· ثالثا: تقويم نظريات التغيير
إن الذي يجمع نظريات التغيير وعددها خمس نظريات هو عامل واحد مهم يتمثل في العزم والاستهداف لإحداث تغيير جوهري في مناطق الحكم العليا في بلاد المسلمين بحيث يتوصل من خلال ذلك التغيير إلى فسح المجال أمام تطبيق الشريعة الإسلامية وإلى الحكم بما أنزل الله تعالى في مختلف شؤون الحياة أو أغلبها على أقل تقدير وأن ترفع الفتنة عن المسلمين المتمثلة في إجبارهم على اتباع مناهج غير منهج الإسلام وأن يتمكن المسلمون من ثرواتهم ويؤدي ذلك إلى ممارسة أدوارهم المستقلة كبقية شعوب العالم إلى غير ذلك مما يستتبع هذا النهج.
وعليه فإن النظريات الأخرى والتي ليس فيها تحديد دقيق لهذا العامل لا تدخل ضمن نظريات التغيير المطروحة هنا مع عدم الاستهانة بها فقد مهدت النظريات الأخرى لنظريات التغيير بلا شك، ومن ذلك نظرية الانبثاث والعمل الطويل المدى وعلى كل الأصعدة من تربية الجيل والتغلغل في المؤسسات وأخذ جميع العوامل المؤثرة بالحسبان في مجال السياسة والاقتصاد والاجتماع وغيره.
والنظريات التي سوف يتم استعراضها وتقويم الأداء التطبيقي فيها هي خمس نظريات كالتالي:
1- نظرية الانقلاب العسكري والثورة المسلحة.
2- نظرية التغيير من خلال الدساتير والبرلمانات.
3- الجهاد المباشر ضد الكفرة على أنواعهم.
4- نظرية إدارة الأزمات والتعامل مع الانهيارات.
5- الثورة الشعبية أو العصيان المدني الشامل.
النظرية الأولى: نظرية الانقلاب العسكري والثورة المسلحة·
وهي النظرية التي أثارت جدلا كثيرا في أوساط العمل الإسلامي وذلك لما ترتب عليها من إشكاليات وتجاوز معدلات الفشل فيها معدلات النجاح إلى درجة أنه لم تنجح إلا محاولة واحدة هي محاولة السودان على يد الشيخ حسن الترابي.
وفيما يلي تقويم مختصر لهذه النظرية:
1- لقد استندت هذه النظرية إلى أرضية صلبة من القواعد الشرعية التي توجب نصب الإمام في حال قفز على رؤوس المسلمين من هو ليس بأهل لهذه المهمة ففرط في مصالح المسلمين الكبرى أو ممن وطّـأَ ومهّد لهم الكفار لحكم المسلمين ورسموا لهم طريقتهم فاستولوا على الإمامة في بلاد المسلمين وضاعت في عهودهم كل مصالح الأمة وبالنظر في الواقع العالمي الذي تشكلت في ظله الأنظمة السياسية في بلاد المسلمين في منتصف القرن العشرين يُـتأكد أن كل بلاد المسلمين كانت خاضعة إما لنصارى الغرب أو شيوعيي الشرق وما كان لأمير في المشرق أو في المغرب أن يستقل بتصرف في ملك بلا رضا منهم ومواطئة وبهذا فقد تحقق ما تحدث به علماء المسلمين من الواجب المتحقق عند خلو الزمان من إمام يقوم بأركان الشريعة ولم يحتج الدعاة الذين طبقوا هذا الحكم إلى تكفير الحكام للخروج عليهم بالانقلاب العسكري فيكفي تضييع الحكام للمصالح الكبرى للمسلمين حتى يتحقق جواز خلعهم، وهذا أمر ليس لـه علاقة البتة بموضوع الصبر على الولاة من المسلمين والسمع والطاعة لهم وإن ارتكبوا المخالفات فذلك بحث يتعلق بحال يكون الأمر فيه للمسلمين أي أن ولاة الأمر واقفون فعلا على المصلحة العليا للأمة فلا يضر حينئذ ما يطرأ عليهم من بعض الانحراف ويعتبر الصبر عليهم واجب ولكن العامل الأساسي الذي تحكم تحكما نهائيا في جدلية جواز أو حرمة تطبيق نظرية الانقلاب العسكري ليس الأصل الشرعي بل هو ما يترتب على تلك النظرية من مفاسد فإن غلبة المفاسد وكثرتها جعلت المتحفظين على النظرية داخل الحركة الإسلامية أغلبية.
2- لقد تحكمت أوضاع الأمة الداخلية في فشل هذه النظرية إذ أن المناهج الفكرية والخلقية التي سادت في الخمسينيات والستينيات من قومية علمانية وشيوعية ملحدة جعلت نصرة الأمة للإسلاميين محدودة وضعيفة إذا لم تكن مستحيلة حيث تمكن ملحدوا اليمن من الشيوعيين مثلا عام 1970أن يقتلوا مائة وخمسين عالما وشيخا في حضرموت بطريقة السحل (أي بجرهم بالسيارات حتى الموت) وكلهم قد جاوزوا السبعين والأمة تنظر، بينما لما تجدد الدين في اليمن كان الشباب الغض يتطاير للشهادة على قاعدة العند بالقرب من عدن حتى أسقطوا الشيوعية الحمراء وانتقموا لأجدادهم.
