·   ثانيا: التحديات الخاصة بالجماعات الإسلامية

 

وإن هذه العودة المتكررة للجماعات الإسلامية في ظل المشروع الإسلامي لتؤكد بأن مستقبل الأمة لا يرسمه المنظرون المستريحون ولا المفكرون العلمانيون الذين أفسدوا في الأمة ولم يصلحوا وإنما يرسمه أهل هذه الأمة: )إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً( (الفتح:26) نعم فهم أحق بها وأهلها كما وصف العلي الكبير كما أن الحركات الإسلامية قد أسهمت عمليا في صناعة واقع المسلمين من خلال جهود دفع الدعوة والحرص عليها والتضحية في سبيل الله فإذا بهم يقفون على واقع جديد للأمة أسهموا هم في صناعته ولا أدل على ذلك من التخوف الهائل الذي يبديه أساطين الكفر العالمي من التحولات في الأمة المسلمة بينما لما كان مجرموا البعث والقومية التركية والقومية العربية والشيوعية يسيطرون ويبثون مناهجهم المفسدة لم يتخوف قادة الكفر العالمي بل كانوا يباركون ويهنئون.

 

وإن مما يمكن أن نراه من علاقة الجماعات الإسلامية بالموقف والمرحلة الحالية للمشروع الإسلامي يتحدد في التالي:

أ- الإنجازات المباركة التي أسهمت فيها الجماعات الإسلامية.

ب ـ الإشكاليات المتعلقة بالجماعات الإسلامية والتي تحول دون تسارع المشروع.

 

فإذا أحسنا قراءة هذين البعدين أمكن استثمارهما لصالح النقلة الجديدة في المشروع.

فما هي الإنجازات الكلية إذن في تاريخ الجماعات الإسلامية المعاصرة وما هي الإشكاليات التي تحول دون تسارع المشروع؟

 

أ: الإنجازات الكلية في تاريخ الجماعات الإسلامية:

1-  الجيل المسلم الملتزم من الرجال والنساء هو أول وأهم إنجازات الجماعات الإسلامية ذلك الجيل الذي انتشر في كل بقاع الدنيا وبات يشار إليه بالبنان وباتت معاني وصفات ذلك الجيل واضحة ودقيقة فهو ملتزم بالحلال باحث عنه وهو هارب من الحرام مجتنب لـه ملتزم بالسنة متتبع لها وهو تواق لنصرة دينه متعلق بالشهادة في سبيل الله وهو ذو عاطفة جياشة تجاه أمته، وقد نتج عن هذا الجيل واقع اجتماعي مبارك من الأسر الملتزمة والأذواق العامة والمظاهر العبادية وامتلاء المساجد والحرص على طلب العلم وحفظ القرآن الكريم ودفع الجيل إليه وكثرة بناء المساجد إلى غير ذلك من المظاهر المباركة.

2-  انتشار الوعي الإسلامي في الأمة بعد أن تحطمت دعاوى وزيف القوميات والاشتراكيات والوطنيات وتشكل لدى الأمة وعي مشترك بضرورة العودة للدين وأن لا عزة للأمة إلا به وأنه لا فرق بين مسلم في الهند ومسلم في مكة وبات الفرق واضحا بين الأمة وبقية الأمم وهي أنها أمة مسلمة وغيرها كفار ولو تعددت مللهم فالكفر ملة واحدة وأن أهم ما يربط الأمة ويوحدها هو دينها ومقدساتها وأن مقدساتها ينبغي أن تعود لها وأن عودة المقدسات لا يكون إلا بالجهاد في سبيل الله وأن سبب البلاء في الأمة هو عدم تطبيق الدين والشريعة وفرض قوانين الغرب والشرق عليها وإجبارها على الفساد كالخمر والزنا وغيره من خلال السماح الرسمي لهذه الموبقات والسماح الرسمي لحملة الأفكار المفسدة بالتحرك وبثها في الجيل المسلم، وهكذا ينتشر الوعي في الأمة ويمهد السبيل للنهضة ويتقدم المشروع الإسلامي.

