· رابعا: تحديات الواقع السياسي الداخلي
ويشكل الواقع السياسي في الأمة أبرز أشكال التحديات للمشروع الإسلامي وأعني بالواقع السياسي المفردات التي تشكل البيئة السياسية في الأمة وهي النظم السياسية بأفرادها ومؤسساتها وكذلك الأحزاب السياسية والتجمعات القبلية والأقليات والمؤسسات السياسية الإقليمية والعالمية في العالم الإسلامي والفكر والممارسة السياسية السائدة، حيث يمكن رؤية التحديات التي تسيطر على تلك المفردات في النقاط التالية:
§ عجز أنظمة الحكم في العالم الإسلامي والعربي عن تحقيق استقلال حقيقي -وبأي مستوى- عن تأثير وجاذبية القوى العالمية والإقليمية مما جعل مستقبل الأمة يعتمد اعتمادا كليا على رؤى تلك القوى ومما يزيد من تعقد الأوضاع هو المستوى العميق الذي وصل إليه اختراق القوى الخارجية في كل نظام سياسي فترى من الطبيعي أن يصل الاختراق إلى مستوى استقطاب مفردات مراكز القوة وصنع القرار في النظم السياسية سواء على مستوى الأفراد كوزراء السيادة أو مستوى المؤسسات كالجيش وأجهزة الأمن فهناك مواقع موالية لأمريكا وهناك مواقع موالية لفرنسا وهناك اختراق لقوى إقليمية وعليه ونتيجة لارتهان الإرادة السياسية في النظم فإن كل التطورات السياسة والأزمات لا يمكن معالجتها إلا من خلال وجهات نظر القوى الغربية أو الشرقية وزاد من تعقيد الوضع هو اضطرار النظم السياسية لمراعاة إرادات العواصم الكبرى والسعي لإرضاء الشركاء المتشاكسين غالبا ولعل التغير الذي حدث في النظام الدولي في نهاية القرن العشرين أعطى صورة واضحة لهذا التشويش في العلاقات الخارجية للنظم السياسية في العالم الإسلامي والعربي فقد رأينا الجمود الذي مرت به الأزمة اللبنانية والتي ابتدأت في منتصف الثمانينينيات والحل الذي فرضته الإرادة الأمريكية والإسرائيلية من جهة والإرادة الفرنسية من جهة أخرى ومع أن الحل وهو ما سمي باتفاق الطائف لم يكن ليخدم مصلحة المسلمين البتة وإنما ليرضي الأطراف الداخلية المتصارعة والمؤثرة في الموقف والذي فرض لها المستعمر الفرنسي من قبل وضعا محددا ودستوريا ومع ذلك لم تتمكن حتى هذه الأطراف من دفع الموقف باتجاه الانفراج بسبب ذلك التنازع بين الإرادات الدولية، وكذا رأينا الموقف واضحا في الأزمة العراقية الثالثة عندما سعت الحكومة العراقية لمواجهة الإرادة الأمريكية عبر محاولة التعاطي مع الإرادة الروسية من جهة والإرادة الفرنسية من جهة أخرى فوقعت في فخ التوازنات الدولية وصناعة النظام الدولي الجديد الذي أجاد الأمريكان دفعه رويدا رويدا كي يخرج من متعلقات النظام القديم أي نظام الحرب الباردة ويحيل القوى التي كانت كبرى في النظام الدولي القديم إلى قوى مستجدية لمساحات النفوذ سياسية كانت أم اقتصادية. أما الأزمات الكبرى والتي تعصف بأمة الإسلام كأزمة فلسطين وغيرها فلا أمل البتة في التعامل معها عبر النظم السياسية في بلاد المسلمين فقد شطب الاستقطاب الدولي قدرة هذه النظم على فرض أدنى مستوى من المطالب العادلة في تلك الأزمات. وكم من قضية عادلة في مشارق الأرض ومغاربها تضعضعت وتشظت وهي تعالج بين أيدي النظم السياسية من أزمة المسلمين في البوسنة إلى الشيشان إلى الصومال إلى الفلبين وغيرها.
