·   ثانيا: العوامل المؤثرة في نظريات التغيير

 

أ/ أثر الاجتهاد النظري في المشروع الإسلامي على مسألة التغيير:

لقد أثرت الأطروحات النظرية للمشروع الإسلامي كثيرا على الأداء في مجال نظريات التغيير فهي في الأغلب قد قيدت هذا النوع من الأداء ووضعت اشتراطات عريضة ودقيقة للتطور في الأمة حتى يمكن الحديث عن التغيير ومن تلك الاشتراطات نمو جيل متكامل وفق المواصفات الإسلامية ومنها قابلية الأمة لقبول التغيير في الناحية النظرية ثم دعمه في الناحية العملية إلى غير ذلك من الاشتراطات وحذر المشروع من الطيش والتسرع ولكنه ترك الباب مواربا للدخول في هذا النوع من الأداء مع الاشتراطات، ذلك فيما يخص التغيير بالقوة أما التغيير بالأساليب القانونية والدستورية والمدافعة المدنية فقد اعتمدها المشروع كأساس للعمل في هذا المجال بل وقام الإمام حسن البنا رحمه الله بتجربة عملية في الإطار البرلماني.

 

ويعتبر الخطاب الثقافي الذي اعتمده المشروع في تحديد الأمراض التي تعاني منها الأمة واستعراض تاريخها في العزة والاستقلال ودورها العالمي المرجعي دافعا قويا للجيل الملتزم من شباب الحركة الإسلامية نحو المضي والشوق لتجربة ألوان الطيف التغييري.

 

ب/ أثر منظومة الحكم في العالم الإسلامي على مسألة التغيير:

وقد تأثر الأداء التطبيقي في التغيير بأداء منظومة الحكم في العالم الإسلامي بلا ريب طموحا وانتظارا، فقد أثرت الممارسات العملية والنظرية لتلك المنظومة مباشرة في مسيرة التغيير عند الحركات الإسلامية ومن ذلك:

1-  الإنقلابات العسكرية التي سادت المنطقة في الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم والتي قادتها أحيانا رتب صغيرة في جيوش العالم العربي والإسلامي والتي أعادت مسألة شرعية النظم السياسية إلى المربع الأول.

2-  البرامج الفكرية والعقائدية التي طرحتها منظومة الحكم أو تلك التي سمح بها حيث كان أغلبها إذا لم تكن كلها مجافية لدين الأمة وعقيدتها فهي إما تنتمي لشرق أو لغرب مما استثار الدعاة والمنظوين تحت لواء الحركات الإسلامية.

3-     التخاذل الذي أبدته منظومة الحكم في نصرة قضايا الأمة خاصة قضية المقدسات.

4-  البطش والإرهاب الذي طبق على الحركات الإسلامية والذي استشرى ولم يسلم منه إلا القليل النادر من الأنظمة وفي حقبة الأمريكان الحالية دخل الجميع في هذه الدائرة فكل مسلم ملتزم متهم عند الأنظمة حتى يثبت تخليه عن دينه (أي إرهابه).

5-     الأداء الديموقراطي المشوه والذي وضع خطوطا حمراء لمنع الحركات الإسلامية من تحقيق أي إنجاز من خلال الأداء الديموقراطي.

6-  الممارسات المخالفة لشريعة المسلمين من التشريعات الرسمية التي أباحت الخمر والبغاء والتي ألغت الأحكام في مجال الحدود والاهتمام الكبير الموجه لتطبيق البرامج الإفسادية في المجال الخلقي في أوساط الشعوب وقطاعات الشباب على وجه الخصوص كبرامج الفتوة والمخيمات المختلطة التي طبقت في سوريا وغيرها وأجبر فيها بنات المسلمين بالاختلاط بالشباب والمبيت معهم في مخيم واحد واللعب والرقص حتى الفجر مما فجر الغضب في قلوب رجال الأمة. بل أكثر من ذلك عندما أقرت نوادي العراة في بعض بلدان المسلمين كتونس بورقيبة، وقد ذهب شيوعيو اليمن الجنوبي مذهبا أخطر عندما حولوا المساجد إلى مراقص وخمارات ومعاهد لتعليم الإلحاد.

