·   ثالثا: تحديات كسر المرحلة الاستضعافية

 

ويأتي هذا المبحث كإحدى المقدمات الضرورية لوضع أسس التعامل مع الأمة لتحريك قابلياتها النفسية والعقلية كي تتقبل تبعات المشروع الإسلامي ولكي تصل الجماعات الإسلامية إلى نقطة التموضع الاستراتيجي في الأمة فلا تقبع على هامش الأحداث والتأثير، ويمكن الإنطلاق في محاولة فهم المرحلة التي تمر بها الأمة في هذه اللحظة من تاريخ المسلمين المعاصر من خلال منهجين: أما المنهج الأول فهو منهج القرآن الكريم الذي أنزله العليم الخبير والمنهج التابع والمكمل لـه وهو منهج النبوة في فهم حقيقة المعطيات التي تتحكم في مسار ومآلات الأمة، وأما المنهج الثاني فهو منهج الاستقراء الميداني في ظل المنهج الأول.

 

ولا يمكن فصل المنهجين عن بعضهما إلا لأغراض العرض العلمي أما أغراض التوصيف والتشخيص فتقتضي دمج المنهجين معا حتى يمكن التوصل إلى حقيقة الموقف، وعليه فسأحاول في هذا الوصف الموجز أن أقف على تحديد لطبيعة المرحلة والتركيبة النفسية والعقلية للأمة والمصاحبة لتلك المرحلة والمعطيات التي تتحكم في المخرجات الكلية للموقف.

 

ولو تأملنا معادلة الاستضعاف والتمكين في القرآن الكريم بغية تحديد الحالات التي تمر بها أمة الحق لوجدناها تتراوح بين ثلاث حالات وهي: حالة الاستضعاف وحالة المدافعة وحالة التمكين.

 

ولكل موقع أو حالة أحكامها والمعطيات النفسية والعقلية التي يكون عليها حملة الحق وعلاقاتها مع بقية الأمم.

ويمكن الوقوف على طبيعة تلك المراحل والحالات من خلال استيعاب ودراسة المفردات التالية:

 

1-     الآيات الواردة في مسألة الاستضعاف في القرآن الكريم.

2-     الآيات والأحاديث الواردة في ذكر بني إسرائيل كطبيعة بشرية.

3-     آيات وأحاديث الجهاد والقتال والهجرة.

4-     الأحاديث الواردة في أبواب الفتن.

5-     التحولات التي تمت في الأمة المسلمة خلال العقود الأخيرة.

وسعيا للاختصار وتحديدا للمعطيات النفسية والعقلية لقيادات وجماهير الأمة في المراحل المختلفة فسوف أتوقف عند كل مرحلة مستعرضا ما يتعلق بها.

 

مرحلة الاستضعاف: وتحكمها المعطيات القرآنية والواقعية التالية:

§       أمر الرب عز وجل بعدم الاستسلام لهذه المرحلة والأصل فيها أن يسعى المستضعفون لمغادرتها والدخول في المرحلتين التاليتين لها وهما المدافعة ثم التمكين، فإنه قد قضى سبحانه بذلك: )وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ( (القصص:5). كما هدد الله عز وجل المستضعفين بالسؤال الشنيع عند الموت: )إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً( (النساء:97) وبتأمل أحوال الأمة والدعاة نجد أن الاستسلام هو الغالب خاصة عند استعراض الأوضاع الدولية وتطوراتها وكون النصارى واليهود قد تمكنوا من السيطرة على النظام الدولي مما يجعل الأمل ضعيفا عند غالبية المستضعفين بإمكانية مغالبة هذا الوضع وإنما ينبغي الاستسلام الكلي له، مع العلم بأن التجارب التي خاضتها بعض شعوب الأمة قد أثبتت بأن إمكانية المغالبة واردة  وأنها أصل في تركيبة الحياة فقد أمر بها الرب تباركت أسماؤه فلا ينبغي تأسيسها على حال اليهود والنصارى وغلبتهم.

§    رغب الحق جل وعلا المستضعفين في المقاومة ووعد بتحقيق إرغام الكفرة وليس مجرد تأمين المستضعفين وذلك عند البدء بأولى خطوات المقاومة وهي الهجرة:)وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً( (النساء:100). وقد ذكر القرطبي في معنى المراغمة قوله:  وهو أن يرغِم كل واحد من المتنازعين أنف صاحبه بأن يغلبه على مراده؛ فكأن كفار قريش أرغموا أُنوف المحبوسين بمكة، فلو هاجر منهم مهاجر لأرغم أُنوف قريش لحصوله في منعة منهم، فتلك المنعة هي موضع المراغمة.(انتهى) كما أورد الطبري عن سعيد بن جبير في قول الله عز وجل: )وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً( (النساء:100).

§       قال: كان رجل من خزاعة يقال لـه ضمرة بن العيص أو العيص بن ضمرة بن زنباع، قال: فلما أمروا بالهجرة كان مريضا، فأمر أهله أن يفرشوا لـه على سريره ويحملوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ففعلوا، فأتاه الموت وهو بالتنعيم، فنزلت هذه الآية(انتهى). وما حل بأمة الإسلام إلا النكوص عن هذه الهجرة ومتطلباتها حيث تمكن الأعداء من أن يسجنوهم في جلودهم وقومياتهم الضيقة ووطنياتهم الأضيق فهم أي أبناء الأمة معدودون ومختوم عليهم كالعبيد وبدلا من الوسم بالنار القديم تم وسمهم المعاصر بجوازات السفر المصممة أمريكيا حتى تسهل الملاحقة والملاحظة لهم، ولكن السجن الأخطر للمسلمين هو السجن العقلي حيث أصبحت المرجعيات الوطنية والبلدان التي ينتمي إليها المسلمون تحكم على كل ما هنالك من مستقبل ومن علاقات بين الأمة الواحدة، ولما تمكن واضعوا المشروع الإسلامي من غرس بذرته في أرض الأمة حيث نما في غفلة من الأعداء إذا به يصطدم في المراحل الحالية من نموه بحاجز البلدان وجوازات السفر كأحد أخطر الحواجز والمعوقات.

