·   خامسا: النقد العام لأداء الجماعات الإسلامية

 

وفي هذه المفردة سوف أستعرض مجمل الإنجازات والمعوقات الكلية التي رافقت مسيرة الجماعات الإسلامية المعاصرة وذلك من خلال توظيف غير مباشر لمعايير التقويم سابقة الذكر:

§         اتضح بأن اختلاف الجماعات الإسلامية لم يكن كله بلاء وفتنة فقد كان في بعض جوانبه اختلاف رحمة فقد كان اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد ذلك أن الاختلاف أتاح مضي كل جماعة لتحقيق اجتهادها في ساحات المسلمين وباستخدام أساليبها الخاصة مما نوع الأداء المدرسي في الأمة وقد كانت الأمة ولا تزال بحاجة لهم جميعا ولجهودهم بدليل أنه لو قامت كل جماعة من تلك الجماعات بمضاعفة جهودها مرات ومرات فلا تزال ساحات الأمة بحاجة إليها، وكما كان في الأمة الإمام عبدالله ابن المبارك العالم المجاهد فقد كان فيها الإمام الفضيل بن عياض العالم الزاهد العابد.

§         واتضح بأنه لا تغني جهود جماعة عن جماعة ذلك أن توجه الاجتهاد في كل جماعة نحو مسألة أو مسائل محددة جعلها تتقن أداءها وتتخصص فيه تخصصا يصعب على البقية أن يؤدوه بنفس المستوى فقد كان لانصراف المجاهدين للجهاد في أفغانستان طوال الثمانينيات من القرن العشرين أثره العظيم على معادلات الكفر المستقرة في العالم ولم يكن بإمكان المدارس الإسلامية الأخرى لتقوم بهذا الدور والعكس صحيح فقد أدى انصراف بقية الحركات الإسلامية إلى الدعوة والإعداد أثره العظيم على سائر الأمة المسلمة والعالم.

§         واتضح بأن انصراف كل جماعة نحو اجتهادها قد أهلها لتنبيه بقية الجماعات بل والأمة إلى حاجتها لهذا النوع من الاجتهاد والعمل وإلا مالت الأمة نحو أداء محدد من مسطرة هذا الدين العظيم وهذا ما جعل الجماعات بجملتها تؤدي دورا متوازنا في الأمة ودورا رقابيا فيما بينها فقد قامت الجماعات السلفية المعاصرة بدور بارز في حفظ الدور المرجعي الذي تلعبه النصوص في بناء الأمة دون اختلاط وتأثير لأي مرجع آخر.

§           واتضح بأن انتشار الجماعات الإسلامية على مستوى الأمة قد أوجد أجواء موحدة في الاجتهاد والتطبيق الإسلامي وهي درجة من النهضة محمودة فمن لا يعرف في المسلمين اليوم جماعة التبليغ وأسس دعوتها في العالم وكذلك من لا يعرف الدعوة السلفية أو دعوة الإخوان المسلمين أو الجهاد وبقية الدعوات والجماعات وهذه الأجواء تؤهل الأمة إلى نقلات أخرى بشرط أن تعزم قيادات الحركات والجماعات على إحداث تلك النقلات.

§           واتضح بأن بعض الجماعات تمكنت من إحداث نقلة مباركة في التنسيق والتواصل كان من أهمها العلاقات التي تطورت بين الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية في باكستان وحزب الرفاه في تركيا، وكان من أهمها التفاهم الذي جمع عددا وافرا من الجماعات الإسلامية في باكستان إبان الهجمة الصليبية على أفغانستان بعد أحداث 11 سبتمبر.

§          واتضح بأن أداء الجماعات الإسلامية قد أوجد بنية تحتية مباركة من الأجيال الملتزمة والمؤسسات العاملة والتجارب الثرة وهو ما يرجى أن يرفع الحرج الشرعي عن الأمة بقيام هؤلاء الدعاة بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله والتصدي للأزمات الكبرى في تاريخ الأمة المعاصر، وهو ما يمكن أن يستثمر لاستكمال المسيرة الإسلامية بشرط إدخال تعديلات هامة في تلك البنية ومنها تخفيف الألوان الفاقعة لكل جماعة وتخفيف حظوظ النفس لدى القيادات وغير ذلك من المتطلبات.