§ التذبذب الشديد الذي ساد علاقة النظم بالحركات الإسلامية وذلك في أحسن وصف يمكن أن توصف به تلك العلاقة وإلا فالأصل هو الشك والصراع والعنف إلا في مواقع هامشية من الأمة من حيث الوزن الاستراتيجي كالكويت مثلا ومع ذلك فحتى هذا المثال لم يسلم من التذبذب والتجاذب، ولعل من أوضح الأمثلة على التذبذب في العلاقة بين الحركة الإسلامية والنظم السياسية هو نموذج اليمن والذي لعبت فيه الحركة الإسلامية متمثلة في حزب التجمع اليمني للإصلاح (إخوان مسلمون) دورا إصلاحيا حقيقيا عندما نزعت أسباب التوتر مرات كثيرة بينها وبين النظام السياسي ونزلت عند قواعد اللعبة السياسية الديموقراطية واعترفت بخطوط حمر للعلاقة مع النظام ومع ذلك ونتيجة لفقد الاستقلال الكامل للنظام السياسي فقد ظلت تلك العلاقة مرهونة بالضغوط الخارجية والاستفزاز الدولي الذي تخضع له الحركة الإسلامية ولم تفلح البيئة الداخلية في اليمن أن تشكل وضعا خاصا بها، ومع ما أضيف مؤخرا من استراتيجيات عالمية لدى حملة الصليب الأمريكي في حرب المسلمين تحت مسمى حرب الإرهاب فإنه بات من الصعوبة بمكان صمود تلك العلاقة في اليمن فما بالك بمواقع أخرى لا تحظى الحركات الإسلامية فيها بأي مستوى من التوازن الذي تحظى به في اليمن؟
§ إعراض الحركات الإسلامية الراشدة وفي مقدمتهم الإخوان المسلمون عن تكفير النظم السياسية أو نعتها بنعوت الكفر سواء كانت بوضعها المؤسسي أو بمسؤولي الحكم كأشخاص اعتمادا على جملة من الأسس والمعطيات كان من أهمها المعطى الشرعي الذي يتشدد كثيرا في تكفير المسلم ثم للمعطيات الأخرى والتي تعتبر امتدادا للحكم الشرعي وليست موازية له ومنها المفاسد التي تنجم عن التكفير والتعقيد الذي سينشأ عن التكفير داخل المجتمعات المسلمة والمترتبات التي ستترتب على التكفير واستفادة أعداء الأمة من الصراع الذي سينشأ عن ذلك، وقد تحملت الحركات الإسلامية الأذى الشديد الذي وقع عليها من النظم السياسية دون أن يدفعها ذلك إلى اللجوء للتكفير كأحد المخارج لدفع الأذى أو التخفيف منه عدا ما كان من بعض الجماعات المتشددة.
§ تبنت النظم السياسية العقائد والمقولات المستوردة من شرق وغرب وأدى ذلك إلى الوقوع الكامل في أحضانها كالشيوعية أو الشيوعية المعدلة عربيا كالبعثية التي وضعها ميشيل عفلق النصراني أو القومية العلمانية التي وضعها النصارى كانطون سعاده وغيره أيضا والمضي في تطبيق البرامج والسياسات المرتبطة بتلك العقائد وقد أدى ذلك بدوره إلى انهيارات اجتماعية وسياسية واقتصادية تجرع فيها المسلمون الهوان والذل ألوانا في المشرق والمغرب كتجربة الشيوعية في اليمن وتجربة الناصرية في مصر وتجربة البعثية في العراق وسوريا وتجربة الشيوعية في الصومال والخزعبلات التي تناثرت هنا وهناك كالكتاب الأخضر في ليبيا وتجربة عيدي أمين في أوغنده وتجربة سوكارنو وسوهارتو الجنرالين في إندونيسيا وغيرها.