§       وعند هذه النقطة الحرجة من تاريخ المستضعفين يزداد القول والتسليم لديهم بأنه لا يمكن الخروج من دائرة الاستضعاف وبالتالي لا بد من قبول الأوضاع كما هي وهو ما دلت عليه الآية في قولهم:(كنا مستضعفين في الأرض) فهم يعتقدون بأن مجرد الاستضعاف يعتبر عذرا كافيا لعدم إحداث أي تغيير في واقع الحياة وقد حدد الله عز وجل طبيعة التغيير المطلوب منهم وهو الهجرة: (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) فهي أي الهجرة تأتي في سياق التحول الكبير نحو التغيير والجهاد، وقد أورد ابن كثير في تفسير الآية: قال الضحاك: نزلت في ناس من المنافقين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وخرجوا مع المشركين يوم بدر فأصيبوا فيمن أصيب، فنزلت هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين، وهو قادر على الهجرة وليس متمكناً من إقامة الدين فهو ظالم لنفسه مرتكب حراماً بالإجماع، وبنص هذه الآية، حيث يقول تعالى: )إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّـاهُمُ الْمَلَـئِكَةُ ظَـالِمِى أَنفُسِهِمْ( (النساء:79) أي بترك الهجرة )قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ( (النساء:79) أي لم مكثتم ها هنا وتركتم الهجرة )قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الاْرْضِ( (النساء:79) أي لا نقدر على الخروج من البلد، ولا الذهاب في الأرض )قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً( (النساء:79) الآية.(انتهى) وبتعقد أوضاع المسلمين المعاصرة إلى الدرجة التي كادت فيها المعالم بين دار الكفر ودار الإيمان أن تنمحي أو تتداخل تداخلا شديدا وكذا دار الحرب ودار الإٍسلام فإن هجرة المسلمين المعاصرة ينبغي أن تتجه نحو الاستعصاء على الذوبان في إعصار الكفر الذي يعم العالم في المرحلة الأولى وهو ما حدث بفضل الله عز وجل نتيجة لجهاد الدعوة ومصابرتها ثم تطور ذلك الاستعصاء عندما عزم الدعاة على التجاوب مع التحديات التي يفرضها الكفر في نواحي الأرض وهو التجاوب الجهادي الذي انداح في الأرض من الفلبين إلى البوسنة طوال عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن المنصرم ولكن تلك الموجة الجهادية تكاد تنحسر وتطوى نتيجة للمكر والدهاء الذي عالج به الكفار الموقف وتطبيق سياسة عزل المجاهدين عن الأمة بحيث لا يلحق بهم من الأمة إلا النزر اليسير من الصعاليك وتبقى الأغلبية الساحقة والتي آثرت البقاء تحت هيمنة الكفر وقانونه الدولي لا تحرك ساكنا.

§        عادة ما يتخذ الجبابرة سياسة توجيه الضربات الشديدة والمتلاحقة لحملة الحق حتى ينتهي عندهم أي أمل في المقاومة: )إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ( (القصص4) وتجدد هذه السياسة مطبقة بقيادة الأمريكان الصليبيين فهم قد عزموا على الضرب في كل مكان وبسرعة قياسية وبدعم سياسي وإعلامي عالمي علهم يقذفوا الرعب في قلوب المسلمين ويسجنوهم في جلودهم قبل سجن جوانتيمالا وأشباهه.

§        بين الرب عز وجل للمسلمين بأن الوسيلة الوحيدة لاستنقاذ المستضعفين من المسلمين ونصرتهم هو القتال في سبيله: )وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً( (النساء:75) ولو كانت هناك وسيلة أخرى لإنقاذهم لبينها لنا الرب تبارك وتعالى ويقول الطبري في معرض تفسيره للآية السابقة: فحضّ الله المؤمنين على استنقاذهم من أيدي من قد غلبهم على أنفسهم من الكفار، فقال لهم: وما شأنكم لا تقاتلون في سبيل الله وعن مستضعفي أهل دينكم وملتكم الذين قد استضعفهم الكفار فاستذلوهم ابتغاء فتنتهم وصدّهم عن دينهم من الرجال والنساء؟ (انتهى).

§        ويتضح من استعراض مواقف وأحوال بني إسرائيل في القرآن الكريم أن الله قد جعلهم موعظة للمسلمين حتى لا يقعوا فيما وقع فيه بنو إسرائيل من المواقف فلا شيء يمنع من ذلك ونفوس البشر متشابهة والحرص على الدنيا متأصل فيها، وبتتبع أحوال بين إسرائيل في مرحلة الاستضعاف يمكننا أن نقف على أحوال المسلمين اليوم المشابهة لأولئك فالموقف فيه تشابه وتناظر ومن ذلك: عدم إدراك الأغلبية الساحقة من المستضعفين لأثر مدافعتهم ونتائج دعوتهم فيلحقهم اليأس:)قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ( (لأعراف:129) فيحصل التبرم والضيق وتحميل الدعوة الإسلامية وقيادات العمل الإسلامي أسباب الأذى وتعدي الكفار عليهم وتحميل الأداء الجهادي المقاوم أسباب كل التحولات السياسية لدى العدو كما هو حاصل لدى البعض الآن فيما يخص التحولات في فلسطين فبدلا من أن يكون رفع راية الجهاد هو الأمل الحقيقي أصبح الأمر مكلفا من وجهة نظر البعض بل قال بعض المنافقين بأن المقاومة والجهاد ضيع فرصة حزب العمل (الصهيوني) من الفوز على الليكود (الصهيوني) وعليه فقد ارتفعت صيحات المنافقين في العالم العربي والإسلامي مطالبة بإيقاف الجهاد في فلسطين قبل فوات الأوان كما يزعمون، وإن فهم تلك الطبيعة البشرية  يقتضي من قيادات الحركة الإسلامية خطابا عقائديا دقيقا وحاضرا لا يغيب عن أذهان وأعين المسلمين كما يقتضي إصرارا وثباتا ومضيا في طريق الجهاد.