§           واتضح بأن الجماعات الإسلامية لا تزال تمتنع امتناعا يكاد يكون كليا عن التقارب والتعاون والتلاحم أو على أقل تقدير أن ترى حسنات الآخرين فتعترف لهم بالفضل ولا تبخسهم أشياءهم فكل يرى الآخر بعين الريبة والشك والعزلة إذا لم يره بعين البغض والكره.

§          واتضح بأنه لا يمكن لأي جماعة أن تنفرد بصناعة واقع ومستقبل الأمة لوحدها مهما بلغت إمكانات وقدرات تلك الجماعة ودليل ذلك الواقع المشاهد ومستوى العجز الذي آلت إليه أمور الجماعات الإسلامية وهي متفرقة، فلا جبهة الإنقاذ تمكنت من إحداث نقلة وافرة في واقع الأمة في الجزائر بعد سقوط الشيوعية فيها ولا الإخوان المسلمون بقيادة محفوظ النحناح رحمه الله تعالى تمكنوا من ذلك، ولكن الاعتراف بهذه الحقيقة صعب.

§           واتضح بأن أكثر الجماعات قد تعارضت وتقاطعت أدوارها بينها في أحيان كثيرة دون أدنى مستوى من الاعتراف بعضها ببعض أو السعي إلى التنسيق والتكامل بينها على أقل تقدير ومن أمثلة ذلك التعارض ما وقع بين الإخوان المسلمين والسلفية في أكثر من موقع فيما يخص العمل السياسي والبرلماني في الكويت وغيرها، ومنها التضارب الذي نشأ على خلفية سعي أغلب الجماعات لملء الفراغ واستثمار الفرصة التي نشأت عن خروج بلاد المسلمين في آسيا الوسطى والقوقاز من الستار الشيوعي الحديدي، فكان من نتيجة ذلك التدهور الذي أصاب بعض التجارب المباركة كانتصار الشيشان على الروس عام 1996 في بادئ الأمر ثم وقوع الاجتياح الروسي لتلك البلاد والذي نتج عن استثمار الروس للتعارض الإسلامي على الساحة الشيشانية بين المدرسة السلفية والمدرسة الصوفية.

§          واتضح بأن النقد الموجه من فريق للآخر يمكن أن يتكرر عند المنتقدين فقد انتقد البعض قيام البعض بالمواجهة المسلحة لأنظمة الحكم الشيوعية والبعثية مثلا وما نتج عن ذلك من شهداء ودماء فإذا بالمنتقدين يكررون نفس العمل وبمستوى أكبر كما انتقدت المدرسة السلفية دور الإخوان في سوريا فإذا ببعض أجنحة هذه المدرسة تكرره في الجزائر وفي الصومال في بداية التسعينيات وهكذا بغض النظر عن الملابسات التي صاحبت تلك التجارب، كما قامت الجماعة السلفية العلمية بالكويت بالدخول في الأداء البرلماني بعد أن كانت بعض الاجتهادات السلفية لا تراه البتة.

§           واتضح بأن كل جماعة تتخذ من اجتهادها مرجعية كاملة ونهائية للحكم على بقية الجماعات وتنزل اجتهادها منزلة الدين ذاته مما منع من أدنى مستويات التفاهم والتنسيق حتى أعطت كل جماعة لنفسها الحق بالحكم على كل ما هنالك من أحوال وأوضاع في الأمة وذلك وفق اجتهادها ومقولات مؤسسها أو مجموع مؤسسيها، وعليه فترى أصحاب الجهاد يجهلون (بتشديد الهاء) أصحاب السياسة وأصحاب العلم الشرعي يجهلون أصحاب التزكية والعكس صحيح، كما أن أغلب الجماعات لا ترى دورا للأمة غير متابعة اجتهادها ورؤيتها.