3-  إحياء الجهاد كان ولا يزال من أكبر منجزات الجماعات الإسلامية لأنهم بذلك أسسوا للنهضة الحديثة وأوقفوا مسلسل الانهيار والركوع النهائي وهكذا وبإصرار الجماعات الإسلامية على رفع راية الجهاد في كل فرصة سنحت فإنها قد مهدت للبناء عليها وهي مرشحة للازدياد وفي كل الاتجاهات، وقد كان من أهم نتائج الجهاد في نهاية القرن العشرين الميلادي هو إسهام المجاهدين في شرخ وكسر النظام الدولي عبر الانكسار الذي أصاب الاتحاد السوفييتي مما مهد لتحولات هائلة وانكسارات كثيرة هنا وهناك جرأت المسلمين على الكفرة في كل مكان.

4-  الدفع باتجاه الحكم الإسلامي كان من منجزات الجماعات الإسلامية وإن كانت النتيجة متواضعة قياسا إلى المأمول ولكن كان من نتائج ذلك الدفع هو تعرية الأنظمة المستخذية للكفر حيث تبين للأمة أن المظلة السياسية في الأمة إنما تحكم عن تفويض الأعداء ولا تحكم عن الأمة وتنوب عنها، وكان من نتائج اختبار هذا الدفع هو وصول الإسلاميين إلى الحكم في السودان وهو الاقتراب من مواقع صنع القرار واختبار الموقف عن كثب في أماكن كثيرة في العالم الإسلامي.

5-  وكان من النتائج الإيجابية لأداء الجماعات الإسلامية هو بسط التجارب الوافرة أمام الأمة وفي كل المجالات وإتاحة المناهج الإسلامية الاجتهادية للاختبار واستخلاص النتائج وفق التطبيق الميداني لا وفق القول النظري مما يرشح الموقف للدفع باتجاهات محددة في المرحلة القادمة.

6-  وكان من النتائج الإيجابية لأداء الجماعات الإسلامية هو التدخل في صناعة واقع المسلمين من حيث التخفيف من الولاءات العصبية والقبلية والسياسية المدمرة - تلك التي استغلها الأعداء طوال العقود الماضية- وتموضع الحركات الإسلامية في مجتمعات المسلمين كأحد المرجعيات التي لا يمكن تجاوزها.

7-  وكان من النتائج الإيجابية هو دخول الجماعات الإسلامية مرحلة العولمة من أوسع أبوابها فلم تكد العولمة تأخذ مسارها في العالم إلا وهي مستصحبة لمصطلحات المسلمين كالجهاد والانتفاضة في فلسطين وصور ظلم اليهود وما استجد من فساد الأمريكان في العراق والتي أصبحت تغطي الآلة الإعلامية في كل مكان، وإذا كان للأمريكان السي إن إن والماكدونالد فإن للجماعات راية الجهاد في فلسطين والتي لا يمكن أن تخطئها عين أي مسلم سواء كان من الأميين أو من المثقفين فهو يستطيع أن يقرأها ويعرف مغزاها ويتحرك على وقعها فيخفق قلبه للشهداء وهم يتطايرون أشلاء ويمتلء فرحا وهو يرى أشلاء الغاصبين مبعثرة في كل مكان، وإن كان لأمريكا المنظمة الاستخباراتية المسماة بالسي أي ايه وعملاؤها السريون فإن للجماعات الإسلامية جنودهم من شباب الإسلام الذين ينتظرون الإشارة وغير ذلك من الانتشار الثقافي والفكري والرمزي العالمي.

8-  وكان من النتائج الإيجابية لأداء الجماعات الإسلامية هو اختبارهم للديمقراطية في العالم الإسلامي حتى الثمالة فلم تبق حيلة إلا سلكوها ولم يبق قانون جائر إلا أطاعوه في سبيل رفع الصوت الإسلامي وفي سبيل التعايش السلمي والتنمية التي يبشر بها الغرب ونظمه التابعة له وعليه فقد وفروا بذلك تجارب ميدانية غاية في الوضوح وأعذروا إذ وصلوا إلى غاية ما هنالك من الإعذار وطلب الهدوء وتوفيره لهم ولغيرهم فلم يرض بهم أحد، والعجيب أن تلك التجارب شملت العالم الإسلامي من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق.