§ سيطرة كل من المؤسسة العسكرية والمؤسسة الأمنية على النظم السياسية الحاكمة في العالم الإسلامي وكان واضحا بأن مربط الفرس هذا قد رتبته أصابع المستعمر وعليه بقيت هاتين المؤسستين حارستين للنظم السياسية ومصدرة لرجال الحكم بغض النظر عن المظهر السياسي العام للدولة المعنية سواء كان مظهرا ديمقراطيا أو مظهرا ملكيا أو جمهوريا فهي إنما كانت مجرد مسميات والأصل واحد وهو مرجعية النظام السياسي للمؤسستين العسكرية والأمنية وقد نتج عن الخلط الذي وقع فيه أبناء الأمة والاختلال في فهم حقيقة المعادلة التي تحكم نظم الحكم هو الخضوع لتجارب طويلة إما من محاولة التماهي مع تلك النظم والوصول إلى تحقيق الأهداف الكبرى للحركات الإسلامية عبر ذلك التماهي أو محاولة تغيير الحكم عبر التركيز على الرأس الذي يحكم وكلتا المحاولتين لم يكتب لهما النجاح لأنهما لم تدركا سر المؤسستين المرجع ولذا كان نجاح الشيخ حسن الترابي في السودان أمرا خارقا للعادة والسبب أنه نجح في اختراق دقيق وعلوي لتلك المؤسستين.
§ حازت الأقليات المتناقضة مع الأغلبية المسلمة السنية موقعا متقدما في نظم الحكم السياسي في كل مناطق العالم الإسلامي من نصيرية وعلوية ودرزية ونصرانية ويهودية وبوذية كالأقلية الصينية في ماليزيا، بل وسيطرت تلك الأقليات على نظم الحكم نفسها كما حصل للنصيرية التي استلمت الحكم بضوء أخضر من فرنسا وبقية القوى العالمية وإلا لم يكن ليتأتى لها ذلك في إحدى دول الطوق حول اليهود لو لم يكن النصارى مطمئنين إليها، وقد تمحورت سيطرة تلك الأقليات على مواقع السياسة والاقتصاد والتعليم والعسكر وهي سياسة استعمارية حرصت كل النظم السياسية في العالم الإسلامي على تطبيقها مما أعطى هذه الأقليات موقعا متقدما ومهيمنا في الأمة ومتناقضا بطبيعة الحال مع أي دعوة إصلاحية فيها.
§ وقعت الجماعات الإسلامية في تذبذب وخصام حول الرؤية والتعامل الذين ينبغي تبنيهما في التعامل مع الأقليات المذهبية المسلمة كالشيعة والإباضية بين من يرى ضرورة احتوائها واستثمارها في النهضة الإسلامية المعاصرة قدر المستطاع وعدم اعتبار الماضي حكما نهائيا على المستقبل وبين من لا يرى أي مجال للتعامل معها وأنها وقفت طوال التاريخ موقفا رافضا لأي نهضة سنية وأنه عند حدوث التحولات الكبرى فإنها غالبا ما تختار جانب العدو، مما أدى إلى حدوث شروخ كبيرة في ساحة التعامل مع هذه الأقليات وكان من نتائج ذلك الاختلاف في الاجتهاد حصول بعض الإيجابيات وتحقق كثير من السلبيات ومن أمثلة ذلك نجاح الإخوان المسلمون في اليمن باستيعاب الزيدية وهي فرقة من الشيعة لا ترى كثير مما يراه غلاة الشيعة حتى تمكن الإخوان من إلغاء كثير من الفروق بين الزيدية والسنة لصالح السنة نتيجة لتطبيق اجتهادهم بعدم التصادم مع الزيدية واستثمار القرب