3- لم يكن تقدير الوضع الداخلي والخارجي دقيقا عند أكثر من قاموا بالمحاولات الانقلابية حيث إن النظام الذي اعتمده الصليبيون في التحكم في الأمة لم يكن يعتمد على القصر وحده فهناك السفارات وهناك الجنرالات وهناك الأحزاب الأخرى المتربصة، وأما في الخارج فهناك القوى الإقليمية الحارسة (الشرطة) وهناك المنظومات الإقليمية التي لا بد أن تعترف بالانقلاب وهناك الأمم المتحدة التي لا بد أن تعترف بدورها بتلك الانقلابات وهكذا، أما من نجح من الشيوعيين أو القوميين أو البعثيين أو الجنرالات في انقلاباتهم فقد رتبوا أوضاعهم مع السفارات، ولذا كان من أهم أسباب نجاح انقلاب السودان الإسلامي في نهاية ثمانينيات القرن العشرين هو اهتبال فرصة التشتت وانكسار النظام الدولي والانشغال بأفراح سقوط الاتحاد السوفييتي وترتيب البيت العالمي للصليبيين وهي نفس الفرصة التي حاول صدام حسين أن يهتبلها بغزوه للكويت لكنه وقع في الفخ.
4- كان من أهم أسباب معارضة هذه النظرية هو التعرض لدماء المسلمين من أفراد الجيوش ومنتسبي الأجهزة الأمنية والذين ساقتهم أقدراهم وأرزاقهم للعمل في هذه الأجهزة حيث يتوقع أن يكون القتل فيهم أكثر من القادة المفسدين خاصة مع عدم الاطمئنان إلى قدرة الإنقلابيين الأكيدة على حسم الموقف وتقليل الخسائر.
5- الانكشاف الذي سوف يتعرض له الانقلابيين وحاجتهم إلى الاستعانة بمصادر داخلية وخارجية وخاصة الخارجية ومع عدم وجود أي بقاع خالصة للمسلمين في ذلك الوقت فإنهم سيقعون ضحية الاستعانة بنظم مجرمة كما حصل للإخوان السوريين عام 1982 الذين استجاروا بالنظام البعثي العراقي ضد النظام البعثي النصيري فكانوا كالمستجير من الرمضاء بالنار ومع وجود ما يجيز هذه الاستعانة في الشرع خاصة في مراحل الاستضعاف لكن العمل بهذه النظرية في ظل النظام الدولي المستحكم في ذلك الوقت أي مرحلة الحرب الباردة قد خيمت عليه ظلال كثيرة من الشك في إمكانية النجاح.
6- عدم توفر إجابات كافية للتعامل مع التداعيات التي تصاحب تطبيق هذه النظرية في مجال تشكيل القيادة ومجال التعامل مع التطورات في الداخل والخارج مما يؤدى إلى كثرة الخلافات والانشقاق وهو الذي حصل في التجربة التي خاضها الإسلاميون في سوريا في بداية ثمانينينيات القرن العشرين السورية كما تحقق ولكن بدرجة أخف في التجربة السودانية.
6- والآن وبعد أن تطاول الزمن بين تلك التجارب اتضح أن عدم اتساع التطبيق المستند على هذه النظرية كان من لطف الله عز وجل لأن الدعاة كانوا سيقعون في أكثر من فخ ومنها:
§ فخ الدماء وهي أول ما سوف يسأل الله عز وجل عنه.
§ الاختلاط الشديد ورمادية الصورة حيث كان نفاق الأنظمة منطلي على الأمة واتهام الدعاة بأنهم مجرد طالبي سلطة.
§ الوقوع في فخ النظام الدولي والتماهي معه وخدمته بشكل أو بآخر والتجاوب مع الوضع الإقليمي الذي يفرض مسارا محددا لا يقبل بالتحول الإسلامي وهو ما يعانيه السودان في هذه المرحلة.
§ لم يكن ليفرض تطبيق الإسلام على الأمة بالقوة.
§ خطر التربص الداخلي والحروب الأهلية.
7- وحتى ننصف رجال الأمة وشهدائها فلا بد أن نشير إلى أن تطبيق تلك النظرية لم يكن خاليا من الإيجابيات ولعل أهم تلك الإيجابيات هو حاجة المشروع الإسلامي إلى التجارب التطبيقية الشجاعة التي أظهرت معدن الأمة الحقيقي لا ذلك الذي ولول مرتعدا أمام اليهود، كما جددت تلك التجارب اعتراض الرجال على انتهاك الحرمات من قبل النصيرية والنصارى والشيوعيين ومن لف لفهم وأنه انتهاك غير مقبول بأي حال من الأحوال ولو على الرقاب، ثم حاجة المشروع للأبطال الشهداء الذين استقرت دماؤهم الطاهرة الزكية في مستودع الأمة فهي تنبت الرجال والشهداء على الدوام، وستبقى مصدر إلهام كدماء مصعب وخبيب بن عدي رضي الله عنهما وسيقتفي أثرها الأحفاد قريبا بإذن الله عز وجل أولئك الذين قال الله تعالى فيهم:)وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ( (آل عمران:169).
ومع ذلك فأنا أشعر أني لم أنصف رجال الأمة فهم كثر أولئك الذين حاولوا تطبيق هذه النظرية والذين اهتزت بهم عيدان المشانق والذين جددوا سنة خبيب رضي الله عنه فصلوا ركعتي الشهادة ولم يطيلوها في العراق وفي تونس وغيرها.
النظرية الثانية: نظرية التغيير من خلال الدساتير والبرلمانات:
وقد اعتمد من أجاز العمل بهذه النظرية من علماء المسلمين القول بضرورات المرحلة الاستضعافية والتي يجوز فيها للمسلمين أن يعملوا تحت المظلة الديموقراطية على ما فيها من فساد وبما هو متاح لرفع الصوت الإسلامي والقيام ببعض التحسينات على الحياة العامة للمسلمين من خلال إقرار القوانين المستمدة من الشريعة ويمنعوا الفساد قدر استطاعتهم ويزاحموا المفسدين من أصحاب العقائد الأخرى من شيوعيين وعلمانيين وغيرهم، وقد قاد هذه النظرية ثلاث مدارس إسلامية الأولى مدرسة نجم الدين أربكان في تركيا والثانية مدرسة الجماعة الإسلامية في الباكستان والثالثة مدرسة الإخوان المسلمين بتطبيقات في مواقع مختلفة من العالم العربي والإسلامي.
