·   أولا: المقدمة والتذكير بغايات المشروع

 

إن أهم ما ثبت في واقع المسلمين منذ إلغاء مرجعيتهم السياسية وانعكاس ذلك الإلغاء على مرجعيتهم الشرعية والتي لم تتمكن الجماعات الإسلامية حتى الآن من سد الفراغ فيها أنه لا يمكن استئناف الحياة الإسلامية بدون وجود مشروع إسلامي متكامل حي ومتحرك في واقع الأمة تستهدي بآماله وغاياته وتعيش في كنفه وتقاتل من أجله فقد كتب الله عز وجل على المستضعفين أن يرفعهم إلى موقع التمكين وأن لا يرضى لهم إلا ذلك الموقع وإن ارتضوا هم لأنفسهم القعود والانتظار: )وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُون( (القصص:5-6) ويتغير فرعون وهامان ويتغير المستضعفون ولكن حقائق الكون تظل واحدة وسنن التدافع تبقى ثابتة.

 

ولعل من أهم ما يحتاجه المشروع الإسلامي في وقتنا هذا أن نستدل على نقطة توقفه وتحديد موقع هذه النقطة من المراحل الأساسية لـه. ومع الاعتراف بشدة المعوقات ورمادية الرؤية في المرحلة الحالية لكن ذلك لا يعني الوقوف بالمشروع أو نسيان مراحله، وإن أول ما يعين الدعاة على فهم وإدراك نقطة التوقف تلك مراجعة المنهج الإسلامي ذاته واستعراض توجيهاته المباشرة وإشاراته فللمنهج معالمه ومراحله التي يوجه فيها أتباعه للتعامل مع مسألة الانتقال من الاستضعاف إلى التمكين فهل استرجعنا تلك المعالم والمراحل؟ وهل بين أيدينا مسطرة واضحة لتحديد نقطة التوقف الحالية في المشروع الإسلامي؟

 

وإن من أهم ما يواجه قادة الحركات الإسلامية -الذين يعتبرون بطبيعة الحال قادة المشروع والمنظرون لـه- هو تحديد شكل المستقبل القريب والبعيد فإن مهمة القادة تحديد المستقبل وإلا فما الحاجة إليهم إذا استووا مع الآخرين؟ فهل نحن متأكدون من المستقبل؟ ما شكله وطبيعة تحدياته وما هي خيارات التعامل معه؟ أين سنكون وما مصير الأداء الإسلامي بعد ما يزيد على 75 سنة منذ ميلاد المشروع على يد الإمام حسن البنا، وبعد أن ساهم الكثيرون في خدمته سواء من الجماعات أو من المستقلين فلم يعد المشروع حكرا على الإخوان المسلمين وحدهم وإن كان الحلم والمشروع قد جاء على يد مؤسسهم، وأين تقع الأمة من منطقة التمكين وساحتها، وما هي طبيعة مرحلة الاستضعاف التي تمر بها الأمة وتمر بها الحركات والجماعات الإسلامية هذا إذا اعترف البعض وأقر بأننا في مرحلة استضعاف.

وما هي التعديلات التي ينبغي أن ندخلها على الاجتهادات الإسلامية المختلفة لكي تتوافق وتقترب أكثر من خدمة المشروع الإسلامي؟

 

وهل قطع المشروع الإسلامي مراحل حقيقية في سيره نحو التمكين؟ أم لا يزال يحبو في مراحل التأسيس الأولى؟

 

وحتى يمكن الإجابة على تلك الأسئلة لا بد من التذكير بسقف المشروع وغاياته الكبرى في بداية الأمر ثم مقارنة الواقع والإنجاز بذلك السقف.

 

غايات المشروع الإسلامي:

ويمكن أن نطلع على غايات المشروع الإسلامي من كتابات الإمام حسن البنا وكذا في مقولات كثير من علماء المسلمين المعاصرين ومؤسسي الجماعات الإسلامية على فروق فيما بينهم في سعة وضيق الغايات والأولويات حيث يمكن اختصار غاياته فيما يلي:

1-     إيجاد الجيل المسلم الملتزم بدينه المضحي في سبيله المدرك لطبيعة تحديات عصره.