§        ومن سمات مرحلة الاستضعاف سعي بعض قيادات الأمة سواء من السياسيين أو من علماء الدين وبعض من قيادات الحركات الإسلامية إلى المحافظة على المكتسبات الدنيوية والرضا بها تحت شعار: أن أي عمل آخر غير الهدوء والسكوت سوف يهدد معطيات المرحلة فيؤدي ذلك إلى غض الطرف عن حقائق الدين ومتطلباته بتلك الدعوى كما حكى القرآن عن بني إسرائيل: )وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ( (آل عمران:187) ويقول ابن كثير حول هذه الآية: وفي هذا تحذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم، ويسلك بهم مسالكهم، فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع، الدال على العمل الصالح، ولا يكتموا منه شيئاً، فقد ورد في الحديث المروي من طرق متعددة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار) (انتهى). وها نحن نشاهد من أحوال الأمة المعاصرة ما يشبه تلك الحال فالصليبيين يركبون للمسلمين كل صعبة وذلول ويجتازون لهم البحار والآفاق ورجالات الأمة لا يرون بالإمكان فعل شيء غير الانتظار وما تسفر عنه الأحوال عل الصليبيين أن يرأفوا بهم عبر الأمم المتحدة وغيرها من المرجعيات التي يهيمن عليها الكفرة من شرق وغرب.

§        ومن سمات مرحلة الاستضعاف هو الصدمة التي يقع فيها البعض حين يتضح لـه كلفة ومقدار الفرق بين النظرية والتطبيق وذلك عندما يأذن الرب عز وجل بفتح باب الجهاد إما بعزمة مباركة من العلماء أو بتعدي الكفار أو بالاثنين معا، فلما يأتي وقت الاختبار بعبور المنطقة بين النظرية والتطبيق وتجاوزها يقع البعض بل الأكثرية الساحقة أسرى لما تعودوا عليه وألفوه ويثقل عليهم أداء المطلوب فيصدر منهم التذمر: )أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً( (النساء:77)، وينقل القرطبي حول الآية عن السُّدِّي قولـه: هم قوم أسلموا قبل فرض القتال فلما فُرض كرِهوه. وقيل: هو وصف للمنافقين(انتهى) ومما يستنتج من ذلك أن المرحلة الاستضعافية تؤدي ـ وبخاصة إذا طالت - إلى نوع من التخدير العقلي والعاطفي والعملي فلا يتصور من هم مأسورون في ثناياها أنهم هم المعنيون بالتكليف في القضايا الكبرى ومن هنا جاء التحذير الآخر الخطير: )أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ( (الحديد:16). فإن طول الأمد يؤدي إلى تغيير الأحكام وعدم اتباعها.

§        لا بد وأن يكون أهل الباطل هم الذين يبتدئون المستضعفين بالعدوان والأذى خاصة إذا ظهرت عقيدة المستضعفين وبدت في التأثير فلا يطيق الكفرة هذا التطور في واقع المستضعفين وكما حدث مع موسى عليه السلام فإن فرعون استخدم السحر بغية إثبات قوة عقيدته فهزمت عقيدته أمام الناس كلهم كما هزم الإسلام عقائد الإلحاد المعاصرة شرقا وغربا فما كان من فرعون إلا أن اتهم موسى بالسحر وقد كان فرعون يعتمد على السحر منذ لحظات فأحل السحر لنفسه وحرمه على موسى كما أحل فراعنة العصر الأمريكان (الإرهاب) لأنفسهم وحرموه على المسلمين، ثم بدأ فرعون بالأذى ورفع درجاته إلى مستوى غير مسبوق عندما قال: )قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى( (طـه:71) فإذا طال الزمن على المستضعفين وهم على هذا الحال دون وجود خطة للمقاومة والهجرة فإن الأمر خطير في مآلاته الكبرى عليهم، ونفس السنة كادت أن تنطبق على الصحابة رضوان الله عليهم لولا فضل الله على المؤمنين إذ جعل سيرة المصطفى قدوة ونموذجا مقتدى إلى قيام الساعة فإن الصحابة وبعد مضي فترة من مرحلة الاستضعاف كان لا بد من الانتقال إلى المرحلة التالية فكانت هجرة الحبشة الأولى والثانية ثم الإذن بالهجرة الكبرى والتغيير التاريخي. واليوم لا بد من البحث عن المخارج الكبرى لكسر مرحلة الاستضعاف والانتقال إلى المرحلة التالية واستخدام كل الفنون والإمكانيات لتحقيق تلك النقلة.

§        غالبا ما يتأقلم ويتعود المستضعفون على الوضع العام المسيطر عليه من قبل الكفر فينسبون الحياة والمستقبل إلى تلك الأوضاع ولا يرون لهم فرصة للتحرر منها وأقصى ما يمكن أن يفكروا فيه هو أن يجدوا لهم مكانا ولو محدودا في ظل تلك الأوضاع، وهذا ما نراه من محاولات تكاد تكون مستميتة من قبل بعض الدعاة لأن يقبل بهم النظام العالمي الذي منتهاه بيد الصليبيين بحجة أن هذا هو الممكن ولا يمكن تحقيق غيره ففقد الدعاة بذلك سماتهم المميزة بل وأصبحت أذواقهم وأحاسيسهم منغلقة في حب العيش والبقاء حيث هم بغض النظر عما يسببه لهم هذا الوضع من ذل واستخذاء وغدوا يرددون مقولة بني إسرائيل عندما أراد موسى بأمر من الله أن يغير طباعهم الاستضعافية إلى طباع المجاهدين ولكنهم أبوا: )وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ( (البقرة:61) وحاشا المسلمين أن يصلوا إلى ما وصل إليه بنوا إسرائيل ولكنهم وبكل سهولة يمكن أن يقعوا فيما وقع فيه أولئك من السنن نتيجة لإصرارهم على الحفاظ على الراحة والأمن الظاهرين.