وفيما يلي تقويم مختصر لهذه النظرية:
1- إن المدة التي استغرقتها هذه النظرية في محاولات التطبيق والتحسين قد استغرقت ثلاثة عقود أو يزيد.
2- لقد حقق الإسلاميون الذين عملوا بهذه النظرية بعضا من الانفراج واستثمروا الوقت في رفع كلمة الإسلام وأفسحوا للدعوة والتأثير العام في المجتمعات المسلمة وكسبوا مساحات جيدة وأسكتوا المتنطعين من العلمانيين الذي يتهمون العمل الإسلامي بعدم قدرته على التجاوب مع الظروف العامة واستثمار الفرص المتاحة.
3- وقد كان للتطبيق الذي سعى إليه أربكان والحيل التي استخدمها قصب السبق في مصاولته للعلمانية الأتاتوركية وكان كمن يتسلق جبلا فإذا وصل قمته تدحرج إلى القاع وهكذا دون إقلال من الجهود وأجر الاجتهاد لكنها الحقيقة الماثلة.
4- لم يلاحظ أهل الشرق وهم يأملون في التطبيق الديموقراطي علاقة الديموقراطية بمستنبتها فقد تأسست في بيئة لها شروطها وتاريخها وأحلامها وهو ما لا يتوافر البتة في الشرق حيث ارتضتها المجتمعات النصرانية الغربية وتواطأت على تطبيقها والخضوع لها ولشروطها دون استثناء ولكي تخدم آمال تلك الأمم في العالم بالهيمنة والاستقرار والرفاهية والتفوق فمن مبادئها استثمار أفضل ما في الشعوب النصرانية من طاقات إبداعية وأن تتمتع تلك الشعوب بحرية حقيقية غير منقوصة وأن يتم تداول السلطة بين الأحزاب الكبرى التي تشكل الأرضية السياسية لتلك المجتمعات على أن تستميت تلك الأحزاب في خدمة مجتمعاتها وخدمة أهدافها الكبرى وأن يتم ذلك من خلال الفصل بين السلطات الثلاث وسيادة كاملة غير منقوصة للقانون ومحاسبة الحاكم على أعماله وتصرفاته وتقييد حريته المالية وأن يكرس الحكم لخدمة المبادئ، وعليه فهو تراض بين جميع الأطراف بحيث لا يعلو أحد على أحد وقد كان لهذا التفصيل والمقايسة الزمانية والمكانية أثرها على النظرية وتطبيقها، ولذا لم نجد النظرية تعمل عندما تم نقلها إلى بيئات أخرى لعدم توافر الشروط التي تعمل وفقها النظرية وتعطلت عند كل المجتمعات الأخرى حتى النصرانية المتخلفة عن المجتمعات الغربية فهي لم تعمل عند الشيوعيين بجناحيهم الروسي والصيني ولم تعمل عند الهنود إلا بطريقة مشوهة فأغلب قادتهم السياسيين تنتهي حياتهم بالقتل ولم تعمل في أمريكا الجنوبية ومن باب أولى أن يتعذر عمل هذه النظرية في بلاد المسلمين وليس في هذا إعذار لساسة الشرق ولا اتفاق معهم على تحريم الديموقراطية ولكنها الحقائق التي لا يريد الكثيرون أن يروها.
5- وقد تعرضت الديموقراطية في الشرق لعــُقــد وألغام أثناء محاولات التطبيق في العالم الإسلامي فكلما نزع لغم انفجر آخر وكلما حلت عقدة ظهرت أخرى فأصبح الناس في حيص بيص ومن تلك العقد:
§ عقدة الإدارة الخارجية والتأثير الخارجي فقد كان خوف فرنسا طاغيا من فوز الإسلاميين في الجزائر أكثر من علمانيي الجزائر أنفسهم، ولم نر يوما القوى الاستعمارية (الصليبية) قد شجعت الديموقراطية في بلد واقع تحت نفوذها بل بالعكس دعمت تلك القوى الديكتاتورية طويلا كما فعلت فرنسا في الجزائر والمغرب وسوريا وكذا فعل الإنجليز في مصر والعراق والجزيرة العربية واليمن والسودان وكذا فعل السادة الجدد الأمريكان من بعدهم في إيران وإندونيسيا وغيرها.
§ عقدة الدجاجة والبيضة وهي مسألة علاقة الحاكم بالدستور وبالبرلمان، فكلما كان هناك بصيص أمل بانفراج من نوع ما تطايرت الأوراق واختلطت وتعطل البرلمان أو تعدل الدستور، والحاكم هنا مختوم بختم مدى الحياة وهو ختم لا يرفعه عنه إلا السادة الأصلاء.
§ عقدة المحاسبة على ثروات الأمة وأبواب صرفها وتوزيعها فدون ذلك خرط القتاد.
§ ومن العقد مصادرة حق تشكيل الأحزاب وإذا سُمح بها فهي معدودة مختومة بينما الأصل في الديموقراطية تعدد الأحزاب.
§ ومن العقد التلاعب بالقوانين للحد من الواقع الميداني المؤثر للحركات الإسلامية فتفصل قوانين الانتخابات بالطرق التي تضمن سقوط الإسلاميين وبكل قانونية ونزاهة!
§ ومن العقد التزوير الذي تستخدم فيه الشرطة والأمن والجيش أحيانا إذا لزم الأمر.
§ ومن العقد عدم السماح بالدعاية للأحزاب وهي من لباب العملية الديموقراطية.
§ ومن العقد التمويل إذ أن الحركات الإسلامية فقيرة معدمة لا يمكنها حشد الأموال لشراء الأصوات ودفع الملايين لضمان النجاح وهي من لباب العملية الديموقراطية.
§ ومن العقد عند تجاوز تلك العقد كلها والوصول إلى البرلمان سيف حل البرلمان المسلط على الرقاب في أي لحظة تجاوز فيها الأعضاء حدودهم والحدود غير معروفة أصلا.