التاريخي المعاصر والذي مثله علماء من الطائفة الزيدية تسننوا وعملوا بالسنة كالإمام الشوكاني وغيره، وكان من نتائج اختلاف الاجتهاد السلبية هو إثارة الإباضية في عمان وهو موقعها الأساسي في العالم والمميز خاصة مع ورود الرؤية السلفية المعاصرة مما أدى إلى خروج مجتهدين معاصرين بينهم والتفاف جماهير الإباض حولهم ونبذهم للسنة يكاد يكون نبذا كليا· ويظل التحدي الأكبر في التعامل مع الشيعة الإمامية خاصة بعد نجاحهم في إقامة دولة لهم في إيران وتجديد ما اندثر من تاريخهم ودخول تلك الدولة في تحدي وصراع مع السنة ظاهر أحيانا وخفي أكثر الأحيان وتعلقهم بمبدأ نشر المذهب وإحياء دولة شيعية كبرى تمتد من باكستان إلى لبنان، وتبنيهم الظاهري لمقاومة اليهود وتدثرهم بالقضية الفلسطينية وعلى العموم دخولهم من أوسع الأبواب في صناعة الواقع السياسي للأمة خاصة في المنطقة العربية وما جاورها وبعد أن عمرت دولتهم ما يزيد على العقدين وبتجارب تستحق التأمل والتوقف في علاقتهم بالسنة في الداخل والخارج مما يقتضي من قادة المشروع الإسلامي التجديدي المعاصر أن يحددوا أسس التعامل مع هذه الأقلية وتخفيض حدة الأخطار إلى أقل مستوى ممكن وعدم السماح للكفرة باستخدام الشيعة لتعويق المد الإسلامي والاصطدام به.
§ لقد أدى الانغلاق والجمود السياسي في رأس النظم السياسية في العالم الإسلامي إلى إنغلاقات أخرى كثيرة في الواقع الاجتماعي والاقتصادي والتقني والتعليمي وغيرها وتمحور النظم على مواقع من النفوذ والهيمنة التي وصلت إلى حد تداول مصالح الأمة في الدول المختلفة بين عشرات أو مئات من المنتفعين المباشرين داخل تلك النظم السياسية وعليه فلم يمكن بأي حال من الأحوال أن تدور عمليات التنمية والإصلاح في كل أطرها خاصة الإطار الاقتصادي وللقارئ أن يعجب لماذا لم تنجح أي دولة إسلامية في اختراق أسواق العالم الاقتصادية بأي إنتاج متميز بينما هي تملك ثروات هائلة؟
§ وقد تبع ذلك بدء مرحلة التخلخل العام في الأوضاع السياسية والاجتماعية وبعضها انهار فعلا وبعضها آيل للانهيار والسقوط وكان من النظم التي انهارت نظام سوهارتو في إندونيسيا والنظام الشيوعي في اليمن ونظام سياد بري في الصومال ونظام نميري في السودان والنظام الشيوعي في الجزائر وسبقهم جميعا النظام المرقع في لبنان وعليه فجميع الأنظمة السياسية مرشحة للانهيار والتداعي نتيجة للانغلاق والجمود الذي يسودها وعدم تحكيم أولويات المصلحة العليا الحقيقية للمجتمعات المسلمة ونتيجة لليأس الذي يسود الشارع الإسلامي من أداء تلك النظم، وجدير بالملاحظة والتأمل في هذا السياق أن أشير إلى أن جميع النظم السياسية التي سقطت لم تخلف وراءها نظما متماسكة وقوية وهي أي النظم الوارثة غير قادرة ولا مؤهلة لمواصلة مشوار منع الأمة من التغيير الإسلامي الكلي.