§        ومن سمات مرحلة الاستضعاف هو تحكم البعد العنصري والقومي والقبلي والطائفي تحكما كبيرا في المستضعفين إلى الدرجة التي يفقدون فيها أهم عنصر من عناصر اجتماع المؤمنين وهو الولاء بعضهم لبعض على أساس الإيمان والتوحيد وعند انهيار هذا العنصر وهو الولاء تنهار بقية العناصر ومنها النصرة وعدم ترك إخوان العقيدة يسقطون في براثن الكفر فيقتلونهم ويستحلون محرماتهم ولكن المستضعفين ونتيجة لحرصهم الشديد على الحياة يقعون في هذا المحرم كما ورد عن بني إسرائيل: )وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ، ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ( (البقرة:84-85) وهو ما وقع فيه كثير من المسلمين اليوم فمن جانب يظاهرون الكفرة على إخوانهم ويتفرجون عليهم وهم يقتلون وتسفك دماؤهم فإذا انتهى الكفرة من مهامهم سعى المسلمون لإخوانهم بالمؤونة والدعم الإغاثي المجاني تدينا وتعبدا وقد كان الأولى بهم أن لا يظاهروا على إخوانهم فيسهمون في سفك دامئهم كما فعل اليهود في يثرب قبيل البعثة النبوية فيقتتلون متحالفين مع الوثنيين في يثرب متفرقين بين الأوس والخزرج حتى إذا وضعت الحرب أوزارها سعوا لفك أسراهم من اليهود كما ورد ذلك في التفسير.

§        ومن سمات مرحلة الاستضعاف وخاصة عندما تقترب المرحلة من نهايتها هو وقوع أغلب القيادات التاريخية للمشروع الإسلامي تحت طائلة ما يمكن أن نطلق عليها صفات الرهبان نسبة إلى أداء الراهب الموحد المبارك الذي ورد ذكره في الحديث المشهور بعنوان قصة الغلام والراهب دون أن نقلل من شأن هؤلاء القادة لكنها السنن فهم وبالرغم من الدور المبارك الذي لعبوه في قيادة مرحلة التأسيس لكنهم يقعون أسرى في معطيات تلك المرحلة فلا يرون التغيير والتحولات في المرحلة الجديدة وإذا رأوها فإنهم لا يرون الفرص للتعامل معها إلا الانتظار ويعتبرون أنفسهم مرجعية نهائية ويفضلون الانزواء ويرغبون في النهاية السلمية للمسيرة ويتخوفون من إعطاء القيادة لجيل الغلمان - إن صح التعبير- ويتخوفون من إمكانية الأداء لدى جيل الغلمان ولا يكتشفون ولادة الجيل الثالث الجديد المتمثل في جليس الملك وكيفية توظيفه ولكن سنن الحياة تمضي إلى حيث يشاء الله تباركت أسماؤه.

§        ويبلغ الموقف أشده عند المستضعفين عندما يهددهم الرب تبارك وتعالى تهديدا كبيرا إن هم لم يتجاوبوا مع مقتضيات المرحلة ولم يهاجروا لنصرة المشروع الإسلامي: )قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ( (التوبة:24).

§        ومن عجائب مرحلة الاستضعاف إذن الله تباركت أسماؤه  لتشكل القيادة المؤهلة للمرحلة التالية وهي عملية تتم في غفلة من سدنة الباطل ذلك أنها تتم في هدوء وفي مواقع لا يعتقد أنها ستؤوي هذا النوع من القيادات كما حدث ذلك لموسى عليه السلام عندما ألقاه الله في صحراء مدين حيث استغرقت عملية البناء القيادي عشر سنين وكما حدث لصحابة رسول الله عندما آواهم النجاشي فصنعوا صناعة خاصة وكما حدث للغلام الذي ورد ذكره في الصحيح عندما اختير من قبل السدنة لتعلم السحر فإذا به يتلقى الحق في نواحي من الأحراش مجدبة وهاهي صحاري المسلمين وأزقتهم وشققهم الضيقة وغاباتهم وأكواخهم وخلاويهم تتهيأ لتقذف بقيادات المرحلة الجديدة بإذن الواحد القهار.

 

مرحلة المدافعة: وتحكمها المعطيات التالية:

§        الولوج الصعب إلى هذه المرحلة وحالة التردد التي تسود المستضعفين قبلها ويتركز التردد في الحالة العقلية والنفسية وتضخم صورة التضحيات المطلوبة ويلعب الشيطان دوره التخذيلي المميز في هذه المرحلة فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن سبرة بن فاكه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إِنَّ الشَّيْطانَ قَعَدَ لابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الإِسْلامِ فَقَالَ لَهُ: أَتُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ، وَآبَاءِ أَبَيكَ؟) قال: (فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الهِجْرَةِ فَقَالَ: أَتُهَاجِرُ وَتَذَرُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ، وَإِنَّمَا مَثَلُ المُهَاجِرِ كَمَثَلِ الفَرَسِ فِي الطِوَّلِ؟) قال: (فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ) قال: (ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الجِهَادِ فَقَالَ لَهُ: هُوَ جُهْدُ النَّفْسِ وَالمَالِ فَتُقَاتِلُ فَتُقْتَلُ فَتُنْكَحُ المَرْأَةُ وَيُقْسَمُ المَال) قال: (فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فَمَنْ فَعَلَ ذالِكَ مِنْهُمْ فَمَاتَ كَانَ حَقّاً عَلَى الله أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ قُتِلَ كَانَ حَقّاً عَلَى الله عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَإِنْ غَرِقَ كَانَ حَقّاً عَلَى الله أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ كَانَ حَقّاً عَلَى الله أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ). والشاهد في آخر الحديث وهو طبيعة التحول الجهادي وصعوبته وشدته على النفوس وهو ما نراه متحقق في واقع الأمة حتى يبدو الأمر حلم بعيد أو هو من الوهم أقرب حيث أسس الناس ووطنوا أنفسهم على أن التحول الإسلامي سوف يتم سلميا وبالحوار وأن عهد الجهاد قد ولى إلا في مواقع محدودة من العالم كتب الله عليها الشقاء.

§        إدراك سدنة الكفر خطورة التحول من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة المدافعة لدى حملة الحق وما سوف يترتب على ذلك التحول من تهديد حقيقي لسلطانهم في الأرض ولذا فإنهم يبذلون من الاهتمام العقلي والنفسي والمالي لمنع هذا النوع من التحول: )إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ( (لأنفال:3) .

§        وقد رأينا إدراك قريش لذلك التحول في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم فما كان منها إلا أنها حددت خياراتها لمقاومة أخطر أنواع التحول وهو التحول العملي لدى القيادة المؤمنة متمثلة في رسول الله صلى الله عليه وسلم في ما وصف لنا الحق تبارك وتعالى: )َإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ( (لأنفال:30)، وكذا فهم أحبار اليهود لخطورة التحول فتحرك كبراؤهم باذلين أموالهم كحيي بن أخطب وعبدالله بن الحقيق وكعب بن الأشرف حتى حزبوا الأحزاب وجمعوها حول المدينة راغبين في استئصال شأفة محمد صلى الله عليه وسلم ومن معه، وكذا كان من فرعون فما كاد موسى عليه السلام ينظم عملية انسحاب بني إسرائيل من المجتمع الفرعوني حتى نادى فرعون: )فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ، إن هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ، وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ، وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ( (الشعراء:53-56) وهكذا يدرك الطغاة التحول الخطر ولذا فهم يسعون لوأده في مهده وإلا ألم يكن بوسع فرعون أن يدع موسى عليه السلام يمضي بقومه ويبقى فرعون وراء البحار آمنا مطمئنا؟ كما هو حال الأمة الأمريكية اليوم؟ بلى ولكن الطغاة يدركون أنهم مهزومون بمجرد الاستقلال المحدود والبسيط الذي يناله حملة الحق فكان لا بد من إبادة أفغانستان المبادة أصلا ولا بد من تتبع تشكل أولى مراحل الاستقلال والتمكن لدى المسلمين والتي ابتدأت في البوسنة والشيشان وكشمير والفلبين والدور قادم على السودان واليمن والصومال وغيرها.

§        غالبا ما يرفض المستضعفون عند حلول مرحلة المدافعة التبدلات التي تصاحبها سواء الداخلية منها أوالخارجية ومن التبدلات الداخلية هو الاستبدال القيادي المناسب للمرحلة ومتطلباتها كما حصل لبني إسرائيل: )وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ( (البقرة:247)، وتحدث هنا عملية سلبية دقيقة ينبغي لحملة الحق أن ينتبهوا لها وهي أنه بدلا من الحديث والتركيز على طبيعة المرحلة وتقبل تبعاتها والاستعداد لها فإنه يتم التركيز على لون وأصل وشكل القيادات التي يهبها الله تعالى القدرة على التأصيل للمرحلة وقيادتها فيضيع الوقت ويختلف الناس على الأسماء وتتبدد الجهود في هذا البحث الذي لا علاقة له بالمرحلة.

§        وغالبا ما يصعب على حملة الحق في هذه المرحلة تقبل المعادلة التي تبدو غير متوازنة البتة فيما يخص قدرات الكفر وإمكانيات الطغاة مقارنة بإمكانيات حملة الحق فالبون شاسع كما يصعب أن يتم تجاوز الحدود الذي رسمها الباطل والأسطورة التي تشكلت في عقليات البشر تجاه هذا الباطل وعنفوانه وتفوقه فتكون النتيجة أن يتخلى أكثر حملة الحق عن الحلم ويرضون بالموقع الذي وصلوا إليه في مسيرتهم بل ويؤكدون على هذا الاختيار: )قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ( (المائدة:22) ونلاحظ وصف بني إسرائيل للطغاة بأنهم (جبارين) وما ذلك إلا لخضوع عقولهم وعواطفهم لمعطيات الدعاية والتأثير السائد في تلك اللحظة التاريخية بين الأمم بل ويبلغ الأمر بالمستضعفين أن يتمنوا استمرار بقاء السيطرة للكفرة على الأرض واعتبار تلك السيطرة مرجعية للبشر ولذا وجدنا من المسلمين من يود لو استمر الاتحاد السوفيتي حيث كان يوفر وجوده توازنا دوليا ينفع المسلمين؛ وما هذا السقوط الذريع في الأماني إلا لنسيان حقيقة التدافع ودور المؤمنين فيها ولعدم الاستعداد العقلي والنفسي لتحمل تبعات المرحلة.