§ وفي حال فشلت كل تلك العقد في توقيف الإسلاميين عن البرلمان فالجنرالات بانتظار الإشارة من أمثال سوكارنو وسوهارتو إلى عرفاء ورقباء الجيوش العربية إلى كنعان ايفرين إلى غيرهم من المحدثين.
§ وتوهم البعض بأن الانفراج سيكون في العالم الإسلامي والعربي قريبا بناء على شيخوخة الكثير فإذا بالأبناء جاهزين وأولاد العمومة متربصين والدستور تكسر رقبته إذا لم تلين والبرلمان جاهز للتصديق والتحول من الجماهيرية إلى الملكية الوراثية بجرة قلم.
6- وقد استخدمت الديموقراطية كطعم قاتل للإسلاميين في الجزائر حيث ما أن تم التلويح بإمكانية الدخول إلى البرلمان حتى بدأ الفرز بين الإسلاميين أنفسهم على أساس الانتماء فهاهنا إخوان وهنالك سلفيون ومن بينهم منشقون ومتكتلون تمهيدا للصراع والسباق والشعب ينقاد لفطرته التي حرم منها سنين طويلة ويخدع بعض الإسلاميين حيث اعتقدوا أن الديموقراطية أصبحت حقيقة ماثلة في الجزائر فتذهب بهم حماستهم أن يصرحوا بأن دولة الإسلام قاب قوسين أو أدنى وأن على من لا يقبل بها أن يرحل! هكذا وبكل بساطة وخناجر الصليبية جاهزة وبالمرصاد فما أن تفرز الصناديق الحقيقة الكبرى إلا وتصدر الأوامر من الكاثوليكية العتيقة في فرنسا ويتحرك جنرالات الجيش لحماية مكتسبات النصارى في هذه البلاد. ولو كانت الحقائق الكبرى وتقدير المصالح العليا واضحة ومستقرة في أذهان قادة الدعوة الإسلامية إلا من رحم لهان الأمر عليهم ولعلموا أن للحق صولات وجولات فهم في تلك الحالة بين خيارين فإما ثورة شاملة وافرة تحفظ حقوق المسلمين فإن لم تتأتّى فإنجاز مرحلي محدود ريثما تنضج الساحة أكثر ولكنهم وقعوا أسرى للعبة سياسية ماكرة فلم ينفعهم التفاف الشعب حولهم إذ فقدوا الحنكة والمكر وزاد من تعقد الأمر أنه ليس للمسلمين من مرجع ينسق مواقفهم ويحدد مصالحهم مع المحاولات التي بذلت في هذا الصدد فمتى تصحو قيادات الحركات الإسلامية ومتى تستجيب لنداء ربها بالوحدة والاخوة ومتى تتقي الله عز وجل في المسلمين؟
7- وقد بذل الإسلاميون المستحيل للبقاء ضمن مربع التفاهم الديموقراطي في العالم الإسلامي فلم يقبل أحد منهم ذلك ولا أدل عليه مما فعله أربكان في تركيا طوال ثلاثة عقود وكذا ما فعلته الجماعة الإسلامية في باكستان فقد تقلبت بين الساسة المدعومين من الغرب كبوتو الأب والبنت وبين الجنرالات المتعاقبين، أما ما حدث من نجاح ظاهري ومفاجئ في تركيا بعد ذلك فله أسبابه الخطيرة والتي منها التحول في السياسة العالمية بقيادة أمريكا وذلك بفرض رؤى جديدة تسمح باستخدام كل من يبدي الاستعداد الوافر لخدمة أهدافها في المنطقة ثم إن التحول بني على انشقاق وانهيار كبير للمسيرة الإسلامية فهل سيتمكن المستلمون لبعض شؤون السياسة العليا في تركيا من تحقيق مصلحة عليا للمسلمين في تلك البقعة الهامة من بقاع المسلمين؟ ولماذا لم تعمل ألاعيب الديموقراطية في تركيا تلك التي حجمت التيار الإسلامي ولجمته طوال عقود؟
8- والخطورة الكبرى في التحول الشكلي الذي تهدف إليه أمريكا في مجال الديموقراطية في العالم الإسلامي يكمن في استخدامها لذلك التحول لحلحة الموقف السياسي العام وجموده دون أن يستفيد المسلمون حقيقة من هذا التغيير مع استخدام الراغبين الجدد في تأكيد الهيمنة الأمريكية وهي جزء من استراتيجية أوسع تقضي باستبدال القطع القديمة في منظومة أو ماكينة الحكم في العالم الإسلامي بقطع جديدة.
9- وأخيرا هل تلاشى الأمل تماما في هذه النظرية بينما جهات كثيرة من الإسلاميين يتهيئون للالتحاق بركبها خاصة بعدما تجددت بعض الممالك المجهرية وأنعم على بعض الإسلاميين بالعباءات العربية كأعضاء في البرلمان وجلسوا تحت التاج البريطاني المجدد وتنافسوا تنافسا شريفا كإخوان وسلف وكاد بعضهم يفسق بعضا ويحرم بعضهم التعاون مع الطرف الآخر؟
10-إن احترام القانون والديموقراطية وحقوق الإنسان قد بلغ ذراه في العالم في ظل نظام الحرب الباردة كما اصطلح عليه ومع ذلك ومع وصول التطبيق الديموقراطي أحسن صوره فلم يحصل المسلمون على شيء يذكر في هذا الباب سواء كانت الأسباب داخلية أو خارجية خاصة في المواقع الاستراتيجية كمصر والجزائر وغيرها فماذا يُـتوقع اليوم وفي ظل الحرب الساخنة التي يشنها جورج بوش؟
11-إن ما كان يتاح من هوامش للحرية المحدودة في العالم الإسلامي قد أعطيت بمقياس معين وهو ما كان تسمح به المرجعية الغربية ومع ذلك وفي ظل الهامش المذكور لم يحقق الإسلاميون تنفسا طبيعيا لأمتهم فماذا نتوقع وقد أغلق السادة تلك الهوامش تماما فما كانوا يرضون به في الجزيرة العربية مثلا أو يسكتون عنه من مظاهر تدين وتعليم إسلامي قد بات يقلقهم كثيرا وهم يستعجلون التغيير الكامل وشطب القرآن الكريم من واقع المسلمين وإلا قاموا بتغيير الولاة، فهل نعتقد بعد ذلك في ظل هذه الأوضاع أن يسمح للإسلاميين أن يستخدموا الديموقراطية لتغيير حقيقي في بلاد المسلمين؟؟
12-كما ينبغي أن يحذر الدعاة من الانصراف الكلي عن الدعوة والسماح للأداء الديموقراطي بإفساد علاقة الدعاة ببعضهم فيختلفون على من يقدم للترشيح وتشتعل المعارك في المدرسة الواحدة وبين المدراس الإسلامية المختلفة أحيانا وينصرف الدعاة المتخصصون في تربية الأجيال وتعليمهم بمقاعد البرلمان وقببه.