2-     استعادة المسجد الأقصى وكل فلسطين من أيدي اليهود وأعوانهم الصليبيين.

3-     تأمين قلب وأطراف الأمة من الاعتداءات والمقصود بالتأمين هو التأمين العسكري الجهادي ورفع رايته خفاقة في العالم.

4-     تأمين مسيرة الدعوة الإسلامية في العالم حتى يبلغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار.

5-     الاستقلال الحقيقي للمسلمين عن أوضاع أمم الكفر في العالم وتأثير تلك الأمم في صناعة واقع الأمة السياسي والفكري.

6-     التحكم التام في ثروات الأمة المسلمة واقتصادها وتكامل اقتصاد المسلمين على المستوى الإقليمي والعالمي.

7-     التمكن العلمي التطبيقي والدخول في دائرة البحث والاختراع والإنتاج ومنافسة الأمم في هذا الميدان.

8-     استعادة رمز وجود الأمة ووحدتها السياسية والشرعية وهو نظام الخلافة الإسلامية.

9-     تطبيق الشريعة كقانون وحيد يحكم أوضاع المسلمين بمرونته وسعته الفقهية في كل بلدان المسلمين.

10-رد الاعتبار للمسلم وكرامته وصون عرضه ووطنه ودمه وماله بعد أن أهدرت على أيدي الكفرة الفجرة في العالم.

11-تطبيق النظام السياسي الإسلامي بدء بالخلافة الإسلامية الجامعة ومرورا بالولايات الإسلامية والتعددية السياسية والقومية وانتهاء بحقوق الفرد المسلم السياسية والمواطن في العالم الإسلامي بغض النظر عن دينه ومذهبه وجنسه.

 

فإذا كانت تلك غايات المشروع الإسلامي فما الذي يفصل واقع الأمة عنها؟

وستكون الإجابة بعون الله تعالى من خلال التوقف عند المفردات التي ذكرتها في فهرس هذا الفصل وقبل أن نبدأ بشرح تلك التفاصيل لا بد أن نرسم ونستعرض أهم معالم المرحلة الحالية للأمة والعالم من حولها وذلك بغية تجريد الصورة العامة تسهيلا لبقية العرض، فمن معالم المرحلة الحالية:

1-  الجمود الكبير الذي يلف اللحظة الحالية التي يقف فيها المشروع ولكنه جمود غريب من نوعه فهو جمود مشوب بتحفز ينذر بتحولات كبرى فالتحفز في الأمة قد بلغ مدى كبيرا واستفزاز العدو لها قد بلغ بدوره مدى أكبر وقادة الحركة الإسلامية يقفون بين جذبين جذب يطالب بالتصبر والتوقف والتثبت وجذب يطالب بالاستجابة للتحدي الذي فرض على الأمة ولكن الطريق غير بينة ولا متفق عليها في أذهان قادة الحركات الإسلامية وكل ما يحلم به كثير من المسلمين هو أن يأذن قادة الصليب لهم بالديمقراطية لعلها تحل مصائبهم وينعمون في ظلها بالأمن والاطمئنان وهم يرون بأم أعينهم كيف قاتل أربكان في تركيا من أجل تلك الديمقراطية لاستثمارها في التغيير الإسلامي أكثر من ثلاثين عاما فلما يئس منها تقدم الغرب الصليبي لكي يقطف أبناءه من بين يديه ويوظفهم لصالحه توظيفا قد يتفوق على التوظيف السابق لأساطين العلمانية في تركيا.

2-  انكسار النظام العالمي الأممي والذي بذل أساطين الكفر في سبيل استقراره من الدماء والأموال الشيء الكثير حتى ثبت على مرجعيته الدولية بالخمسة الكبار في مجلس الأمن فإذا بواحد من أهم أولئك الخمسة ينهار ويتبعثر ويترك العملاق الآخر حائرا بين لملمة الشعث وبين آماله بتكوين إمبراطورية عالمية لم يسبق لها مثيل على حد حلمه، وفي ظل هذا الانكسار لا تزال الفراغات هائلة وكبيرة فما موقف المسلمين من هذا التحول.

