·            خامسا: تحديات الواقع السياسي العالمي

 

إن ملامسة المشروع الإسلامي للدائرة العالمية جاء لأسباب كثيرة من أهمها طبيعة الدين العالمي الذي يحمله المشروع إذ أن العالمية سمة واضحة من سمات الإسلام ثم للتدرج في البناء الذي مارسه قادة المشروع الإسلامي حيث ترعرعت الدعوة الإسلامية بادئ الأمر في بلاد المسلمين التقليدية ثم انداحت في العالم وكذلك خضوع المشروع للاختبارات القاسية التي نقلته للعالمية وهي الاختبارات الجهادية والتي جعلت أخبار الأمم تتراجع أمام الدور والحراك السياسي والجهادي الذي تخوضه أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

 

ويمكن رؤية التحديات التي تواجه المشروع الإسلامي على نطاق الواقع السياسي العالمي كما يلي:

§       الإحباط الذي يسود قادة المشروع الإسلامي المفترضين نتيجة لمشاهدتهم التباين الشديد والفرق الهائل على المستوى العملي بين المشروع الإسلامي والمشاريع الكفرية العالمية كالمشروع الأمريكي والمشروع اليهودي والمشروع الاوروبي والمشروع الصيني وغيرها من المشاريع خاصة من ناحية الفرق في الأركان التي تعتمد عليها المشاريع العالمية عادة وهي النظرية الرئيسة وما يخدمها من نظريات مساندة للمشروع والتجديد الذي ينبغي أن يتوافر لتلك النظرية كي تتمكن من ملاحقة التطورات العالمية والتعامل معها، ثم القيادة العالمية التي تتقدم المشروع سواء بأفرادها أو بمؤسساتها ثم خارطة المشروع المتماسكة على الأرض بأولويات العمل فيها وبتحديد علائق الأجزاء فيها ودرجة سخونة كل جزء إلى غير ذلك من التفاصيل، والمتأمل في واقع المسلمين وتاريخهم المعاصر يجد بأن تلك المعطيات لم تتلاشى بالكلية من واقع المسلمين بل هي موجودة وقد خدمت خلال القرن العشرين خدمة متقدمة في بعديها العلمي والعملي ولكنها بحاجة إلى انتفاضة قيادية تزيل الران الذي هيمن على العقول والنفوس خاصة في ظل المبادرة الأمريكية التي عزمت على صياغة العالم وفق متطلباتها كما يتوجب في ظل تلك الانتفاضة البحث عن الأجزاء المفقودة في أركان المشروع الإسلامي العلمية منها والبشرية والجغرافية وإعادة تركيب الصورة من جديد.

§       يمثل التناقض الظاهري بين الدعوة والجهاد في تعامل المسلمين المعاصر مع الأمم الأخرى أحد أهم المعوقات في الفهم والتعاطي مع المشروع الإسلامي مما يحتاج معه إلى إزالة هذا التناقض وحماية المشروع منه حسب القواعد الشرعية الواردة في هذا المجال والتي تمزج المفهومين مزجا ربانيا لا يؤدي إلى تعويق مفهوم للآخر ويفتح أبواب الدنيا للمشروع كما فتحها من قبل مرات ومرات.

§       لقد مثل الموقف من النصارى في تاريخ المسلمين المعاصر أخطر عقدة في فهم المسلمين وتعاملهم مع ما يسمى بالنظام الدولي فقد خطط النصارى وعلى رأسهم الانجليز وورثهم الأمريكان لغزوتهم الصليبية المعاصرة لبلاد المسلمين بمكر سبقوا فيه أجدادهم الذين اضطروا للانسحاب بعد أقل من قرن في شام الجهاد، وعليه فيمكننا رؤية الأحداث كما يلي:

1.   كثرة الوعود التي أعطاها الانجليز للعرب بإمكانية منحهم حريتهم واستقلالهم حتى دخل العرب في هذا الإطار وصدقوا الوعود.

2.  الإنكسار الذي ترتب على ذلك بافتراق العرب عن الأتراك وبدء الروح العروبية الشديدة البعيدة عن الدين على يد النصارى العرب ولا ننسى أن نشير إلى الدور البغيض الذي لعبه العلمانيون والماسونيون في الجانب التركي من دفع الكره بين العرب والأتراك وذلك بدفع الممارسات السيئة ضد العرب قدما.