13-ومع ذلك فليمض من فسح لـه المجال في هذا الميدان إلى النهاية وليكتشفوا بأنفسهم هذه الحقائق فإن وجدوا فرصة للتغيير وجب عليهم أن يستخدموها إلى آخر رمق متاح.
النظرية الثالثة: الجهاد المباشر ضد الكفرة على أنواعهم.
وهي النظرية التي تجددت في العصر الحديث بين المسلمين وفي وقت عصيب وضعف شديد ولكن سنن الله عز وجل تعمل ولن يوقفها أحد:)سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً( (الفتح:23).
وقد كانت أول بادرة ضمن المشروع الإسلامي هي بادرة الإمام البنا (دون أن نقلل من جهود من سبقوه في فلسطين وجاهدوا ومهدوا للاحقين) وذلك عندما عزم على قتال يهود، ومع ما تعرضت لـه تلك المبادرة من مصادرة لكنها وضعت خميرة مباركة للأعمال التالية، ثم كانت المناوشات مع يهود أيضا في الستينيات من قبل المجاهدين الذين انطلقوا من الأردن، وكانت هناك بعض الأعمال الجهادية المتفرقة في العالم كقتال نصارى الفلبين على يد مجاهدي مورو وكقتال الإخوان في اليمن للشيوعيين وتصدي المجاهدين لليهود في لبنان عام 1982 و كانت القفزة الكبرى من خلال العزمة المباركة التي عزمها الرجال الأشداء وهي قتال الشيوعيين في أفغانستان والذين كانوا يقتسمون الدنيا بأسرها مع الأمريكان فجدد بذلك الأفغان سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم عندما جيش الجيش باتجاه الروم في غزوة تبوك وأين العرب يومئذ من الروم عدة وعتادا؟
وهي النقلة التي عصفت بالنظام العالمي وجرأت المسلمين في كل مكان على الكفار ولو علم النظام العالمي يومها بمستقبل تلك التحولات لما طاب لـه أن يسقط الاتحاد السوفيتي ولكنها السنن.
ثم كانت عزمة الرجل المشلول التي عانقت السماء يوم عزم وإخوانه على قتال يهود وفي عقر تحصيناتهم فكانت إبداعا خاصا بمن هم في بيت المقدس وأكناف بين المقدس كيف لا وقد خص أهل هذا البيت بهذه الميزة المقدسية فكانت نقلة أخرى استدركت على الأمة كلها كسلها وقعودها تجاه بيت المقدس الذي كان قاب قوسين أو أدنى من الهدم ولا يزال، وكانت نقلة باتجاه التوبة من علة الدهر التي أصابت المسلمين وهي الوهن حب الدنيا وكراهية الموت فعانق الفلسطينيون الموت عناقا حارا بعد طول غياب وكان الأداء الكشميري المميز الذي عز بين المسلمين فلقنوا الهندوس دروسا في حب الموت ألوانا وكان وكان من البوسنة إلى كوسفو إلى الشيشان إلى الطاجيك إلى غيرهم ممن آمنوا بالجهاد طريقا لا ثاني لـه في استعادة مجد المسلمين الضائع.
وفيما يلي تقويم للأداء التطبيقي في ظل هذه النظرية:
1- لقد مثل التطبيق العملي في مجال الجهاد أخطر اكتشاف للمسلمين في العصر الحديث إذ أعادوا بذلك اكتشاف أنفسهم واكتشاف منهجهم فلم يكن ليكفي وصف التاريخ وما فيه من بطولات فإنها تبقى قصصا للتسلية فإذا تقدم الأبطال في الميدان تجسد التاريخ من جديد، وهم بذلك قد وصلوا تاريخهم بتاريخ من سبقهم في الأمة ووضعوا أنفسهم على بداية طريق العزة والتمكين.
2- لقد أعطى الجهاد بمنظومته من السنن المباركة بقدر ما أعطى المسلمين من أنفسهم فتحققت لهم الكرامات والمعجزات وجاءهم النصر المبين وأرغموا أنف العدو فلما تراجعوا عن الالتزام بما أمر الله تعالى به المجاهدين وعجزوا عن استيعاب دروس الجهاد الكبرى حصل التراجع والخذلان وليس بين الله تعالى والناس نسب.
3- ولقد مثل الجهاد الأفغاني أقوى وأوضح النماذج لتطبيق الجهاد المعاصر حيث التف المسلمون عليه في كل الأرض وكانت الدروس الكبرى في ميدان الجهاد الأفغاني كالتالي:
§ استقام الجهاد بمقدار استقامة الصفوف ورصها فلما اختلت اختلت النتائج وضعفت.
§ واستقام الجهاد وحلق في آفاق الشهادة والكرامات بمقدار استقامة وتضحية القادة فلما تسلل الضعف إلى الرؤوس القيادية سرى إلى بقية الجسد.
§ لم يكن هناك عمل فاعل وكاف في الإعداد والتربية والنظرية والاجتهاد الذي يجمع الناس ويؤلف بينهم فلما تدخل العدو بدسائسه تخلخل الصف وتنوعت الاجتهادات.