§        ويلعب المنافقون أخطر الأدوار للتخذيل عن هذه المرحلة وللنكوص عنها ويتفنون في ذلك مستخدمين كل الحيل النفسية للإيقاع بالمجاهدين ومن ذلك اعتبارهم للأوضاع السياسية السائدة والمسيطر عليها من قبل الكفرة أصلا لا يمكن تجاوزه بأي حال من الأحوال: )فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ( (المائدة:52) بل ويبلغ بهم الجزع واليأس مبلغا لا يجدون فيه مخرجا إلا موالاة الكفرة والمسارعة فيهم حتى يصلوا إلى الدرجة التي وصفهم بها الرب تباركت أسماؤه وهي مؤاخاة الكفرة من أهل الكتاب: )أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ( (الحشر:11) ولكن يأبى الله إلا أن يفضحهم على رؤوس الأشهاد: )يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ( (التوبة:64) وعليه فإن أهم ما يحتاجه المؤمنون في هذه المرحلة هو فهم العقلية والنفسية النفاقية وكيفية مواجهتها وذلك للخطورة الشديدة التي تشكلها على المرحلة، وإن أي منهج تربوي للجيل الجديد لا يوظف هذا المسار في المنهج الإسلامي وهو مسار فهم النفاق وأهله يعتبر خيانة لله ورسوله في وقت أحوج ما تكون الأجيال لذلك.

§        ويبلغ تخوف حملة الحق مبلغه من التلبس بهذه المرحلة والهروب منها حتى يصل الأمر إلى ما وصف الرب تباركت أسماؤه: )كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ، يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ( (الأنفال:5) فيكره حملة الحق القيام بأولى مهام المرحلة والمجادلة في مدى جدواها وينقل ابن جرير الطبري في تفسير الآية قول أبو جعفر: وأولـى هذه الأقوال عندي بـالصواب قول من قال فـي ذلك بقول مـجاهد، وقال معناه: كما أخرجك ربك بـالـحقّ علـى كره من فريق من الـمؤمنـين، كذلك يجادلونك فـي الـحقّ بعدما تبـين. لأن كلا الأمرين قد كان، أعنـي خروج بعض من خرج من الـمدينة كارها، وجِدَالهم فـي لقاء العدوّ عند دنوّ القوم بعضهم من بعض، فتشبـيه بعض ذلك ببعض مع قرب أحدهما من الآخر أولـى من تشبـيهه بـما بعد عنه. وقال مـجاهد فـي الـحقّ الذي ذكر أنهم يجادلون فـيه النبـيّ صلى الله عليه وسلم بعدما تبـينوه: هو القتال(انتهى النقل). وهذه الحال من كراهية الجهاد هي التي عليها غالب الأمة اليوم فالجهاد غير متصور لديهم لا نظريا ولا واقعيا، وبناء على تجدد وثقل التبعات التي تفرضها مرحلة المدافعة وارتفاع سقف المشروع من الناحية العملية فإنه لا بد من تجديد البيعة بين القيادة والأتباع لما لذلك التجديد من أثر بالغ على النفوس والعقول وحتى يمكنها ولوج المرحلة الحساسة والخطرة بوضوح ويسر وهذا ما رأيناه في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم يوم بدر ويوم بيعة الرضوان.

§        وتتحقق نذر المرحلة غالبا دون تخطيط ودون ترتيب حملة الحق حيث يبادر الطغاة ويخططون لتقدمهم نحو حملة الحق ملوحين بشعار: )وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ( (الأعراف:127)  تحدو الكفرة في ذلك الرغبة الجامحة في محق أصل تجمع المؤمنين ظنا منهم أنهم يمكن أن تكون لمبادرتهم وتبكيرهم في التحرك الأثر البالغ في القضاء على أهل الإيمان والتوحيد وهو الأمر الذي حرك الأحزاب نحو المدينة، وعلى الضفة الأخرى لا يجد حملة الحق مفرا من الاستجابة للموقف بل إن اللقاء غالبا ما يكون مفاجأة لا تدع مجالا للتملص منه: )إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ( (الأنفال:42) وينقل ابن جرير الطبري عن عمير بن إسحاق في تفسير الآية قولـه: أقبل أبو سفيان في الركب من الشام، وخرج أبو جهل ليمنعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فالتقوا ببدر، ولا يشعر هؤلاء بهؤلاء ولا هؤلاء بهؤلاء، حتى التقت السقاة، قال: ونظر الناس بعضهم لبعض (انتهى). ولا يؤثر البتة في الموقف بعض رغبات المؤمنين وودهم بتجنب الموقف: )وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ( (لأنفال:7) وينقل ابن جرير الطبري عن قتادة في تفسير الآية قوله: )وَإذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَـيْنِ أنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أنَّ غير ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ( قال: الطائفتان إحداهما أبو سفـيان بن حرب إذ أقبل بـالعير من الشأم، والطائفة الأخرى أبو جهل معه نفر من قريش. فكره الـمسلـمون الشوكة والقتال، وأحبوا أن يـلقوا العير، وأراد الله ما أراد (انتهى) وقد التبس على المسلمين حقيقة الوضع في عالم اليوم فاعتقدوا أن مجرد العمل على تمكين دين الله عز وجل من خلال ما أتاحه الأعداء وهو البرلمانات كافيا لتحقيق ذلك التمكين فكأنهم وقعوا في هذه السنة وهي كراهية الشوكة.