3.   أظهر الإنجليز عدم رضاهم الشكلي عن هجرة اليهود لفلسطين.

4.  نقل النصارى القضية إلى أروقة المؤسسات الدولية عصبة الأمم ثم الأمم المتحدة وهم السادة في تلك الأروقة فتم لهم ما أرادوا والعرب ينتظرون الفتح من تلك الأمم حتى صدرت القرارات التي تعطي اليهود الحق في فلسطين.

5.   صمم الإنجليز الخارطة العربية بدهاء كبير يضمن الصراع بين العرب ويضمن أمن اليهود.

6.   صمم الإنجليز بالتضامن مع الفرنسيين أنظمة الحكم العربية وجيوشها وأجهزة أمنها.

7.   تظاهر الإنجليز أنهم ينهون انتدابهم على فلسطين دون مسؤولية عما يحدث بعد ذلك.

8.  ترك النصارى مسؤولية الهيمنة والسيطرة على المقدسات على ظهور اليهود فتخلصوا من أهم عقدة ظلت تطاردهم وتخيفهم من المسلمين فضربوا بذلك عصافير كثيرة كان من أهمها هو إبقاء العرب في عقدة اليهود وعدم القدرة على رؤية الدور النصراني الذي لا يقل خطورة بل يزيد.

9.  ضمن النصارى في كل الدنيا متضامنين من استراليا إلى النرويج أمن اليهود في فلسطين بالإضافة إلى ترتيب أوضاع دول الطوق ومع هذه المعادلة الدقيقة المتينة والعرب يحلمون بضرب اليهود فلا يصلون إليهم.

 

وبناء على ذلك وبما أن النصارى يتحكمون في النظام الدولي وقع العرب في فراغ شديد ولولا أن الله أذن بانكسار النظام الدولي ثم أذن بخروج المجاهدين المبدعين كحماس لبقي العرب في أعشاشهم لا يحركون ساكنا فهل انتهت العقدة؟ الجواب: لا، فهي فلا تزال مستمرة حتى يعزم المسلمون على توجيه الحربة بشكل صحيح للنصارى الصليبيين الذين سيبقى الجهاد ضدهم قائما إلى قيام الساعة وإن تقطعت أوصال ذلك الجهاد أحيانا، ومن أعجب ما وقع فيه المسلمون هو غفلتهم عن المعادلة النصرانية في العالم ففي تاريخ نبيهم صلى الله عليه وسلم توجيه واضح عملي ونظري لبوصلة الجهاد ضد النصارى، وفي تاريخهم بعد ذلك حرب سجال ضد النصارى حتى أن الدولة العثمانية لم تتفرغ إلا لمواجهة النصارى طوال تاريخها كله، وفي الوضع الاستراتيجي العالمي حاليا ما يوضح بجلاء دور النصارى فإنهم يقودون الفتنة والبلاء ضد المسلمين في كل مكان.

 

§       إن انفتاح البشرية والأمم على بعضها البعض خلال النصف الثاني من القرن العشرين قد مثل بلا ريب فرصة تاريخية للدعوة الإسلامية وقد كان من نتائج تلك الفرصة هو بلوغ الدعوة الإسلامية مواقع لم تبلغها من قبل وفي عقر ديار الكفر كأوروبا والأمريكيتين وإن كان وضع الدعوة في أمريكيا الجنوبية لا يزال متواضعا، ومع محاولات قادة النصارى أن يحدوا من هذا التأثير من خلال تبديل الاستراتيجيات واعتبار الدعوة الإسلامية تحديا هائلا لهم لكن فرصة التواصل العالمي لا تزال قائمة ولدى المسلمين من قوة هذا الدين ومتانته وتأثيره ما يمكنهم من اختراق الأمم إذا أحسنوا الأداء ومع الفشل الشنيع الذي تعاني منه مناهج البشر في شرق وغرب فإن أهم تحد للمسلمين في علاقاتهم مع بقية الأمم هو التحدي الدعوي والذي سوف يتيح لهم في حال تعاملوا معه بما يتناسب ومتطلبات الخطاب الدعوي أن يخففوا من الضغوط التي يقودها الصليبيون الجدد في الأرض.