§ لم يكن هناك احترام للشورى وقفز البعض فوقها فكانت الطامة.
§ وكان تفضيل الأتباع على بقية المسلمين سواء كانوا أولئك الأتباع حزبا أو قبيلة أو غير ذلك فكان الفشل.
§ ولم يكن الحذر من العدو كافيا خاصة عندما تسلل بوجوه المسلمين ففتحت الأبواب وأصيخ السمع ووقعت الفتنة.
§ وغاب تواضع خالد بن الوليد عندما عزله عمر رضي الله عنهما وحل التنافس على الرياسة فكان الفشل.
§ وغاب دور حذيفة بن اليمان الدقيق ودور نعيم بن مسعود الخفي فكان الاختلاط والتخليط.
§ وتم الخضوع للمال وضغوطه فتدخلت المخابرات الوكيلة عن الصليبيين يمينا وشمالا.
§ وغابت نفرة التخصص والاستماع إلى المتخصصين في مجال السياسة والفقه وغيرها من العلوم والفنون فتقدم الرويبضة يفتي في أمر العامة.
§ ولم تجمع مدارس الحركة الإسلامية في العالم تلك التي كانت تدعم الجهاد على تصور متكامل متفق عليه ولم تقدم من الطاقات المتخصصة ما يكفي لحاجة الميدان واكتفت بالقليل فكانت سببا في الضعف أضيف إلى الأسباب الأخرى.
4- وأما الجهاد في فلسطين فقد تحقق لـه قدر أفضل من الجهاد الأفغاني ذلك أنه اعتمد على مدرسة متكاملة هي مدرسة الإخوان المسلمين فتحققت لـه القيادة الموحدة وإن كان التفرع في القيادة بين الساسة والمجاهدين الميدانيين يعتبر مهدد يحتاج إلى عناية ورعاية وسهر، كما تحقق له ممارسة الشورى الملزمة والتي تؤدى بنظام وإدارة دقيقة، وتحقق لـه صف متراص من المجاهدين المتآخين، وتحقق لـه استراتيجية واضحة، وتحقق لـه دعم تخصصي ممتاز وفي جميع المجالات.
5- ومع ذلك يبقى الجهاد في فلسطين بحاجة كبيرة إلى تطوير الدعم من قبل المسلمين وتنويعه وأن لا يكتفوا بالفرجة وجمع المال.
6- كما أن الجهاد في فلسطين بحاجة إلى تكامل بين أجنحة الجهاد ووضع آليات للإدارة والتكامل تتيح استيعاب طاقات الأمة بغض النظر عن الانتماءات المدرسية.
7- ومن أهم حاجات الجهاد في فلسطين هو تجديد الاستراتيجية لـه لكي تتناسب حركته والتطورات الأخيرة في العالم.
8- وقد تعرض الجهاد في المواقع الأخرى من الأرض إلى إشكاليات مشابهة كان من أهمها تفرق المدارس الإسلامية وإصرارها على إنجاز المهمة الكبرى وحدها كما حصل في الشيشان والبوسنة وإرتريا وغيرها.
9- ومن الإشكاليات الرئيسة في فهم وممارسة الجهاد المعاصر عدم تكامل المسيرة الجهادية مع المسيرة الدعوية وتحديد الأدوار التي ينبغي أن يقوم بها المجاهدون ومكان وزمان ذلك.
10-ومن الإشكاليات الرئيسة في فهم وممارسة الجهاد المعاصر إمكانية قيام البعض بصرف الجهاد عن مساره الطبيعي الذي فرضه الله عز وجل وتوجيهه لساحات المسلمين بدلا من الكفرة أو عدم التلاقي الصحيح بالميادين التي يقدرها الله تعالى وفي وقتها المطوب.
11-والجهاد عموما بحاجة إلى استراتيجية تحدد أولوياته ومواقعه الرئيسة وطرق تعامله مع مستجدات واستراتيجيات الصليبية العالمية وغيرهم من الأعداء.
النظرية الرابعة: نظرية إدارة الأزمات والتعامل مع الانهيارات.
وهي نظرية لم تخدم نظريا بعد إلا من خلال ما هو متاح من دراسات إدارية ولم يتم التطرق لها في أوساط العمل الإسلامي بوضوح، ولكن وبدون اتفاق قامت أجنحة الحركة الإسلامية في مواقع مختلفة من العالم بتطبيق هذه النظرية وتحقيق نجاحات جيدة، وهي نظرية مرشحة للتطبيق بكثافة في الربع الثاني من القرن الخامس عشر الهجري وذلك للتطورات التي تشهدها بداية القرن إذ تدل تلك التطورات على مستوى الفوضى والإرباك والانهيار الذي يرشح لـه العالم الإسلامي بأسباب داخلية طويلة الأمد أو بأسباب خارجية لدى الأعداء.
وتتلخص هذه النظرية في تقدم الحركة الإسلامية لملء الفراغ الناشئ عن انهيار النظم والتعامل الدقيق والحاسم مع تلك الانهيارات سواء كان الانهيار سياسيا أو عسكريا أو اقتصاديا أو اجتماعيا، وذلك لبروز فرص وفراغات أثناء الانهيارات لم تكن لتظهر لولا الانهيار مما يرشح الحركات الإسلامية للعب دور مميز في تلك المرحلة.
واما المواقع التي تم فيها تنفيذ هذه النظرية كليا أو جزئيا فهي الصومال والجزائر وكردستان العراق وإندونيسيا وغيرها حيث حرص الدعاة في كل تلك المناطق على قراءة مبكرة للأحداث مما سمح بالتعامل معها وفق التصورات التي تم التفكير فيها قبل ذلك بمدة مما سمح بالتعامل المباشر والميداني مع الأزمة وإما أن يكون الدعاة قد قرءوا الأزمة عند وقوعها فكانت قراء تهم صحيحية ودقيقة فطفقوا يديرون الأزمة بتلك الرؤية الصحيحة والدقيقة.