9-  ومن أهم النتائج الإيجابية للجماعات الإسلامية هو مساهمتها المباشرة في التأثير على مسرح الأحداث العالمي بل والتدخل في تغيير النظام العالمي إثر المعركة التي خاضها المجاهدون في أفغانستان ضد الاتحاد السوفييتي طوال عقد من الزمن ووقفت الأمة الإسلامية داعمة ومؤيدة لتك المعركة نتيجة للبنى التحتية التي تمكن الجماعات الإسلامية أن تهيئها للجهاد في أفغانستان، ثم انتشار الحراك الجهادي في العالم الإسلامي والذي لم يبق جزء من النظام العالمي إلا وتأثر به.

 

ب: الإشكاليات المتعلقة بالجماعات الإسلامية والتي تحول دون تسارع المشروع:

1-  يشكل الصراع البيني أحد أهم أخطر الإشكاليات المتعلقة بالجماعات الإسلامية والذي يحول دون تسارع المشروع لأن وحدة الصف الإسلامي هي وقود الدفع فإذا تغيرت طبيعة ذلك الوقود وأصبح ماء بدل أن يكون نارا فكيف نتوقع تسارع المشروع؟ ويعتبر هذا البلاء بالمفهوم الشرعي معطل نهائي للمشروع الإسلامي أي لا حل لـه البتة إلا باستحضار وحدة الصف وتوفيرها كأحسن ما تكون ولنا أن نتساءل عن الحكمة عندما قضى الخالق عز وجل بمنع رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم من ضمان أن يكون بأس الأمة بينها شديد ولم يعطه ما طلب في الحديث الصحيح المشهور فعن معاذ بن جبل قال: "أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أطلبه فقيل لي: خرج قبل قال: فجعلت لا أمر بأحد إلا قال: مر قبل حتى مررت فوجدته قائماً يصلي. قال: فجئت حتى قمت خلفه قال: فأطال الصلاة، فلما قضى الصلاة قال: قلت: يا رسول الله، لقد صليت صلاة طويلة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني صليت صلاة رغبة ورهبة، سألت الله عز وجل ثلاثاً، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة، سألته أن لا يهلك أمتي غرقاً فأعطانيها، وسألته أن لا يظهر عليهم عدوّاً ليس منهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم، فردها عليّ" رواه أحمد(21705)، فلو تساءلنا عن سر بقاء هذا البلاء بين المسلمين لوجدنا والله أعلم بمراده أن أكثر ما يضر بالدين الذي ارتضاه الله للعالمين أن تؤذى صورة هذا الدين النقية عبر الخلاف المفضي للنزاع والقتال بين أتباعه بينما كان من واجبهم أن يحافظوا على نقاء صورة الدين فكان عقابهم أن يكون بأسهم بينهم شديد كما كان حال أتباع النصرانية من البغضاء والقتال فلكي يستقيم الدين لا بد من استقامة أهله بالعلاقة التي ارتضاها لهم عز وجل وهي الأخوة والتناصر والولاء فإن تركوا هذه الصفات كان بأسهم بينهم شديد كعقوبة لهم على التشويه والترك معا، وقد يقول قائل وهل يمكن أن يبلغ الخلاف بين الجماعات الإسلامية إلى الحد الذي يهدد بحصول قتال فيما بينهم؟ والإجابة نعم بكل تأكيد إذا استمرت الأمور في نفس مسارها وبقيت القيادات تنفخ في الخلاف بينها والأتباع يتحرقون حنقا على إخوانهم في العقيدة أكثر مما يتحرقون على اليهود والنصارى فماذا ننتظر؟ وما استحلال الدماء الذي وقع بين المسلمين في بعض المواقع إلا تأثرا بالمناهج المتضاربة وعليه فإن علاقات الجماعات الإسلامية فيما بينهم هي أهم ما ينبغي مراجعته من مفردات المشروع الإسلامي وإلا فلا ينتظر أحد نصرا ولا غلبة على الكفار: )وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ( (الأنفال:46).