§       إن التحدي الذي يفرضه الأمريكيون على المسلمين يمكن تحويله من إطار البلاء والأزمة إلى إطار المنحة والفرصة وعلى مستويات عدة ولعل أخطر ما في هذه الفرصة هو إمكانية التعامل الجهادي مع الوجود الأمريكي العسكري في بلاد المسلمين ثم التعامل السياسي العالمي برفض الهيمنة الأمريكية والتلاقي مع بقية الشعوب في رفضها وفي الضغط الجهادي على اليهود لرفع كلفة الرعاية الأمريكية لهذه الدولة المسخ.

§        إن من أهم ما يشتت انتباه المسلمين في تعاملهم مع الأجندة العالمية وتطورات الوضع العالمي هو غياب أجندتهم العالمية وخطابهم العالمي المفهوم لدى شعوب المسلمين على اختلاف لغاتهم ومواقعهم مما يشكل ضغطا على المشروع الإسلامي ويفقده خاصية مواتية.

§        إن استثمار التمزق والتناقض النسبي والذي هو آخذ بالتفاقم بين المشاريع الكفرية العالمية يتيح بلا شك فرصا لحركة المشروع الإسلامي العالمية وهي مسألة بحاجة إلى دراسة متأنية لتحديد السياسات العامة للتعامل مع ذلك التناقض واستثماره لصالح المشروع الإسلامي. ولكن هذه المساحات لا ينبغي التعويل عليها كثيرا في الصورة الكلية لحركة المشروع ولعل أبلغ تناقض يمكن أن نتذكره كمثال نموذجي وهو في نفس الوقت لم يوفر فرصة حقيقة ومباشرة هو التناقض الذي تفجر بين أعضاء حلف الناتو إبان الهجمة الأمريكية الأخيرة على العراق خاصة الخلاف بين فرنسا وأمريكا فقد اتضح بأن الخلاف إنما يتركز حول خوف فرنسا من استفراد أمريكا بالقرار العالمي وأن تؤدي العنجهية الأمريكية إلى تعقيد الوضع العالمي أمام النصارى والذين يكادون  يمثلون وحدهم المرجعية النهائية للعالم ويستثمرون تاريخهم المعاصر لتكريس هذه الهيمنة وعليه فالموقف لا علاقة لـه البتة بإمكانية ولوج المسلمين من خلال هذا الخلاف لتحقيق اختراق حقيقي في الموقف النصراني العالمي، وعليه فلم يلبث الفرنسيون أن بدأوا يبحثون عن نقاط التلاقي مجددا مع الأمريكان ويبحثون لهم عن مساحات من غنائم العراق التي يمكن أن تتركها أمريكا لهم.

§       إن الظلم الذي يقع على الأمة المسلمة خاصة وعلى بقية الأمم والذي تخصصت فيه بعض أمم الكفر خاصة الأمريكيون يمكن أن يستثمر لصالح الدعوة ونشر الحق والالتقاء مع المنصفين في تلك الأمم وفضح ممارسات المفسدين وفي هذا السبيل ينبغي للمسلمين أن يستثمروا الأداء الإنساني المشترك والأطروحات والوسائل التي تمكن البشر أن يطوروها خلال النصف الثاني من القرن العشرين بل إن علماء الأمة مطالبون بتطوير تلك الأطروحات والوسائل بإضافات اجتهادية تتناسب وسعة الإسلام وإنصافه، ولعلي أذكر بأن من أهم العوامل التي ساعدت على انتشار الشيوعية في بداية القرن العشرين ونصفه الثاني إنما هو ممارسة الجبروت من قبل النظم الاستعمارية النصرانية مع ما في الشيوعية من فساد وضياع فكيف بالبلسم الشافي لأدواء الأمم؟

§        يتضح من خلال مسيرة الاعتداءات المادية لبعض أمم الكفر على المسلمين خلال القرن العشرين والتي ارتفعت وتيرتها مع افتتاح القرن الميلادي الجديد يتضح بأنه ما لم يعتمد المسلمون استراتيجية واضحة ودقيقة في مقاومة هذا الغزو والاعتداء وإلا فإن قرنهم الخامس عشر الهجري مرشح لكي يكون قصة دامية وذليلة أخرى لأمتهم.

§       إن التماس الجغرافي والسكاني الواسع للأمة المسلمة مع بقية الأمم في العالم سواء بوضع بلاد المسلمين التاريخي أو بالمهاجرين من المسلمين بلاد الأمم الأخرى يمثل فرصة تاريخية لتحقيق انتشار جديد بين الأمم.