§        ومن سمات مرحلة التدافع وعندما يبدأ انطلاق حملة الحق من براثن مرحلة الاستضعاف أن يتعلل الكفرة بالحق والعدل بل وبدين الحق ويتهموا حملة الحق بأنهم قد جاوزوا الحق في جهادهم ووقعوا في الإثم؟ كما فعل جورج بوش عندما أفتى بعدم جواز العمليات الاستشهادية في الإسلام فانتصب واعظا وهو الأمر الذي حدث في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: )يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ( (البقرة:217) وينقل الإمام الطبري عن مجاهد في تفسير الآية ما يلي: قال مـجاهد: صدّ عن الـمسجد الـحرام وإخراج أهله منه، فكل هذا أكبر من قتل ابن الـحضرمي، والفتنة أكبر من القتل كفر بـالله وعبـادة الأوثان أكبر من هذا كله (انتهى) كما نقل الإمام الطبري عن الضحاك بن مزاحم يقول فـي قولـه: )يَسألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الـحَرَامِ قِتالٍ فِـيهِ قُلْ قِتالٌ فِـيهِ كَبِـيرٌ( كان أصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم قتلوا ابن الـحضرمي فـي الشهر الـحرام، فعيّر الـمشركون الـمسلـمين بذلك، فقال الله: قتال فـي الشهر الـحرام كبـير، وأكبر من ذلك صدٌّ عن سبـيـل الله وكفر به، وإخراج أهل الـمسجد الـحرام من الـمسجد الـحرام (انتهى). وهذا الذي يفسر اهتمام البيت الأبيض الصليبي الفجائي بدين المسلمين بل والاحتفال بدخول رمضان معهم!! وما ذلك إلا تلبيسا على المؤمنين وإظهارا لموقف موحد مع أمة الإسلام يأمل الكفار بتحققه وهو أن ينخدع المسلمون بقول الكفار بأن دين الإسلام إنما هو دين سلام لا دين حرب فيحل البيت الأبيض لنفسه الحرب ويحرمها على أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

§          ومن مظاهر مرحلة التدافع أن يفضل كثير من المسلمين أداء الشعائر وعمارة المساجد وأداء الصدقات على الجهاد في سبيل الله متعللين بما في ذلك من الفضل والثواب ومتخففين من تبعات الجهاد وقد حدث ذلك على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فقد ورد في صحيح مسلم عَنْ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللّهِ . فَقَالَ رَجُلٌ: مَا أُبَالِي أَنْ لاَ أَعْمَلَ عَمَلاً بَعْدَ الإِسْلاَمِ.إِلاَّ أَنْ أُسْقِيَ الْحَاجَّ. وَقَالَ آخَرُ: مَا أُبَالِي أَنْ لاَ أَعْمَلَ عَمَلاً بَعْدَ الإِسْلاَمِ. إِلاَّ أَنْ أَعْمُرَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ.وَقَالَ آخَرُ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَفْضَلُ مِمَّا قُلْتُمْ. فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ وَقَالَ: لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللّهِ. وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ.وَلَكِنْ إِذَا صَلَّيْتُ الْجُمُعَةَ دَخَلْتُ فَاسْتَفْتَيْتُهُ فِيمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ. فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِر( الآيَةَ إلَى آخِرِهَا (انتهى النقل من صحيح مسلم). وتذكيرا بنص الآية كلها فقد قال تعالى: )أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ( (التوبة:19).

§       وقد حكم الله بين الفريقين بأنهم لا يستوون عنده بل إن صفة الإيمان قد نقلت من الكفة الفريق الأول إلى كفة الفريق الثاني وهي كفة الجهاد تعزيزا وتأكيدا، فتأمل.

§        وقبل أن تأخذ مرحلة المدافعة مسارها الوافر الواضح تخضع الأمة لتجاذبات وتطبيقات المتخاذلين والمنافقين فتشوه صورة الحق الكلية نتيجة لهذه التجاذبات وتقع الأمة في وهدة وعود المنافقين وزيفهم فلا تعرف من تصدق هل تصدق حملة الحق ودعاته أم تتبع أهل الزيغ والضلال ولا ينهي هذه الحالة أو يمحصها إلا الإصرار على المضي في حلقات المدافعة، ومن صور تلك التجاذبات هو اعتبار بعض المنافقين الحالة الجهادية فتنة: )وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ( (التوبة:49) ومنهم من يحاول الهروب من المسؤوليات الكبرى التي تقع على عاتقه ولتشتيت الأذهان عن التذبذب الذي يمارسه ببناء المساجد الكبيرة العالية: )وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ( (التوبة:107) وفي حال أصاب المجاهدين من ضغط الكفرة فإن المنافقين يفرحون ويشمتون: )إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ( (التوبة: 50).

§        ومن سمات مرحلة التدافع تقدم فئة خاصة من المؤمنين للقيام بمهمة تحمل تبعات الابتداء في المرحلة ورفع لواء الجهاد غير مبالين بالتبعات ولا بتخلف المتخلفين فيؤدي تقدمهم ذاك إلى توازن في الصورة العامة القاتمة والمائلة لصالح الانسحاب الذي تبديه الأكثرية فيتحول هؤلاء المتقدمون إلى أمل للأمة في كل مكان فينالوا أجمل الوصف وأحسن النعوت من رب الأرض والسماء: )لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ( (التوبة:88) وهذا ما أثبته المجاهدون المعاصرون في فلسطين وغيرها.

§        ومن أهم سمات مرحلة التدافع هو أن يشكل تحرك الكفرة ومبادراتهم أهم الفرص للتحول عند حملة المشروع الإسلامي بشرط رؤيتهم للتحول قبل وقوعه أو الاستدراك والتعامل معه حال وقوعه ذلك أن مبادرات الكفرة هي التي تؤدي إلى تحول في نفسية الأمة وتشكل النقلة اللازمة للدخول في مرحلة المدافعة ولذا استجاش الرب تباركت أسماؤه عاطفة المسلمين بمبادرة الكفرة: )أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَأُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ( (التوبة:13).

 

وبالتمعن في أحوال الأمة الحالية ومقارنتها بما ورد في الكتاب والسنة نجد أن الأمة إنما تقف في نهاية مرحلة الاستضعاف وتوشك أن تلج في مرحلة التدافع وهو الذي يفسر حالة التردد والانكماش والقلق الذي يمنع من اتخاذ قرارات الولوج بوضوح في هذه المرحلة، ولا يعني هذا أن حالة الاستضعاف لم تكسر بالكلية بل لقد تداخلت مرحلة الاستضعاف بمرحلة التدافع في العقدين الأخيرين من نهاية القرن العشرين من خلال التجارب الجهادية المباركة ولكن ذلك التداخل كان محدودا وفي أجزاء محصورة من الأمة وقد تراجع الدفع نحو مرحلة التدافع نتيجة للحملة المعاكسة التي قادتها أمريكا لكي تمنع حصول هذا التحول في الأمة المسلمة.