§          لقد شاب خطاب الجماعات الإسلامية قدر من الدعاية وفنون التسويق والمبالغة في نقد اجتهاد الآخرين ومحاولة تغليب اجتهاد كل جماعة على اجتهادات الآخرين وهي مسألة وإن كانت فطرية لكن خطرها ماحق إذا تركت دون التزام بما يمليه الشرع على المختلفين فيما يسع فيه الاختلاف وهذا يقتضي التوقف والتأمل وتخليص الخطاب من تلك الشوائب، فمن فنون الدعاية المستخدمة الإغراق في استخدام المصطلحات استخداما قاطعا كمصطلح العقيدة الذي أصبح سيفا مسلطا فإما أن يتبع الآخرون اجتهاد رافعي هذا الشعار - ونعم الشعار هو- وإما أن يُـتّهموا بالتخليط مع العلم بأن هؤلاء المجتهدين وإن كانوا واقفين على أرض راسخة في مسألة العقيدة ومسائل أخرى لكن يصعب التسليم لهم ببقية مفردات اجتهادهم، فما لم يتفهم أصحاب هذا الاجتهاد هذه المسألة وإلا فإنهم سوف يتهمون الآخرين بالخروج من ربقة الدين ومن فنون الدعاية ربط بعض الاجتهادات في هذا العصر بسلسة من علماء المسلمين في التاريخ وضمهم كلهم ضمن اجتهاد محدد وعليه فإن من خالف هذا الاجتهاد فقد خالف أولئك الأئمة الأعلام! ومن فنون الدعاية ادعاء بعض الاجتهادات الفهم الشامل الكامل فمن خالف هذا الاجتهاد ففهمه واجتهاده ليس شاملا.

§          وقد حرصت أغلب الجماعات على تلقين القادمين الجدد إليها فنون الخصام والجدال وإظهار نقائص وعيوب الآخرين من أول يوم لهم فيها فتنغلق الآفاق على هؤلاء الملتحقين فلا يسعهم إلا أن يتحركوا وفق ما تم تلقينهم إياه فمتى تحصل المؤاخاة بين المسلمين إذا كان هذا حالهم؟

§           واتضح أن من أهم التطورات السلبية في فقه الجماعات الإسلامية هو نمو القول وتكاثره بالفهم الخاص للإسلام عند كل جماعة وامتناع هذا الفهم على الآخرين مما يكرس الانغلاق ويضعف التواصل والاصطفاف وراء المشروع الإسلامي ومتطلباته الكبرى.

§          اتضح بأن طول الأداء المنغلق لكل جماعة قد أورثها منظومة من القيم الداخلية المعطِّلة (بكسر الطاء) والتي باتت تشكل بيئة طاردة للقيم الإيجابية كالتعاون والرغبة في التطوير والتحسين ومن تلك القيم المعطلة قيمة الانغلاق التي تغذي العواطف الداخلية لكل جماعة وتحافظ على الصفاء ورؤية النجاح دائما والابتعاد عن التنافس، ومن تلك القيم المعطلة قيمة الجمود والتي قد يسميها البعض أحيانا بالثبات على غير مسماها الحقيقي حيث ينعكس الجمود على كل شيء من القادة إلى الخطة إلى التصور عن العالم الخارجي للمؤسسة، وغير ذلك من القيم المعطلة التي تحتاج إلى دراسة متأنية.

§           واتضح بأن الأداء المنغلق لكل جماعة قد جعل بعض تلك الجماعات تنفرد بمعالجة أخطر شؤون الأمة دون استصحاب الآخرين سواء كانت تلك القرارات في المجال السياسي أو الجهادي أو الدعوي.

§          واتضح بأن الأداء المنغلق للمدارس الإسلامية المعاصرة قد جعل الأعداء يتخذون قرارات ضربها دون أن يوحد الضرب فيما بينها فقد ضُرب الإخوان في مصر وغيرها وبقي الآخرون يتفرجون وضُرب الجهاديون في مصر وبقي الآخرون ينظرون وضُرب السلفيون في الجزائر وبقي الآخرون ينظرون وضُرب السروريون في السعودية وبقي الآخرون ينظرون وهكذا.

§           واتضح بأن الجماعات غالبا ما تهمل تتبع منظومة القيم الإسلامية المتكاملة عند إعداد أتباعها فخرج نتيجة ذلك الجيل الإسلامي المعاصر وقد تضخمت فيه بعض المعاني واضمحلت فيه بعض المعاني الأخرى فترى بعض الخاشعين في الصلاة أو بعضا من طلبة العلم الشرعي يظهرون دهشة كبرى للأداء الجهادي ويستغربون من أهله وترى الكثير من الملتزمين يعيبون على إخوانهم الاستقلال والجرأة في نقد الأداء الإسلامي ويعتبرونه شقاقا وخروجا، ولو تأملنا منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في إعداد الصحابة فإنه وكما أعدهم صلى الله عليه وسلم بالصلاة والذكر وطاعة الأمير فإنه أعدهم بالاستقلال وقوة الرأي وتميز الشخصية حتى رأينا الحُباب بن المنذر رضي الله عنه يطل على التاريخ قبيل بدر فيُشير بملاحظته الاستراتيجية والتي أتاحت للمسلمين موقفا متفوقا على كفار قريش.