3-  انتهاء أمريكا من رسم دورها الإمبراطوري العالمي سواء في بعده النظري حسب كبار فلاسفتها أو في بعده العملي فقد عزمت على التجبر والبطش واستعراض القوة في كل مكان واتخذت من ساحات المسلمين الضعيفة أصلا والمنتهكة قبلا ميدانا لاستعراض قوتها وتنفيذ جبروتها وسواء كان ذلك الاستعراض في غابات جنوب الفلبين المتخلفة أو بجانب مكة والمدينة المقدستين فالأمر عند الأمريكيين واحد ما دامت أرضا للمسلمين فما هو جواب المسلمين؟ ومن يحلم بتوازن القوى ومن يحلم بعدالة الأمم المتحدة فليبحث له عن كوكب آخر.

4-  وتدخل الأمة بعض ساحات الوغى بطريقة أشبه ما تكون بالجنون أو الخيال فلا الساحات التي دخلتها مهيأة ولا موازين القوى متكافئة ولم يكن أحد يظن أن الأمة يمكن أن تدخل تلك الساحات أصلا ومن تلك الساحات الساحة الأفغانية التي احتاجت من الوقت لكسر السوفييت قرابة عشر سنين فقط وبمليون ونصف من الشهداء وملايين المشردين ولكن النتيجة هائلة وتعجز الكلمات عن وصفها بغض النظر عما جرى بعدها لكن يكفي الأمة أن تقف عند تلك اللحظة المفعمة بالدروس والنتائج العالمية وتضاف ساحات أخرى حيث تكون أكثر جنونا وخروجا عن الحسابات وهي الساحة الفلسطينية فمن كان يتصور أن يقاوم المستضعفون الوحش في أحضانه ويلاعبونه صباحا ومساء ولكنها الحقيقة التي أعجزت الكثيرين عن استجلاء أبعادها، كما تشكلت ساحات أخرى منها ما أجبر الجيش الهندوسي على التململ والبحث عن المخارج في كشمير ومنها ما دوخ من بقي من جنود السوفييت في الشيشان وغيرها كثير ولله الحمد والمنة، والعجيب في هذا كله أن إدارة المعركة الحقيقية تتم مبعثرة في الجانب المسلم بينما مرجعية الكفر العالمية ترجع الأمور إلى الإمبراطور الكامن في بيته الأبيض فهو يدير المعركة الكلية فيسخن هنا ويبرد هناك والنتيجة واحدة والنوعية واحدة والأبطال هم الأبطال في جنوب السودان وفي كشمير وفي فلسطين وغيرها.

5-  وتضيع أحلام المسلمين التي حلموا بها منذ ستينيات القرن المنصرم في التنمية الاقتصادية واستخراج لقمة العيش من بين أنياب الغرب والشرق فلا فقراء إندونيسيا شبعوا ولا فقراء باكستان ولا فقراء الهند ولا فقراء مصر ولا فقراء السودان ولا فقراء الجزائر ولا فقراء المغرب ولا فقراء إفريقيا عدا بعض أنابيب الاختبار المغروسة بين ظهراني المسلمين خداعا والتي لا علاقة لها بالتنمية في العالم الإسلامي بل هي مواقع لاستعراض عطور الغرب وأزياءه ومحطات استراحة لجنود هرقل.