وفيما يلي تقويم للأداء التطبيقي في ظل هذه النظرية:
1- تضارب الأداء بين المدارس الإسلامية تضاربا شديدا في فهم وإدارة الأزمات وذلك لانقطاع الصلات بين إخوان العقيدة وضعف الثقة والتنافس المذموم مما فاقم من أثر تلك الأزمات على المسلمين ومن يخضعون منهم مباشرة لها كما حصل في الصومال فبينما فريق من الدعاة تعتمد رؤيتهم على التبرؤ التام من الفتنة والحذر الشديد من القيام بأي دور مباشر وغير مباشر فيها وهي المدرسة المتأثرة بالإخوان المسلمين بينما خضع آخرون ممن يمكن أن يوصفوا بتأثرهم بالمدرسة السلفية للتعاطي مع الفتنة من باب الرغبة في استثمار الفوضى لتحقيق تقدم ما في الصومال وتلك المجموعة كانت تسمى بالاتحاد الإسلامي، ونفس الموقف تكرر في الجزائر حيث تضارب اتجاه الإخوان المسلمين مع الاتجاه السلفي في تقدير الموقف ورؤية الأزمة حيث قدر الإخوان المسلمون الموقف بقيادة الشيخ محفوظ النحناح رحمه الله تعالى بأن الأمر في الجزائر مقبل على أزمة تحتاج قدر من التبصر والتأني بينما قدرت جبهة الإنقاذ الموقف على أنه فرصة ذهبية يمكن اهتبالها بالممارسة الديموقراطية. وبغض النظر عن الحكم باتجاه معين في التقدير لكن ضعف التفاهم والتواصل والثقة انعكست درسا بليغا داميا في ذلك الثغر من ثغور المسلمين.
2- تمكنت مدرسة الإخوان المسلمين في أكثر من بقعة في العالم من إدارة واستثمار الأزمات المستجدة إدارة طيبة وما ذلك بعد توفيق الله عز وجل ولتطبيق أسس إدارة الأزمات واستراتيجاتها بشكل صحيح ومن ذلك نجاح حزب الاتحاد الإسلامي في كردستان العراق من استثمار أزمة الخليج الثانية عام 1990م حيث أدى هجوم صدام على كردستان العراق قبيل غزوه للكويت إلى انهيار كل الأوضاع النظامية في ذلك الإقليم ونزح أغلب الأهالي إلى إيران والحدود المتاخمة وقد استثمر حزب الاتحاد الإسلامي الفراغ الناجم والفوضى المتحققة ميدانيا في إعادة ترتيب رؤيته وتعامله مع الموقف الكلي، وكذا حصل في إندونيسيا عندما تمكنت بضع اتحادات من طلاب الجامعات أن يسهموا وبالتعاون مع الآخرين في تحريك الشعب الإندونيسي لإسقاط طاغيته الذي عمر طويلا سوهارتو.
3- يعتبر الوضع الدولي والوضع الإقليمي من أكبر المعوقات والمهددات لتطبيق نظرية إدارة الأزمات في التغيير أو في التحسين من الأوضاع القائمة وما لم تستصحب تلك الأوضاع في تراتيب الرؤية والمراحل وإلا فإنها ستطيح بكل الأعمال في هذا المجال وقد بدا ذلك واضحا في إدارة شؤون الأزمة الصومالية في مرحلة لاحقة حيث لعبت الأصابع الأمريكية في إفساد الاتفاق الداخلي للصوماليين ووكلت ذلك لربيبتها الصليبية في المنطقة إثيوبيا.
4- تعد الفلسفة التي ينظر من خلالها القادة المعنيون بإدارة الأزمات من أكبر العوامل تأثيرا في نجاح وإخفاق التعامل مع الانهيارات وكلما اعتمد القادة على فلسفة استثمار الانهيارات سياسية كانت أو اقتصادية وحتى اجتماعية وليس على مجرد السعي لتبريد الأزمة وإنهائها وتم ربط ذلك برؤية بعيدة المدى كلما كانت الإنجازات أكبر وكلما تعب القادة من الانهيارات وسعوا للتخلص السريع منها كلما كانت الإنجازات بسيطة وهامشية بل إنه يمكن استثمار الانهيارات لوضع أسس دقيقة للمستقبل وعليه فإن ما يقوم به أكثر الدعاة من الإسلاميين اليوم بوضع أنفسهم في نفس قوارب الذين أسهموا في إفساد واقع المسلمين حتى يتلبسوا بحالة واحدة معهم ليفوت عليهم فرصة تاريخية للتغيير ثم لماذا يضع الدعاة المغرم على أنفسهم مختارين ولما يأت وقت المغنم يكون الإقصاء من نصيبهم ولماذا يعتقد كثير من الدعاة أنهم مسؤولون مع الحكومات التي سقطت في فساد إدارتها وسوء رؤيتها كما حصل مرة أخرى في الجزائر ولكن باتجاه عكسي فقد كان يسع الإخوان بقيادة محفوظ النحناح في المرحلة التالية من الأزمة أن يتركوا الجنرالات ووكلاء أمريكا يتخبطون في إدارة الأزمة الجزائرية لا أن يضعوا أجسادهم جسورا يعبر إليها أولئك الجنرالات إلى موضع الاستقرار ولما انتهت مهمة الجسر كان نصيبه الإلقاء في الهاوية وكذا كان نصيب الدعاة الذين اجتهدوا اجتهادا لم يصله أحد من الشعب الكويتي في أزمة الخليج 1990م ولما انتهى دورهم ألقي بهم على قارعة الطريق والموقف أكثر ما يكون ماثلا وواضحا وضوح الشمس في المثال الذي يجري هذه الأيام على أرض العراق بعد الاحتلال الأمريكي حيث تسارع ألوان طيف الخارطة السياسية في العراق ومنهم بعض الإسلاميين لمنح المحتل الأمريكي شهادة حسن سيرة وسلوك وشهادة اعتماد واعتراف بالاحتلال عبر التجاوب وإن كان بدرجات متفاوتة مع البرنامج الأمريكي لمحو آثار الاحتلال أو تجميل وجهه القبيح على أقل تقدير والحجة المعتمدة لديهم لكي لا يفوت القطار السياسي ولعمر الحق إنه قطار الفساد والإفساد فلئن فات فقد ربح المسلمون ولم يخسروا والغريب في الأمر أن الناس يشاهدون ما جنته السلطة الفلسطينية على القضية عندما تجاوبت مع البرنامج الصهيوأمريكي فكل المبررات التي سيقت لم تكن إلا من هذا القبيل حتى وصل الاستعداد للمشاركة في قتل الأهل وقمع أطفال الحجارة الذين رفعوا الآمال في الأمة كلها ولكنه عمى الألوان السياسي.