2-  ومن الإشكاليات التي تتعلق بالجماعات الإسلامية وتحول دون تسارع المشروع ضعف وتذبذب الاستقلال العلمي والفكري للجماعات الإسلامية حيث فقه الأعداء خطورة ذلك الاستقلال فباتوا يسهمون في صناعة رؤى المسلمين بأساليب كثيرة ومن تلك الأساليب انبثاث فلول اليسار والقومية في الأمة ممن يسمون بالمفكرين في أجهزة الإعلام والسياسة ومساهمتهم الكبرى في صياغة عقول المسلمين والدعاة فإن الدعاة يستفيقون كل يوم على جرائد وقنوات هؤلاء الفضائية حتى تخصص الكثير منهم في ساحات المسلمين المختلفة وأصبح مرجعا يصوب ويخطئ، والعجيب بأن كثير من الدعاة لا يفكرون البتة في تواصلهم وتأملهم للحالة الإسلامية ولا يرون لذلك حاجة فقد استغنى كل باجتهاده ورؤيته فكيف يطيق سلفي أن يجالس أحد الإخوان المسلمين وكيف يطيق جهادي أن يتفاهم مع تبليغي وكيف يطيق صوفي أن يرى سروريا فضلا عن أن يستشيره أو يتفاهم معه، وكأني بهم (على فضلهم) كجمهور السينمات والمسارح لا علاقة للمتفرج بصاحبه والعقول يصنعها الممثلون على المسرح، ومن الوسائل المستخدمة سياسيا وأمنيا في تفريق الدعاة وصناعة عقولهم هو الإيحاء لبعضهم بأنكم أفضل من الآخرين فأنتم موالون وأولئك خارجون وأنتم مسالمون وأولئك إرهابيون وهكذا مع إعطاء بعض الميزات العملية لأناس وحرمان الآخرين منها.

3-  ومن الإشكاليات التي تتعلق بالجماعات الإسلامية وتحول دون تسارع المشروع الإسلامي هو عدم سماح مناهج وعواطف الجماعات القيام بأي نوع من المراجعة والتقويم للمسيرة الإسلامية المعاصرة ولا للتجارب التي قادتها تلك الجماعات ودخلت فيها سواء كانت تلك التجارب في الميدان التربوي والدعوي أو الميدان السياسي والفكري أو الميدان الجهادي مما يكرس الأخطاء الكبرى ولا يسمح باستثمار النجاحات ويؤدي إلى الوقوع في نفس الحفر التي وقع فيها الدعاة من قبل، ولعل عدم تقويم تجربة أفغانستان الأولى قد سمحت بنشوء أزمة أفغانستان الثانية وسمحت بوقوع أزمة الشيشان الثانية وعدم تقويم أزمة البوسنة سمحت بتكرار تجربة كوسوفو، وعدم تقويم تجربة الجزائر قد تؤدي إلى الوقوع لا سمح الله في وقوع أزمات مشابهة في مواقع أخرى.

4-  ومن الإشكاليات التي أنتجتها الجماعات الإسلامية تقابل المفاهيم الإسلامية والمصطلحات وتناقضها بدلا من تكاملها وتناسقها مما ضيع كثيرا من الجهود والزمن وأدى بالناس إلى أن يدوروا حول أنفسهم ويقوموا بإنتاج نفس الواقع دائما فهناك مفهوم الحكم الإسلامي والذي يقف بالضرورة أمام مفهوم الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وهناك مفهوم الجهاد الذي يقف بالضرورة أمام مفهوم السياسة والحوار وهناك مفهوم الجماعة والذي يقف بالضرورة أمام مفهوم الجماعات إلى غير ذلك من المفاهيم المتقاطعة وغير الملتقية وهذه الممارسة في بعدها النظري والعملي قد أدت بلا أدنى شك إلى أن يغوص المشروع الإسلامي في وحل وشلل هذه الجدلية.