§          واتضح بأن غالب الجماعات الإسلامية تهتم بكسب الأفراد إلى صفوفها فإذا تمت عملية الكسب والولاء تُـركَ هؤلاء من زيادة العلم وزيادة العبادة وزيادة المهارات فتتم عملية إدارتهم بالعاطفة وحدها مما يهدد بالانجرار إلى المواقف الكبرى دون تأمل وتبصر.

§          واتضح بأن شدة الضغوط السياسية والأمنية التي مورست ضد الحركات الإسلامية خلال عقد التسعينيات من القرن المنصرم قد أدت إلى نتائج سلبية كثيرة في أوساط الحركات الإسلامية ومنها تبرؤ بعضها من بعض رغبة في السلامة ومنها سلوك البعض مسلك التمويه الشديد على المسار الإسلامي حتى اختلطت الأمور على المسلمين فلم يعودوا يتبينوا حقيقة المواقف ومدى قربها من الإسلام كالموقف في تركيا عندما تبارى بعض من قادة الحركة الإسلامية في دعم مبادئ أتاتورك بقيادة أردوغان وكذا الموقف في السودان حين اختلف القادة في قمة الهرم القيادي وكما نرى من بعض المنتمين للحركات الإسلامية الذين يحرصون كل الحرص على صدور شهادات حسن سيرة وسلوك لهم من النظم السياسية التي باتت تخدم الأعداء أكثر مما تخدم الأمة· وعليه ومع الإقرار بظروف الاستضعاف وشرعية التمويه فالحرب خدعة ولكن لا بد أن يتم ذلك بضوابط حددتها الشريعة فلا يصل الأمر إلى ضياع المشروع الإسلامي واختلاطه بغيره من المشاريع.

§           واتضح بأن أكثر ما أضر بمسيرة الجماعات الإسلامية المعاصرة هو وقوعها في أسر الانتقائية الفقهية والانتقائية التاريخية والانتقائية الجغرافية والتي باتت تشكل مقولات قيادات كل دعوة وجماعة مما ضيق واسعا ومنع تفاهم وتواصل تلك الجماعات حتى أنهم لم يتمكنوا من التجمع ولو في ظل حلف الفضول الذي مدحه رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: >شهدت غلاماً مع عمومتي حلف المطيبين، فما أحب أن لي حمر النعم وأني، أنكثه<·رواه أحمد، فما بالكم بالحلف على نصرة الأمة المسلمة وفي ظل هذا الدين العظيم؟

§           واتضح بأنه رغم أن أغلب الجماعات الإسلامية أصبحت عابرة للقارات وتشكل أحد عناصر العولمة في عالم اليوم لكنها وقعت أسيرة للحدود السياسية القاصرة وللحدود العصبية القومية ولم تتمكن بعد من بناء الجسور التي تتمكن الأمة المسلمة من العبور عليها إلى واقع أفضل وتكامل في أدائها، ومن أمثلة ذلك أن ترى دعاة ينتمون إلى نفس المنهج الدعوي كالإخوان والسلفية في مختلف البلدان لكن صفتهم الأولى التي تتقدمهم ليس انتماءهم الدعوي وإنما انتماؤهم القطري والمكاني.

§          واتضح بأن تفرق الجماعات الإسلامية قد مكن الحكومات من استخدامها بأشكال شتى فقد لعبت تلك الحكومات على تناقضات الجماعات الإسلامية وتمكنت من توظيف عداء بعضها لبعض فقربت هذا وأبعدت ذاك واتخذت من شرعية الجماعات شرعية لها وهكذا.

 

 

واتضح بأن أشد ما يعطل تكامل أداء الجماعات الإسلامية اختلافها على نقاط رئيسة تتمحور حول التالي:

       -      تفسير الوضع السياسي في الأمة وما يستتبعه من انعكاسات كالموقف من حكام المسلمين.

-      تفسير الوضع السياسي العالمي وتعامل المسلمين معه.

-      مسألة تحديد المنهج الأساسي المتبع في عملية التعامل مع الأوضاع السياسية بين المسلمين أو مع أعدائهم.  

-      التقييم الكلي لمنهج كل جماعة إسلامية وأسس التعامل فيما بينها.