 

مرحلة التمكين:

وقد يعجب بعض القراء أن ترد مرحلة التمكين في هذا الموضع الذي يهدف إلى تحديد لطبيعة المرحلة التي تمر بها الأمة المسلمة في وقتنا الحاضر وما يحكمها من معطيات نفسية وعقلية خاصة بعد أن تم تقدير المرحلة التي تقف إزاءها الأمة وهي نهاية مرحلة الاستضعاف فهل لمرحلة التمكين علاقة بهذا البحث؟ أقول: نعم وذلك لأن إمكانية تداخل المراحل وارد ولأن إمكانية تأثر بالمراحل بعضها ببعض وارد أيضا وعليه فإن معرفة ودراسة طبيعة مرحلة التمكين من الأهمية بمكان لأجيال المسلمين خاصة الدعاة والقادة منهم، وعليه فسوف أعرض لسمات مرحلة التمكين والتي لها علاقة متينة بمرحلة التدافع وهي كالتالي:

 

§          يعتبر الاستعجال للولوج إلى مرحلة التمكين من أكبر مهددات هذه المرحلة ولا يتحقق التعجل إلا رغبة في اختصار مرحلة التدافع والظن بأن التمكين قد حان فيترك المجاهدون مواقعهم رغبة في الحصول على غنائم مرحلة التمكين فيستغل العدو الفرصة فيكون الانقضاض كما حصل في معركة أحد: )أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ( (آل عمران:165) والغريب أن المجاهدين يفاجئون بالتحول من النصر إلى الهزيمة ذلك أن انغماسهم في بشريات النصر ورؤية آثار الجهاد من جهة واعتبارهم أن المهمة قد أوشكت على الانتهاء وقد حان أوان الحصول على المكاسب يمنع عنهم رؤية خطورة التحول الذي وقعوا فيه فيكون منهم ذلك السؤال: (أنى هذا) وينقل ابن جرير الطبري عن قتادة في تفسير قوله عز وجل: )حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَـازَعْتُمْ فِى الاْمْرِ( (آل عمران:251) أي اختلفتم فـي الأمر، )وَعَصَيْتُمْ مّن بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ( (آل عمران:251) وذاكم يوم أُحد، عهد إلـيهم نبـيّ الله صلى الله عليه وسلم وأمرهم بأمر، فنسوا العهد وجاوزوا وخالفوا ما أمرهم نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، فـانصرف علـيهم عدوّهم بعد ما أراهم من عدوّهم ما يحبون(انتهى). وإذا رجعنا إلى درس أفغانستان المعاصر وبعد أن نجح المجاهدون في كسر شوكة الملحدين السوفييت فإنهم وعندما لاحت لهم الغنائم اختلفوا على توزيعها فوقعوا في السنن وتحقق فيهم ما يتداوله كل البشر عندما يكررون مقولتهم المشهورة: الثورة تأكل أبناءها، ونفس الدرس حصل للمجاهدين في سوريا إبان الحملة الجهادية المباركة في سوريا على النظام النصيري في بداية ثمانينيات القرن المنصرم فإن المجاهدين ودون إنقاص من فضلهم وبذلهم ما لبثوا أن لاحت لهم من بعيد غنائم الشام وكراسي الملك فيها وهم لم يتقدموا بعد من مراحل الجهاد الأولى فكان ما كان من الفشل والتنازع المبكر إضافة إلى عوامل أخرى أثرت في مصير ذلك الجهاد ومآلاته.

§        ومن سمات مرحلة التمكين المبكرة هو إقدام قيادات الجهاد على اتخاذ قرارات التبريد لبؤر الجهاد اعتقادا بقرب حصول السلم ورغبة بتحقيق أهداف الجهاد من خلال الأداء السلمي حيث وقعت أكثر قيادات الجهاد المعاصر في هذه السنّة وفي مواقع مختلفة من العالم فأقدمت على إنهاء المرحلة الجهادية أو إلغاء مستلزماتها واعتقدت أن أوان السلم قد حل وعليه فلا بد من القضاء على كل معطيات الجهاد حتى لا تصبح تلك المعطيات مهددة لمرحلة السلم فبدأ التخلي عن الشوكة التي لولاها لما وصل المجاهدون إلى ذلك السلم المؤقت وعندها يبدأ الكفرة بقصقصة أجنحة المجاهدين وعزلهم عن أسلحتهم ومراكز قوتهم ثم ينقضون عليهم في مرحلة تالية وهو مصداقا لما تعرض لــه القرآن الكريم في هذا الشأن: ).....وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً....( (النساء: من الآية102).

§       ومن أخطر سمات مرحلة التمكين السلبية هو عزل مواقع الأمة الجهادية وتجارب الجهاد المتفرقة في العقدين الماضين عن بعضها البعض واعتبار تلك التجارب والبؤر نتاج واقع محلي محدود فيحصل العزل على مستوى الأمة وكذلك على مستوى العالم والأقاليم فإذا لم يتم ربط تلك البؤر برؤية استراتيجية موحدة بحيث يستفاد من سعة وجود الأمة وانتشارها وتمكنها من مشاغلة أكثر من عدو كما فعل الخلفاء الراشدون في مراحلهم المباركة وإلا فإن عزل تلك الجبهات عن بعضها البعض سيمكن الأعداء وهم كثر من تفكيك أوصال الأمة وشل فاعليتها.