§ أدى الاستقطاب الدولي وعدم الاستقلال في النظم السياسية في العالم الإسلامي إلى خضوع تلك الأنظمة لاتجاهات الريح في النظام الدولي والتبعية المطلقة لإملاءاته وعليه فقد كانت النظم السياسية في العالم الإسلامي أول المتأثرين بالفراغات التي نجمت عن سقوط الاتحاد السوفيتي كما أنها مرشحة للتجاذبات الدولية نتيجة لتشكل النظام الدولي الجديد وهي مرشحة لوقوعها تحت المشرط الأمريكي الذي لم يعد يقبل بما قام به المشرط الفرنسي والإنجليزي قبل حوالي قرن من الزمان وهذه الحقيقة هي من أهم الحقائق التي ينبغي أن تعرفها الأجيال فيما يخص مسؤولية النظم السياسية في العالم الإسلامي عن حالة التذبذب وفقدان الهوية التي تعانيها الأمة فبدلا من أن تعتني تلك النظم بموضوع الانتماء الطبيعي والتاريخي للأمة وهو الإسلام فإنها استوردت الفساد من شرق وغرب وبدلا من التوحد أمام الأخطار فإنها ارتضت حماية العدو الكافر وبدلا من الإصرار على التنمية كانت الثروات تذهب لجيوب فئة محدودة من المنتفعين.
§ اتضح بأن جاهزية مفردات النظم السياسية في العالم الإسلامي لإيقاف التغيير الإسلامي الكلي قد تضعضعت نتيجة لأسباب كثيرة منها شيخوخة تلك النظم ومستوى الوعي الذي تحقق في الأمة وكذلك عدم قدرة النظم على ممارسة ظلاميتها بعيدا عن أعين البشر كما كان في السابق ولعل مثال تونس وهو مثال متقدم في محاولة إحياء فاعلية النظم السياسية للقيام بمهمتها الموكلة لها والمتمثلة في إيقاف التغيير الإسلامي الكلي فقد اتضح من هذا المثال مستوى معاناة النظام في إدارة أزمته فقد انكشفت عوراته وبان أمام المراقبين في العالم بأنه ليس أكثر من نظام شرطي متخلف وعليه فكل الترقيعات الداخلية التي قام بها النظام للوقوف على قدميه أدت إلى نتائج عكسية.
§ واتضح بأن محاولات الكفرة لتغيير العقائد والفكر والقناعات وإيجاد أجيال من المتابعين لهم قد باءت بفشل ذريع وكامل وأن التجمعات التي تأثرت بالكفرة وتابعتهم تقبع في وضع محاصر داخل الأمة المسلمة و تضعف قدرتها على التحرك مع مرور الزمن ولا أدل من ذلك على ما يسمى بالنخب السياسية التي تتغطى بأوضاع حزبية وتحظى بدعم رسمي حكومي ومعلن وخفي كم تحظى بدعم قوى الكفر العالمي لا سيما النصارى الأمريكان وغيرهم، وقد أحسن الدعاة عندما تناسوا هذه التجمعات مؤخرا وخففوا الصراع معها إلى أدنى الدرجات وتركوها تموت بهدوء ففي أجندة الدعوة من المهام الكبرى ما يشغلها عن ترهات هؤلاء.
§ واتضح بأن مرحلة الحرب الباردة أتاحت للنظم السياسية بعض الاستقلال المحدود والذي استطاعت من خلاله بعض النظم من أن تشكل لها رؤية وطنية أو وضعا خاصا وفي ظل ذلك الوضع تنفس العمل الإسلامي وتمكن من استثمار الفرصة والدفع بمسار الدعوة الإسلامية على المستوى المحلي كما تمكنت الجماعات التي لديها أجندة عالمية من استثمار الوضع للمساهمة في صناعة واقع إقليمي وعالمي للدعوة الإسلامية كما وأن تلك النظم السياسية وفي سبيل تحسين صورتها أمام الأمة سعت لبعض التطبيقات الإسلامية أو تسويق أجواء إسلامية أفادت بدورها المد الإسلامي على المستوى المحلي والعالمي وقد أثار هذا البعد حفيظة الصليبيين واليهود على وجه الخصوص فضمنوا بنود الهيمنة العالمية التي ينشدون تغييرات سياسية تتوجه بالتغيير والتبديل نحو بعض من تلك النظم وذلك حتى يضيقوا على الدعوة الإسلامية المساحات التي توفرت لها في ظل النظام القديم.
