· أولا: التوطئة
يعتبر هذا الفصل من أدق الفصول في الكتاب وذلك لأنه يعالج مسألة حساسة وهي مسألة التغيير والنظريات التي حكمتها صور التطبيق الميداني لها والنتائج التي ترتبت عليها والتي أثرت بدورها على مسارات العمل الإسلامي طوال النصف الثاني من القرن العشرين ولا تهدف هذه الدراسة إلى مجرد التنبيه أو شطب وإلغاء بعض النظريات السائدة وإنما تهدف إلى إعادة النظر والتقويم التي تهدف إلى فسح ميدان الخيارات في مجال التغيير ورفع الإغلاق الذي سد الطرق الاستراتيجية في هذا الميدان.
وتتعلق قضية التغيير بكبرى المسائل الشرعية والفقهية في الإسلام فهي تتناول موضوع تحكيم الشريعة الإسلامية كمصدر وحيد للأحكام في واقع المسلمين وهي تتعلق بمسألة الولاية والإمارة وتتعلق بعلاقة المسلمين بغيرهم من الأمم حيث تدخل تلك المسائل في ضمن مواصفات الدولة المسلمة وتعريف المجتمع المسلم كما أن قضية التغيير تتعلق بمسائل الفتن وذلك لما يرد في هذا المجال من استقطاب شديد إما باتجاه الحرص على حقوق المسلمين وحرماتهم وإما الوقوع في انتهاك تلك الحرمات كما أنها تتعلق بأهم واجب مناط بالسلطة في الإسلام وهو النظر في المصالح العليا للأمة واتخاذ الإجراءات الكفيلة بحفظ تلك المصالح، وقد درج أهل السنة والجماعة منذ الفتنة الكبرى التي حدثت في صدر الإسلام على التأكيد على عدم جواز الخروج على الحاكم المسلم أو السعي لتغيير نظام الحكم الذي يعبر عنه بنزع عصا الطاعة، ويعتبر الأئمة الذين أجازوا الخروج قلة بالنظر إلى الذين منعوا وحذروا من ذلك، ولكن بسقوط الخلافة الإسلامية في القرن العشرين وقع المسلمون في وضع مستجد لم يعهدوا مثله منذ بعثة المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو أن يكون الولاة من المسلمين لكن إمكاناتهم في تطبيق الإسلام وصون بيضته قد تلاشت نتيجة لتحكم الكفرة في بلاد المسلمين وعليه فإن قيام ولاة المسلمين اليوم بتولي شؤون المسلمين والنظر في مصالحهم العليا قد امتنع عليهم امتناعا كاملا إلا من رحم الله وقليل ما هم ولا أدل من ذلك على ضياع المقدسات تحت أسماعهم وأبصارهم بل وقيامهم بمنع المسلمين من دعم المجاهدين الذي تطوعوا للذب عن المقدسات علاوة على عدم وجود مرجعية شرعية مستقلة تنتهي لها الأمة في تحديد المخرج من هذه الأزمة الكبرى وعليه فإن المسلمين اليوم يفتقدون المرجعية السياسية والشرعية وهي من الأركان التي يقوم الدين عليها والعمل لإرجاعها من أوجب الواجبات الشرعية.
وعند تتبع مسيرة المرجعية السياسية والشرعية للأمة منذ بعثة المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى الآن يمكن أن نتتبع التحولات التي تعرضت لها في المراحل التالية:
§ المرحلة الأولى: مرحلة النبوة حيث كانت المرجعية السياسية والشرعية متمثلة في شخص الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
§ المرحلة الثانية: مرحلة الخلافة الراشدة وهي التي انضبطت فيها المرجعية السياسية والشرعية بنظام الخلافة الراشدة فقد تمثلت المرجعية السياسية والشرعية في شخص الخليفة ومن حولـه من أهل الحل والعقد وهو النظام المعني بحفظ مصلحة الأمة والنظر فيها دينية كانت أم دنيوية.
§ المرحلة الثالثة: مرحلة الملك والتي افترقت فيها المرجعية السياسية عن المرجعية الشرعية فأصبحت المرجعية السياسية متمثلة في الخليفة المسلم الذي تحول ملكه من الخلافة إلى الوراثة تلك التي بدأت ببني أمية، وكانت المرجعية الشرعية تتمثل في كبار علماء الأمة ومشايخها الذين غالبا ما آثروا الاستقلال عن نظام الملك حتى يتمكنوا من أداء دورهم دون أن يؤثر عليهم القرب سلبا فكانوا بذلك حراسا لمسيرة الأمة وميزانا لأداء الخليفة حتى بلغ الأمر أن تعرض كثير منهم للأذى بسبب هذا الدور وذلك الاستقلال كما حصل للإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة وغيره.
§ المرحلة الرابعة: وهي المرحلة التي بدأت بسقوط خلافة بني عثمان وبدء الملك الجبري بإنهاء السلطان الديني في واقع المسلمين فانهارت بذلك المرجعية السياسية وانهارت معها المرجعية الشرعية مع أن العلماء لم يغيبوا عن الأمة ولكن أداءهم أثناء المرحلة الثالثة أصبح مرتبطا بسقف المرجعية السياسية الملتزمة بأركان الدين وحماية بيضته فلما انهار ذلك السقف في هذه المرحلة لم يسعف وجود العلماء لتشكيل مرجعية شرعية وافرة للمسلمين خاصة في ظل تفرق الاجتهادات وضغوط الأوضاع السياسية الوضع الذي لا يزال مستمرا إلى يومنا هذا وعليه كان الطرح المميز الذي جاء به الإمام البنا هو ضرورة أن يسعى المسلمون إلى إعادة الخلافة الإسلامية وبذلك تعاد اللحمة من جديد بين المرجعية السياسية والشرعية وأن تعد الأمة الإعداد الذي يؤهلها للوصول إلى تلك المرحلة.
وكان لا بد من أن تقوم الحركات الإسلامية بمعالجة هذا الخلل الواسع والمستجد في الأمة بتدرج وتقليب الاجتهاد في كل الاتجاهات، والتعاطي مع المصلة العليا للمسلمين من خلال إدامة النظر في شؤونها إذ لا يعقل أن تترك الأمة نهبا للأعداء من الخارج ومسرحا للمغامرين الطامعين في الداخل.
كتطبيق عملي حدث أول اختبار للحركة الإسلامية في التعاطي مع المصلحة العليا للأمة بشكل عملي عندما تم تثبيت الدولة اليهودية بأيدي الصليبية العالمية عام 1948م فتعرضت الحركة نتيجة لجرأتها على القيام بالاعتراض العملي الجهادي على اليهود إلى المنع والمصادرة وهذا أعطى بدوره ملامح واضحة لطبيعة التحديات التي ستواجهها الحركة الإسلامية مع النظم المستنبتة في الأمة وهو ما تحقق لاحقا في كل شبر من بلاد المسلمين في العالم.