5-  ومن الإشكاليات التي صنعتها الجماعات الإسلامية أو وقعت فيها هو اعتماد أكثر الجماعات الإسلامية المعاصرة على نظرية الهدوء والسلم وحدها وتكريس هذه النظرية من الناحية النظرية والعملية وبناء الآمال الكبار عليها دون التطرق النظري فضلا عن العملي إلى أي أبعاد أخرى يقرها المنهج الإسلامي بل ويشجع عليها أيما تشجيع، ثم التعويل في إطار تلك النظرية على وعود السلم وحوار الحضارات الذي بات يشغل المسلمين وحدهم أكثر مما يشغل بقية الأمم وقد ترتب نتيجة للاعتماد الكلي على هذه النظرية واقعا مغلقا فإن منظومة المرجعيات التي تنتمي إلى هذه النظرية قد أوصلت المسلمين إلى شفير الهاوية وليس هناك من مخرج إلا الانتظار، ومن تلك المرجعيات التي تنتمي إلى نظرية الهدوء الكامل: الاعتماد النهائي على منظومة الحكم في العالم الإسلامي والتي باتت تتحسس رقابها خوفا من المقص الأمريكي وهي مرشحة للاستجابة الكلية لتوجيهات الأمريكان إلا من رحم الله وقليل ما هم، ومن تلك المرجعيات جمعية الأمم المتحدة التي يتصارع فيها العمالقة الكبار وليس للأمة أي نصيب بينهم ولا مستقبل ومن تلك المرجعيات هو الاعتماد على وعود الديمقراطية وما يلحقها من مقولات كالحريات وحقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية التي باتت أملا يتطلع لـه كثير من الدعاة وليس للأمة في ذلك كله نصيب ولا مستقبل حسب ما هو مشاهد طوال خمسة عقود مضت ومن تلك المرجعيات هو الاتكاء على الأبعاد الوطنية لكل شعب أو عرق كما هو محدد في مساحات الدول الإسلامية والعربية وقد انكفأ البعد الوطني المحدود انكفاء كليا أمام زحف العولمة وزحف الأمم الهادرة والتي لا تعترف إلا بالبعد الأممي فهناك الأمة الكاثوليكية والأمة الأرثوذكسية وهناك الأمة البروتستانتية وهناك الأمة الهندوسية وهناك الأمة الصينية أما (مفاحص القطا) الوطنية نسبة إلى مفحص القطاة وهو عشها وموضع بيضها فلم يعد لها موقع بين العمالقة الكبار، وهكذا يبدو واضحا بأن كل المرجعيات التي تعتمدها نظرية الهدوء أو نظرية الانتظار وهما وجهان لعملة واحدة قد أصبحت مهددة وليس لدى الدعاة من خيار آخر في ظل هذه النظرية حيث أصبح الوجود الإسلامي في أغلبه محايدا مما يقتضي سرعة البحث في المنهج الإسلامي ومسطرته عن البدائل الأخرى التي يتيحها ذلك المنهج لا ما تتيحه جمعية الأمم المتحدة التي أصبحت رواقا خالصا لقيصر الروم الجديد.

5-فهل تستطيع نظرية الهدوء الكامل المعتمدة لدى أكثر الجماعات الإسلامية أن تواجه التطورات في العالم وفي أمة الإسلام حيث يتجه الموقف الكلي نحو زيادة معدلات الأذى والمهانة للمسلمين وتعويق مسار الدعوة إلى الله تعالى؟ وهل ستساعد تلك النظرية وحدها في إحداث تحولات حقيقة نحو غايات المشروع الإٍسلامي؟

6-  ومن الإشكاليات التي أحاطت بالجماعات الإسلامية هو تعقد العلاقة بينها وبين مبدأ الجهاد وتطبيقاته المختلفة بل ومنطلقاته النظرية التي أصبحت مخيفة ولا يريد أحد أن يقترب منها بأي شكل من الأشكال وحتى الجهاد الذي لا يمكن لأحد من المسلمين أن يختلف عليه وهو الجهاد في فلسطين أصبح بدوره يمثل أزمة خانقة لا يلوح في أفق الجماعات الإسلامية تصور واضح ودقيق لنصرته ودعمه سوى التفرج عليه وفي أحسن الأحوال جمع المال لـه والذي أصبح بدوره مهددا بدرجة كبيرة حيث أدرجت أمريكا الحركات الجهادية في فلسطين ضمن لائحة المنظمات الإرهابية في العالم وأصدرت قانون الإرهاب الذي يتيح لها ملاحقة من يدفع درهما واحدا لحماس بل ولعل في العمليات القذرة التي اعتمدتها أمريكا لجهاز استخباراتها إمكانية قتل وتصفية من يقوم بدعم تلك المنظمات دعما قويا وفاعلا، فكيف سيكون موقف الجماعات الإسلامية تجاه بقية الأعمال الجهادية في العالم الإسلامي حيث غير كثير من الدعاة اتجاه المعادلة التي أمر بها الرب تباركت أسماؤه حيث قال:)وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ( (لأنفال:39) فبدلا من النظر إلى انحسار الجهاد عن الأرض وسيطرة الكفرة كمظهر للفتنة فإن الكثير بات ينظر للتحرك الجهادي على أنه عين الفتنة في الأرض.

