف بالسلفية المدنية نسبة إلى نشأتها الحديثة وتبلورها في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.

 

وأما الجماعات الصوفية فقد شكلت ولتاريخ طويل الأرضية والخلفية الدينية للأمة المسلمة وفي أغلب الأقاليم الإسلامية وبلغ من عمق استقرارها بين المسلمين أن شكلت تلك المدارس المرجعية المذهبية وقادت تلك المدارس الصراع ضد الغزو العسكري الصليبي في إفريقيا وآسيا وجنوب شرق آسيا ولكن الأساليب الحديثة التي استخدمها الصليبيون في المكر والدهاء واستخدام القوة مكنهم من إخضاع بلاد المسلمين في نهاية الأمر فسقطت كل الرؤوس الواعية والمجاهدة في الأوساط الصوفية في العالم الإسلامي وبدأ المستعمر يشكل الأوضاع السياسية في المسلمين فاتخذ من الأرضية الصوفية منطلقا لتأييد الأوضاع التي بناها ثم جاء الساسة الذين رضعوا من لبان المستعمر الصليبي فأجادوا استخدام تلك الأرضية خداعا للمسلمين وتمكنا من رقابهم فأصبحت المدارس الصوفية لونا دينيا تراثيا يجمل ساحات المسلمين المتخلفة ويتخذ منها مواسما للسياحة في بلاد المسلمين ومنذ ذلك الوقت لم تشكل المدارس الصوفية أية أدوار إصلاحية حقيقية في بلاد المسلمين لا على المستوى العقدي ولا على المستوى السياسي والجهادي إلا ما تشكل من بعض الأدوار بنهاية القرن العشرين عندما ساهمت بعض المدارس الصوفية في مواقع من الجهاد المعاصر في آسيا الوسطى والبوسنة والشيشان.

 

وبناء عليه فإن التصنيف للجماعات الإسلامية يمكن أن يأخذ أكثر من منحى ومن ذلك تصنيف تلك الجماعات وفق منطقة عنايتها وتركيزها في الإصلاح من الناحية الاجتهادية أو العملية:

 

فهي إما أن تكون جماعات تركز على الرؤية الشاملة في الإصلاح وإما أن تهتم تلك الجماعات بواحدة أو أكثر من مفردات الإصلاح حسب الاجتهاد والوسع.

 

كما يمكن تصنيفها نسبة إلى مدخل الاهتمام العلمي المسيطر عليها: كالمدرسة الشرعية التي تعنى بنص العلوم الشرعية وهي الجماعات السلفية أو المدارس الفكرية التي تعنى بالنظر في الصراع الفكري والسياسي وهي جماعة الإخوان وحزب التحرير أوالمدارس التعبدية التي تعنى بالبعد الروحي والزهدي كجماعة التبليغ والجماعات الصوفية.

 

وإن التصنيف السابق في النظر إلى الجماعات الإسلامية لا يعني إهدار أدوارها الإيجابية في الدعوة إلى الله والآثار الطيبة التي تركتها في العالم الإسلامي ولكن الطرح السابق كان لتبيان آثار طبيعة النشأة والمؤسس والبيئة في تشكل تلك المدارس.