5- تعتبر الحساسية الفائقة لتوقع المستقبل القريب والبعيد من أهم مستلزمات العمل بنظرية إدارة الأزمات واستثمارها في إحداث التغيير في واقع المسلمين بل وفي أي واقع وعليه فكلما ارتفعت قدرة الدعاة وحساسيتهم في هذا الجانب كلما أجادوا العمل بالنظرية خاصة وأن مستقبل المسلمين مهدد وملغم مما يجعل الحاجة لنظرية إدارة الأزمات ماسة جدا ولعل أحد المؤشرات في صدق هذا التوقع مجمل الأحداث التي مرت بالعالم خلال عقد واحد فقط وهو عقد التسعينيات من القرن المنصرم.
6- وأخيرا فإن نظرية إدارة الأزمات لا يمكن أن تعمل معزولة عن بقية نظريات التغيير فشوطها محدود ومضغوط بالمرحلة الشديدة المصاحبة للانهيارات فإذا تنفس الناس الصعداء كانت الحاجة ماسة لنظرية أخرى تتناسب وتجدد الأوضاع وتغيرها مما يقتضي حسن الإدارة والتنقل بين مختلف نظريات التغيير حسب الحاجة والرؤية البعيدة المدى.
النظرية الخامسة: الثورة الشعبية أو العصيان المدني الشامل.
وهذه النظرية طبقت أو استثمرت في العالم الإسلامي خلال القرن في كل من إيران عند سقوط الشاه وفي السودان عند سقوط نميري وفي إندونيسيا عند سقوط سوهارتو وفي الصومال عند سقوط سياد بري ويعتبر عامل الحركة الإسلامية التغييري في كل حالات الثورة محدودا وإنما لعب الدعاة دور العامل المساعد وليس الدور الأساسي عدا ثورة الشيعة في إيران والتي أسهمت حركة الخميني مساهمة قوية ومباشرة في إحداث التحول وإسقاط الشاه.
وتحتاج هذه النظرية للنجاح تظافر عوامل محددة منها:
1- أن يكون الشعب واقع تحت ضغوط شديدة في النواحي السياسية والأمنية والاقتصادية وغيرها.
2- أن تستمر تلك الضغوط فترة زمنية طويلة.
3- أن تكون المكونات والاجتماعية للشعب الثائر بمستوى من التفاعل والشجاعة واللامبالاة بالعواقب وأن تسوده حالة نفسية من التوافق على معطيات محددة.
4- أن يقدم الشعب تضحيات جسام وذلك بالدفع بالأبناء إلى الأخطار وتحمل الأذى والسجون والهجرة والقتل.
5- أن تلعب القيادات الفكرية والسياسية دورها الفاعل والشامل باتجاه الثورة وتبقى مصرة على هذا الاتجاه.
6- أن تنتظم في الشعب مسارات حزبية واسعة وأن تصل إلى كل شرائح المجتمع خصوصا الشرائح الطلابية والعمالية.
7- أن يتوافر لهذه النظرية على أرض الواقع رموز دينية وسياسية وفكرية يمثل جهادها ونضالها أملا للخلاص.
8- أن يستثمر عامل ظرفي مساعد كانهيار اقتصادي شامل أو انكسار جزئي أو كلي في النظام من الداخل أو ظرف دولي.
9- أن تستخدم وسائل البث الفكري والإعلامي والدعاية بأقوى الأساليب وأنجعها تأثيرا.
ومن مهددات هذه النظرية ما يلي:
سقوط الثورة في يد ديكتاتور آخر أو نظام قمعي جديد.
التدخلات الخارجية والتأثيرات السلبية إما بالمال أو العملاء أو التدخل العسكري.
اختلاف رموز الثورة وتنافسهم الشديد مما يرشح النتائج للوقوع في أيدي من ليس لهم علاقة بها.
حدوث انهيار في برنامج الثورة الأساسي وتحولها إلى حرب أهلية.
تغلب الاطروحات الوطنية على الأطروحات الإسلامية.
ضعف البرامج والاستراتيجية المعتمدة لدى قيادات العمل الإسلامي في إدارة الثورة وتوصيلها إلى بر الأمان.
سيطرة روح الانتقام فيسود التخريب والقتل والنهب.
وبعد هذا الاستعراض لنظريات التغيير التي طبقت في بلاد المسلمين من قبل الحركات الإسلامية وما ترتب عليها من دفع وتحقيق واقع جديد للأمة المسلمة من جهة وما ترتب عليها من جمود وإشكاليات ميدانية يحين موعد وزمن طرح السؤال الكبير: هل بقي في قوس تلك النظريات منزع ومجال للعمل بها وتشغيلها من جديد في بلاد المسلمين أم أنها قد استنفذت أغراضها ولم يعد بالإمكان استخدام شيء منها نتيجة لتعقد الأوضاع أكثر من ذي قبل؟
والجواب لا بد أن يرد مفصلا ومعتمدا على تحليل موقع المشروع الإسلامي وتوقع آفاق مستقبله وهو ما سيكون في الفصول التالية بإذن الله تعالى.