§        إن ضعف الآليات والمؤسسات الشعبية والمستقلة في علاقاتها الخارجية بغير المسلمين وترك التواصل للأجهزة الرسمية وحدها قد حد من الإمكانيات التي تتوافر للشعوب المسلمة واستثمارها لصالح الدعوة والتفاعل مع الشعوب مما يقتضي تطويرا وتحريكا لتلك المؤسسات ورموز العمل الشعبي لكي تعطي الصورة الحقيقية للأمة المسلمة.

§       ولعل من أخطر التحديات العالمية التي تواجه المشروع الإسلامي محدودية العمل على استخلاص النظرية العملية التي تحكم الصراع مع اليهود والموضع الذي ينبغي أن تحوزه مسألة فلسطين في قائمة المشروع، وإذا تجاوزنا المعطيات العاطفية والنظرية التي يتعامل بها قادة المشروع الإسلامي مع القضية الفلسطينية فسنجد بأن أهم تطور حصل في هذه القضية هو الدفع الجهادي المبارك لها والنقلة الربانية التي منحها الله للمجاهدين في فلسطين أما ما عدا ذلك فقد ظلت القضية بلا موقع محدد لها في المشروع من حيث علاقتها بالمستجدات في النظام العالمي ولا من حيث استثمارها للدفع بالمشروع الإسلامي، خاصة مع وصول التهديد الذي يتعرض لـه المسجد الأقصى إلى أقصى درجات التهديد بالهدم والإزالة ولعل غلق القضية على الشعب الفلسطيني يجعل الضغوط تتزايد على قادة الجهاد الفلسطيني لكي يتعاملوا وفق الأجندة الوطنية الفلسطينية وحدها وهذا يهدد المسار الجهادي أيما تهديد ويفقد المشروع الإسلامي صاعقه المتفجر.

§        لقد سيطر على عقلية الدعاة والمسلمين من بعدهم في عصرنا الحاضر ضرورة الوصول إلى صورة الدولة المسلمة والمتسقة مع النظام الدولي والمؤدية لدورها في ذلك النظام وقد أدت هذه الصورة إلى اختزال ونسيان كثير من الحقائق المتعلقة بمعطيات هذا الدين وكذلك بطبيعة النظام الدولي المتشكل والتحولات التي تحكمه، ومما أسهم في تعميق تلك الصورة هو طول الأمد بالمسلمين وهم يحكمون بضم الياء وفتح الكاف بنظام الكفر العالمي من شرق وغرب حتى أصبح هذا الوضع هو الأصل لديهم على ظهر الأرض بغض النظر عن معطيات الدين الذي يدينون به وعليه فإن أقصى ما يتوقون إليه هو مفحص قطاة أو بعض مفاحص القطا بين عمالقة الكفر، ونتيجة لهذه النظرة وتلك الصورة فقد أصاب المسلمين اليأس والقنوط الشديد من نتائج الجهاد في أفغانستان والذي استمر طوال عقد الثمانينيات وجزء من التسعينيات فلما لم يتمكن المجاهدون من إقامة الصورة المثلى التي يتطلع لها المسلمون وهي دولة مسلمة مطبقة للشرع في أفغانستان إذا بهم يتشككون في نتائج الجهاد ومعطياته ذلك أنهم لم ينتبهوا للحقيقة السنية وهي أن من أهم مهام الجهاد هو هدم الكفر القائم في الأرض وهو ما قام به الجهاد في أفغانستان خير قيام بهدمه للاتحاد السوفييتي الملحد، حتى إذا تكاملت مهمة الجهاد وهي الهدم وتحقق وعد الله بكون الدين كله لله أمكن للمجاهدين حينئذ أن يتفرغوا جزئيا لبناء الدولة والاستقرار في الأرض أما قبل ذلك فإن سطوة الكفر القائمة لا تتيح للمجاهدين الهدوء والكسل فضلا أن تتيح لهم بناء دولة مسلمة بل لا بد وأن تسعى لهدم ما بنوا فإذا لم يستمروا في توسيع دائرة الجهاد ونقل الأمة إلى آفاقه فإن دول الكفر والنظام الدولي سرعان ما سينقض عليهم ممرغا أنوفهم في التراب فكيف إذا اجتمع عليهم بالإضافة إلى ذلك تنازعهم وتفرقهم مدارس وجماعات وشيعا وقفزت الدنيا إلى أحضانهم متلونة خضرة؟؟؟ فإنها الطامة وذهاب الريح أي القوة. ولعل متأمل يتأمل ومتسائل يتساءل: لماذا لم يتمكن المسلمون -مع سعيهم الدؤوب لذلك- من أن يتخلصوا من آثار جهاد الأفغان في الدنيا كلها؟ فلا تزال آثاره تلاحقهم وتؤرقهم؟ ذلك أن المهمة لم تنته بعد وهي غير قاصرة على شعب دون بقية شعوب المسلمين فالعدوى مستمرة ومتسعة وطوبى لمن فهم وأفاق واستعد· وإن ما أوضحته سابقا لينطبق أشد الانطباق على تجربة المسلمين المعاصرة في السودان فهذه الدولة قد وقعت في هذه الإشكالية فتأمل· ولا يعني هذا الطرح أن يزهد المسلمون في هدف تكوين الدول المسلمة ويسعوا لها فهذا هدف من أهداف الجهاد بل شك ولكن لا ينبغي أن يكتفوا بهذا الإنجاز فإنه في أجندة المشروع الإسلامي جزء من قائمة عريضة. ولنا فيه صلى الله عليه وسلم قدوة وأسوة حسنة فإنه -ومع تحقيق هدف الدولة المسلمة- في المدينة ثم في مكة لم يتوقف عند تلك النتيجة ولم يرض بها وحاشاه صلى الله عليه وسلم وإنما سعى لتوسيع الدائرة والانتقال بالمسلمين من مستوى إلى مستوى حتى بلغ المستوى العالمي عندما استفز صلى الله عليه وسلم أعتى دول الكفر والنظام العالمي حينئذ وهم الروم فعقد لواء تبوك ولم يكتف بذلك ثم عقد لواء مؤتة ولم يوسد رأسه الشريفة صلى الله عليه وسلم الثرى إلا ولواء أسامة بن زيد معقود فتأمل.