6-  ويزداد معدل التعرض لمقدسات المسلمين سواء كان بالهجوم الشرس على كتابهم العزيز فيشير الصليبيون وبكل وضوح أن المزعج الحقيقي لهم هو هذا الكتاب ويشير آخرون إلى مكة ويطالبون بقصفها بالسلاح النووي حتى يرتاحوا للأبد، وينشط اليهود لهدم المسجد الأقصى ويطبقوا بالتعاون مع الهندوس (بروفة) أو تجربة اختبارية للمسلمين عام 1992 فيهدموا مسجدا في الهند جاوز عمره السبعمائة عام هو مسجد البابري وتتبرع كل أجهزة الإعلام العالمي بنقل الوقائع وتختلط عظام ودماء المسلمين الجوعى من الهنود المسلمين وهم يدافعون عن مسجدهم ويلوذ بقية المسلمين في الأرض بالصمت، ويمضي اليهود فيصمموا هيكلهم المزعوم ويضعوا حجر الأساس له ويشقوا الأنفاق تحت المسجد الأقصى ويعلنون أنهم سوف يهدمون المسجد ويبقوا على مسجد قبة الصخرة ثم يعلنوا مؤخرا أنهم قد وجدوا ضالتهم تحت المسجد الأقصى في حجر يدل بزعمهم على الوجود التاريخي للهيكل.

7-  ويخترق الإسلام أوروبا وأمريكا اختراقا تاريخيا يهدد مستقبل الصليبية دون أن يطلق المسلمون طلقة واحدة فهاهو الإسلام يستقر في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وتزداد أعداد المسلمين بشكل خيالي وهاهم الأوربيون يقبلون على دين الله أفواجا وكذا يفعل الأمريكان، والقوانين تحميهم وتوفر لهم مظلة العيش فهل يرضى أساطين الكفر بهذه التحولات؟

8-  ويضطر قادة العمل الإسلامي لتخفيض سقوف تطلعاتهم بالتدريج فبعد الخلافة التي أصبحت شبحا نزلوا بالسقف إلى مستوى الدولة وعلى أي مكان كان في الأرض فلما تمنع عنهم هذا السقف نزلوا به مرة أخرى ورضوا بالمشاركة السياسية ولو بوزير للكهرباء والماء ثم نزلوا مرة أخرى وطالبوا بالديمقراطية ولو في أرذل صورها كما في مصر وأن تكون للجميع من الشيوعيين وللنصارى الذين لا يشكلون نسبة تذكر في مجتمعات المسلمين ومع ذلك لم يغر العرض أحد لا في اندونيسيا ولا ماليزيا ولا باكستان ولا الجزائر ولا اليمن ولا غيرها، وتنزل المقصلة الأمريكية في البلاد الإسلامية لكي تنال من المساجد ومدارس تحفيظ القران الكريم والجمعيات الخيرية فكل ذلك إرهاب ينبغي وقفه وماذا بعد؟

9-  ويتسق شعور الأمة وإحساسها بآمالها وآلامها حتى كاد أقصى المواقع فيها أن يشعر ويتفهم ما يحل ببقية المواقع والأطراف وإن اختلفت اللغات وتباينت الأعراق والدعاة هم الدعاة في إفريقيا السوداء كما في أوروبا البيضاء كما في إندونيسيا الصفراء.

10-ويقف منافقوا العالم الإسلامي وقفة رجل واحد وبكل ألوانهم سواء من مدعي الفكر أو السياسة فمنهم من ينعى سقوط الاتحاد السوفييتي ويتمنى أيامه ومنهم من يوبخ أمريكا على استحياء لأنها ولدت بن لادن على حد زعمهم وهم عليها أحن من الأم الرؤوم ومنهم من يرفع عقيرته محذرا من أخطاء أمريكا في المنطقة مبديا النصح العميق والفهم الدقيق لحقائق المنطقة ومبديا خدماته التي لا تنتهي وفي كل الاتجاهات ومنهم من يشارك اليهود في جهودهم للجم المجاهدين وإيقافهم عند حدهم بعد أن ضيع عليهم المجاهدون حلم شيمون بيريز بشرق أوسط يلعب فيه العرب دور الجواري والعبيد.

 

فإذا وقفنا على تلك المعالم في المرحلة الحالية أمكننا أن نستعرض التحديات التي تختلط بالمرحلة وهي التحديات التي استعرضتها في فهرس هذا الفصل.