7-  الحرص الكبير الذي أبدته أغلب منظومة الحكم بإبقاء الشعوب المسلمة تحت خط الفقر بشكل متعمد فلا فرص التجارة الحقيقية متاحة، والرسوم والمكوس الباهضة لا تجعل أحدا يفكر بالعمل والتجارة أصلا والمصادرة والانتهاكات والرشاوى المنتشرة تحت سمع وبصر الحكومات وسيطرة مراكز قوى معينة على كل مقدرات البلاد إلى غير ذلك من البلاء والأذى الذي عم أغلب بلاد المسلمين إذا لم تكن كلها.

8-  الممارسات المتوالية والتي تؤكد ولاء الأنظمة للكفار فكل ما يريده الصليبيون ويرغبون به تسارع الأنظمة إلى تطبيقه وكل ما تريده الشعوب المسلمة تسارع الأنظمة إلى عكسه.

 

ج/ أثر المشروع الصليبي والوضع العالمي على مسألة التغيير:

كما تأثر الأداء في موضوع التغيير بالمشروع الصليبي الذي فرض على الأمة وكذا بالأوضاع العالمية التي حرمت المسلمين من حقوقهم ومارست عليهم كل أنواع الضغوط ومن ذلك:

1-  التقاء الشرق والغرب على دعم المشروع اليهودي، مع ما بين الفرقاء من خلاف لكنهم يلتقون على دعم اليهود وقد قوى هذا الأمر من عزم الداعين إلى التغيير خاصة عندما استقرت ممارسات الأمم المتحدة في هذا الاتجاه وفقه المسلمون اللعبة فقضية تيمور الشرقية تفصل فيها الأمم المتحدة خلال سنوات محدودة وقضية فلسطين وكشمير تستمر أكثر من نصف قرن دون أدنى تدخل!

2-  وكان لميل كل أمة من الكفار على من يليها من المسلمين أثره في شعور الأمة بوحدتها وأن العداء موجه لعقيدتها لا لقومياتها فما علاقة مسلمي الهند بالفلسطينيين عندما يتكامل أداء الهندوس مع اليهود في دعم متبادل؟ وهذا عزز بدوره من نظرية تحامي أبناء الأمة وتكتلهم وسعيهم للتغيير وأنه هو الذي سينقذهم لا غير.

3-  تأثرت نظريات التغيير بالأداء الاقتصادي الاستعماري الذي يضع الأفضلية في التنمية والمشاريع الكبرى وقوانين التجارة العالمية لأمم النصارى ثم للأمم الأخرى من هندوس وبوذ ووثنيين، ولا يكون نصيب المسلمين إلا النهب من ثرواتهم.

4-  تأثرت نظريات التغيير بالوضع العالمي في مرحلة الحرب الباردة وذلك لانغلاق الوضع أمام من يريد التغيير فهناك قوى عالمية كبرى متفقة والصراع الميداني يتحكم فيه هؤلاء بطريقة أو بأخرى فهو إما يكون صراع استنزافي للأطراف الميدانية وإما أن يكون البعد الاقتصادي متحكم فيه لتشغيل مصانع السلاح أو لتجربة الأسلحة ولا تتمكن الأطراف على الأرض من حسم الموقف وفي حال تمكنت من حسمه فإن قوانين ومسارات الأمم المتحدة بالمرصاد.

5-  تسببت الحالة العالمية السابقة بتقديم البعد القومي للشعوب على البعد الديني بسبب ضبابية المواقف وعزل الأمم عن بعضها البعض وتم إظهار قضايا المسلمين أنها قضايا قومية محدودة هنا وهناك وهذا جعل بقية أطراف الأمة وشعوبها في موقف المتفرج فكل قوم مطلوب منهم أن يحلوا قضيتهم بطريقة أو بأخرى، ولا يشارك أحد من الأمة في مسار أي قضية إلا القضية الأفغانية التي كسرت هذا الحاجز وتسرب الأبطال من جنبات الأمة يصنعون واقعا جديدا ذلك الواقع الذي أخاف الشرق والغرب على السواء وتبع ذلك قضية البوسنة فالشيشان.