§       إن الخداع والوهم الكبير الذي وقع فيه المسلمون في عصرنا هذا تجاه النظام الدولي ومفرداته وتجاه المؤسسات النصرانية الحاكمة لتشكل أحد أخطر الانكسارات في العقلية المسلمة وقد أسهمت مرحلة الحرب الباردة في تكريس هذا الخداع والذي ملخصه هو قيام أمم الكفر على العدل والإنصاف ورغبة حقيقية لديهم في تحقيق وتكريس السلم في العالم من خلال الأمم المتحدة ومرجعية القانون والعمل على نشر وتكريس الديمقراطية والتنمية الاقتصادية العادلة في العالم وكان من ضمن ما خدع به المسلمون هو إمكانية مضي الدعوة الإسلامية في مجتمعات الكفر النصراني بسلاسة وهدوء وأنه يمكن الاعتماد على عدل النصارى وتسامحهم في الدفع بالدعوة الإسلامية في أوساط أممهم سواء في استراليا ونيوزلنده شرقا أو أوروبا والأمريكتين غربا، ولما حدثت الصدمة الكبرى ورأى المسلمون بأم أعينهم كيف تتبدل القوانين بين عشية وضحاها وكيف يصادر الحجاب في مدارس وجامعات فرنسا ظلوا يرددون بأن ذلك إنما من فعل المتطرفين ومع الإقرار بوجود بعض المنصفين في مجتمعات النصارى لكن أين تمضي المحصلة الكبرى لهذه المسيرة وأين حقوق المسلمين وحرياتهم في النظام الدولي وأين الأمل الذي راود كثير من مسلمي بريطانيا قبل استلام توني بلير العمالي مقاليد الحكم في تلك البلاد وأين وصل ذلك المجرم في تحقيق العدل والإنصاف والديموقراطية للمسلمين؟ وكيف تحولت أمريكا التي كانت مشرعة الأبواب للدعوة الإسلامية إلى قلعة حصينة منغلقة للنصرانية واليهودية؟ وهذا لا يعني أن لا يمضي المسلمون في دفع مسار الدعوة في تلك المجتمعات لكن الأمل الخادع في النصارى ينبغي أن يتوقف دون توقف الدعوة وبلوغها الآفاق. فإن قادة النصارى يتحركون وفق ثوابت مستمدة من دينهم وعقيدتهم في المقام الأول ولا يبدل هذه الثوابت تغير الرؤساء والأحزاب كما هو الحال عند اليهود والهندوس والبوذ وغيرهم من ملل الكفر.