7-  ومن الإشكاليات الدقيقة في مسار الجماعات الإسلامية الآن هو الاختلاط الشديد بين البعد الوطني القومي ومتطلباته وبين البعد الإسلامي ومتطلباته حيث انغمست الجماعات الإسلامية في الارتباط الشديد والنهائي بالبعد القومي وتم تفصيل المشروع الإٍسلامي وفق هذا البعد مما جعل الدعاة ينكفئون على متطلبات البعد القومي ويعرضون عن متطلبات البعد الإسلامي سواء ما كان يتطلبه البعد الإسلامي من تواصل وتشاور ونظرية محكمة أو ما يتطلبه من برامج وعمل مشترك فأدى ذلك إلى اختزال المشروع وفقد أغلب الطاقات والقدرات في الأمة حيث انغلق أهل باكستان في بلادهم وانغلق أهل موريتانيا في بلادهم فلا علاقة البتة بين الجيران إلا القليل ولا تكامل إقليمي إلا بعض التواصل الخفيف وكان من النتائج الخطرة لهذه الحالة هو غرق القيادات الإسلامية في كل قطر لصناعة المشروع الكامل وتوفير متطلباته وهو أمر متعذر تماما حتى على أكبر الأقطار مساحة وشعبا فكيف على البقية؟ وقد بلغت محاولات كل قطر لاستنساخ المشروع الإسلامي مبلغا محيرا فإن المتطلبات واسعة في المجال الشرعي والدعوي والسياسي والاقتصادي فظل الناس يدورون في حلقة لا نهاية لها. مما يؤكد بأن أزمة العمل الإسلامي هي أزمة نظرية واستراتيجية بالمقام الأول وليس أزمة واقع ومتطلبات.

8-  ومن الإشكاليات هي تلكؤ وتراجع عمليات صناعة وإعداد الجيل الجديد الذي سيرث مسيرة العمل الإسلامي حيث أدت نظرية الهدوء إضافة إلى عوامل أخرى إلى تجميد وبطء العملية التربوية وانشغل أكثر الدعاة والمربون بالانتظار أو بطلب المعاش أو اعتقدوا بأن ما لدى كل جماعة إسلامية من طاقات وقدرات كافية لهذه المرحلة فمات الطموح وتراجع الهم ولم يعد الراهب يبحث عن الغلام الذي سيورثه أمانات المشروع الإسلامي ولم يعد يهتم بإطلاق طاقات الغلام ولا بتحديد طبيعة المرحلة وتحديات المستقبل كما فعل الراهب الذي ورد ذكره في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم حيث استلم الغلام العقيدة من الراهب ثم مضى في تجربة واختبار هذه العقيدة  وتمكن من قتل الدابة وعاد يقص على الراهب قصته وإذا بالراهب يحدد طبيعة التحول المرحلي ويسلم راية القيادة للغلام فقال له:... أَيْ بُنَيَّ أَنْتَ الْيَوْمَ أَفْضَلُ مِنِّي قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ مَا أَرَى وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلاَ تَدُلُّ عَلَيَّ.(مقتطف من حديث مسلم رقم 7461) وعليه فقد مضى الغلام في قيادة وإدارة المرحلة حتى قاد الشعب المعبد للملك الطاغية إلى التوحيد وإلى أفياء الإيمان بعد أن صمم عمليته الاسشهادية المشهودة في الزمن والمثبتة في القرآن الكريم في قصة أصحاب الأخدود.