§ إن الاختلاط وعدم الانسجام في اطروحات الجماعات الإسلامية تجاه التعامل السياسي بالنظم السياسية القائمة في كل قطر أو بلد إسلامي وتفرق تلك الاطروحات بين من يرى المقاومة ومن يرى الذوبان والتماهي أدى إلى إرباك الأداء الإسلامي السياسي الداخلي وتأخير استثمار طاقات المسلمين لصالح التغيير الإسلامي المنشود مما يقتضي بذل الجهود الكافية لإحداث التوازن والتكامل والرؤية الدقيقة.
§ إن التطورات العالمية وسعي الأمريكيون للهيمنة يلقي بظلال خاصة على النظم السياسية في العالم الإسلامي وذلك للارتباطات الخاصة والاختراق الأمريكي لتلك النظم مما يجعل مستقبل النظم في التعامل مع الجماعات الإسلامية مرتبط بالأجندة الأمريكية ومرشح في العموم للمواجهة والفتك بالنشاط الإسلامي وهذا يقتضي بدوره تطويرا للتعامل مع هذه النظم واستثمارا للتطور داخل وخارج الأمة.
§ تبين بعد تطاول الزمن في تعامل الجماعات الإسلامية مع الحكومات في العالم الإسلامي ومحاولات التأثير والتغيير بأن المصادمة مع تلك الحكومات في ظل الإسناد الخارجي من أنظمة الكفر تحفه مخاطر كثيرة من أهمها الإمكانية الكبيرة للتعدي على دماء المسلمين واقتتالهم فيما بينهم خاصة وأن التحاق أبناء المسلمين بالنظم الأمنية والعسكرية الموكل لها إيقاف التغيير الإسلامي إنما تم بناء على طلب العيش والارتزاق فإذا اصطدم المتبنون للتغيير الإسلامي مع النظام الحاكم فإنهم سيواجهون إخوانهم الذين لا يملكون في الغالب إلا التجاوب مع الأوامر العسكرية فتسيل دماء المسلمين غزيرة كما حصل في سوريا والجزائر وتونس وغيرها وللخروج من هذه العقدة سلك أغلب الإسلاميين طريق الصبر والتأني والعمل على تغيير العقول والنفوس حتى يأذن الله بالتغيير وهاهي رياح التغيير قد أتت من خلال الانكسار في النظام الدولي والتصادم الذي نشأ عن ذلك الانكسار والذي هو مرشح للازدياد كما أنه مرشح لإحداث تحولات إيجابية داخل تلك النظم في العالم الإسلامي وهو ما ينبغي رصده والتعامل معه بسرعة.
§ ومن أهم التحديات في علاقة الجماعات الإسلامية بمسألة التغيير هو إشكالية علاقة مفهوم الدولة بمفهوم الجهاد وإصرار أغلب الدعاة على الوصول إلى رأس النظام السياسي أي الدولة دون التفكير في المراحل التي تسبق ذلك والتي هي أهم من الوصول وعلى رأسها ممارسة الجهاد بمراحله وتحولاته الكثيرة ودور ذلك الجهاد في صياغة الأمة وصياغة الأمم من حولها وصولا للتويج السياسي الذي إنما يكون إحدى ثمرات الجهاد وليس هو الثمرة الوحيدة وبناء على ذلك التفكير المحدود فقد صيغ الفكر الإسلامي المعاصر للمسلمين على التطلع للنتائج دون الاستعداد لبذل متطلبات تلك النتائج وبغض النظر عن الجهد والوقت اللازمين للوصول إلى تلك النتائج.