§        إن من آثار النظام الدولي على المسلمين هو تشكل حالة نفسية في علاقتهم بذلك النظام فهم يشعرون بالمسؤولية والمشاركة فيه وأنهم جزء منه ثم إنهم لا ينفكون يأملون في الاستفادة من أوضاع ذلك النظام مع العلم بأنه وبناء على ما يزيد على نصف القرن بقي المسلمون خارج النظام  فهم لا ناقة لهم فيه ولا جمل إلا أن تقع عليهم تبعات الحراك الدولي وآثاره السيئة دائما، ومع ذلك فهم يرتبون على أنفسهم الاستجابة والتفاعل الإيجابي مع معطيات النظام وتحولاته ويترقبون يوما بعد يوم أن يعمل ذلك النظام لصالح قضاياهم فيكون من أثر تلك الحالة النفسية على الشعوب والحركات الإسلامية هو تراجعها عن القيام بمهمات الضغط والمقاومة لاتجاهات النظام الدولي الذي تحكمه عصابات النصارى وإذا كان للحكومات عذرها من حيث خضوعها واستجابتها لإملاءات النظام الدولي بحكم تبعيتها الكاملة لــه فلماذا تقيد الشعوب والحركات الإسلامية نفسها بما لا ينبغي التقيد به؟ وإن كان هذا الحال قد بدأ في التحول التدريجي نتيجة للعنجهية الأمريكية وإدراك الشعوب أن الحكومات لا يمكن التعويل عليها في تحصيل الحقوق.

§        إن الخداع الذي يمارسه قادة الكفر من خلال التلاعب بالمصطلحات ليمثل تحديا كبيرا في فهم المسلمين لأسس العلاقات الدولية ولعل أكبر تطوير أدخله أساطين الكفر وقادته في هذا المجال هو وصم المجاهدين بالإرهاب وتحت تلك المظلة يشن القادة الصليبيون الجدد حربهم الشرسة والتفصيلية والعالمية على المسلمين عقيدة وشعوبا ومقدرات وهم يهدفون إلى إنجاز الحرب الصليبية الجديدة دون أن يستثيروا شعوب المسلمين حتى لا يدخلوا في المواجهة ويترك المجاهدون بلا سند من الأمة في الميدان وهذا يحتاج إلى خطة معاكسة في المجال الفكري والإعلامي والسياسي ثم الجهادي تهدف إلى تشتيت الحملة  الأمريكية الصليبية بل واستثمارها لإدخال مفهوم الجهاد وتطبيقاته في كل بيت مسلم على وجه الأرض.

§       إن التحول الذي تم في النظام الدولي والذي تقوده أمريكا واعتماد هذا النظام على ركائز مستجدة من أهمها حرب المسلمين واتخاذ أراضيهم وبلادهم المتنفس الرئيسي لتطبيق الهيمنة العالمية لأمريكا لتوجب على قادة المشروع الإسلامي رسم الأبعاد التي سوف يتعاملون بها مع هذا التحول.

§        ويعتبر حادث 11 سبتمبر من عام 2001 من أهم المحطات التي يتوقف عندها الناس ويفصلوا بينها وبين ما جرى بعدها من تحولات في النظام الدولي ويحملوا المسلمين تبعات ذلك التحول وهذا من البهتان والزور بمكان فإنه وبغض النظر عن مدى ثبوت مسؤولية فئة من المسلمين عن الحادث ومدى حلة أو حرمة ذلك فإن كل الدلائل تشير وبوضوح إلى أن أمريكا لم تكن بحاجة إلى 11 سبتمبر لكي تمضي في استراتيجيتها وتكوين الإمبراطورية العالمية الجديدة فقد تم الانتهاء من وضع تلك الاستراتيجية في نهاية عقد الثمانينيات وتم تدشينها بحرب الخليج المزورة الثانية عام 1991 ثم مضت أمريكا طوال عقد التسعينيات تعدل وتضيف على استراتيجيتها وتطبق مساراتها وتستثمر قضايا المسلمين أيما استغلال مثلما استغلت قضية البوسنة والهرسك لتركيع أوروبا وفرض إرادتها عليها وعلى العالم ثم ألقت بمسلمي البوسنة بعد أن انتهى دورهم في سلة القمامة وهكذا فعلت بالقضية الشيشانية، وكذا فعلت بالقضية الجزائرية متعاونة مع الفلول الجزائرية الفرنسية حتى لا يفكر المسلمون أبدا بالتقدم نحو حكم أنفسهم بأنفسهم، وقد كان التهديد الذي نفذته أمريكا تجاه أفغانستان وتجاه العراق وتجاه الحركات الإسلامية خاصة الجهادية منها قد تبلور في نفس عقد التسعينيات أي قبل 11سبتمبر وإنما تم تنفيذه بعد 11 سبتمبر أما الهجوم على الحركات الإسلامية في العالم وتجفيف منابعها فإنه بدأ مباشرة بعد انتهاء الجهاد في أفغانستان واستخدم لذلك التجفيف كل أجهزة الأمن والسياسة والأحزاب العلمانية واليسارية التي تحولت إلى الأمريكية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي مباشرة وعمل الجميع في إندونيسيا كما في مصر والأردن ودول الخليج وغيرها اعتمادا على نفس المرجع والمسطرة. وقد كنت أنوي أن أجعل لـ 11 سبتمبر فصلا مستقلا ولكني وبعد طول تأمل استيقنت أن الأمر لا يستأهل ذلك إذ أن المسارات السياسية والإعلامية العالمية والتي تم بموجبها معالجة موضوع 11 سبتمبر لا تدع مجالا إلا لأمرين أحلاهما مر فإما أن يسلم المسلمون (العقلاء والمعتدلون!) بحق أمريكا في الدفاع عن نفسها وأنها لم تصمم الإمبراطورية العالمية إلا في ضوء معطيات 11 سبتمبر وفي هذا من الكذب والدجل ما فيه وإما أن يميلوا (بحكم ضيق عقلياتهم وإرهابيتهم!) إلى التعاطف مع بن لادن فيصنفوا كإرهابيين وتنتهي القصة عند هذا الحد وهكذا تم تصميم الرسالة الإعلامية والنفسية وفي معرض المناقشة السريعة للمسألة يمكن أن نكتفي باستعراض احتمالات تقدير الجهة المنفذة للحادث حتى تتبين لنا حدود التعاطي في فهم القضية.

إن الاحتمالات للمسؤولية عن الحادث تتجه إلى أربع احتمالات: أما الاحتمال الأول فهو أن يكون لجماعة القاعدة المسؤولية الكاملة والنهائية تجاه الحادث تخطيطا وتنفيذا، والاحتمال الثاني: أن يكون لجماعة القاعدة نسبة غالبة في التخطيط والتنفيذ تزيد على 70% وأن يكون لأجهزة الاستخبارات الرئيسة في العالم كا لسي أي أيه والموساد الإسرائيلي بقية النسبة تسهيلا وغضا للطرف، وأما الاحتمال الثالث: فهو أن يكون للأجهزة الاستخبارية المذكورة آنفا نصيب الأسد في التخطيط والتنفيذ ولكن تم استخدام جماعة القاعدة من وراء ستار لتنفيذ المهمة غيلة وخديعة لزيادة الاستثمار للحدث، وأما الاحتمال الرابع والأخير: هو أن تكون الأجهزة الاستخباراتية المذكورة قد استفردت 100% بالتخطيط والتنفيذ للحدث وألصقته بجماعة القاعدة. ومن خلال استعراض الاحتمالات الأربعة يتبين أن إمكانية استفراد جماعة القاعدة بالتنفيذ هو احتمال واحد مقابل ثلاث احتمالات لتدخل الأجهزة الأمنية الغربية بصناعته وهذا ليس بجديد عليها فقد صنعت أمثاله كموضوع غزو الكويت عام 1990م وعليه وفي ضوء عدم ثبات البراهين الساطعة على ذلك فليس للمسلمين إلا أن يركزوا على أفعال أمريكا لا على أقوالها وأن ينظروا للمستقبل والتعامل مع الصراع الذي تفرضه أمريكا على ساحات المسلمين لا أن يتجمدوا عند 11 سبتمبر.