·   سادسا: تحديات الواقع الاقتصادي

 

إن الواقع الاقتصادي في العالم الإسلامي وكذا في العالم أجمع إنما هو أحد أهم إفرازات الوضع السياسي العالمي وتأثيراته على الوضع المحلي في دول العالم ونتيجة للنمطية السائدة في النظام السياسي العالمي والنابعة من أثر الصراع العقائدي والآيدلوجي فإن تلك النمطية منسحبة على الأوضاع الاقتصادية في واقع المسلمين في كل مكان على الأرض ولعل من أهم النتائج المتعلقة بهذه الحقيقة هو استحالة عزل وعلاج الأوضاع الاقتصادية بعيدا وبمعزل عن الأوضاع السياسية، وللوصول إلى مقاربة في تصور التحديات في مجال الأوضاع الاقتصادية ومآلاتها وفق الرؤية الإسلامية المتعلقة بالمشروع الإسلامي أعرض النقاط التالية:

§       يعتبر التحدي المتمثل في ما اصطلح عليه بالعولمة أحد أهم أبرز أشكال التحدي المستجدة والمتطورة من أصل سابق وهو هيمنة الغرب المسيحي على الشرق بما فيه الشرق المسلم، ومع ما في العولمة من تحدي ثقافي وعقدي فإن نصفه الآخر هو تحد اقتصادي ولعل أهم سمات هذا التحدي تكمن في ما يلي:

1.  السيطرة على أسواق العالم من خلال فرض السلع المتمتعة بالحماية والاعتراف الغربي خاصة الأمريكية منها ثم الأوروبية ومنع الدول الأخرى من الإنتاج الاقتصادي والإبداع والتطوير بدعوى منع التقليد وبذلك لا تجد السلع الغربية أية منافسة فتفرض أسعارها عل العالم.

2.  تقييد الدول بالاتفاقيات الاقتصادية والتي صممت لصالح الغرب المسيحي وفي حال مخالفتها فإن أمريكا جاهزة لاستخدام كل ما أوتيت من قوة لإيقاف تلك المخالفات.

3.  استخدام التفوق المسيحي المتفوق سياسيا وعسكريا واقتصاديا خاصة الأمريكي لفرض الأسعار المتدنية والمناسبة للغرب للمواد الخام المنتجة في دول المشرق كالبترول وغيرها من المواد في مجال الزراعة والإنتاج الحيواني وذلك من خلال الهيمنة السياسية على نظم الحكم كما هو الحال في دول الخليج التي تعمل لصالح أمريكا بإغراق السوق العالمية بالبترول حتى لا ترتفع أسعاره فتؤذي الأسياد، كما أن هناك وسائل أخرى كثيرة تستخدمها أمريكا لفرض الأسعار التي تناسبها للمواد الخام أو للإنتاج الزراعي.

 

§       وإن من أبرز التحديات في المجال الاقتصادي هو الحالة النمطية من الجمود وتعطل الأداء الاقتصادي التي أورثتها النماذج التنموية المطبقة والسائدة في العالم الإسلامي كالتأميم في عهد عبدالناصر والاشتراكية في الجزائر والبعثية في سوريا والعراق وغيرها حيث قامت الحكومات والأحزاب المساندة لها بتطبيق سياسات متخبطة في مجال الاقتصاد واستوردت نماذج تـنموية لا علاقة لها البتة بحلم الأمة المسلمة ولا بموقعها بين الأمم فكانت تلك النماذج خليطا من السياسات والرؤى لا تتمتع بالتكامل ولا علاقة لها بالقواعد الإسلامية في مجال الاقتصاد ثم أضافت على ذلك ظلما فادحا واحتكارا للسوق لصالح طوائف محددة وبدلا من النظر إلى البشر وكثرتهم على أنهم أحد أهم العوامل المحفزة للإنتاج ودوران الاقتصاد نظر إليهم كتبعة وانفجار سكاني ولم يخطط أبدا لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الأيدي العاملة في الإنتاج الاقتصادي ولا في إعادة تأهيل هؤلاء لاستثمارهم الاستثمار المناسب فتلكأ الإنتاج وضعف وهيمن البؤس على العمال إلى غير ذلك من الآثار السلبية للنماذج التـنموية الخاطئة التي لم تسلم منها بلاد الثروات الواعدة كالبترول ولا غيرها.

§        إن وقوع الشعوب المسلمة في حالة من الانتظار والأمل والتعويل على التطورات الاقتصادية عند غيرها من الأمم قد أورثتها قيما فردية وجماعية خطيرة تتمثل في انتظار البرامج الحكومية والأمل في التحول إلى الأجواء المترفة حتى ترك الزراع والحرفيون مهامهم ومصدر رزقهم لكي يملئوا المدن وينتظروا الوظائف في المؤسسات والشركات والرغبة العارمة في الهجرة إلى الخارج إلى غير ذلك من القيم المدمرة للأداء الاقتصادي والانتاجي.

§       ومن التحديات في المجال الاقتصادي أن الحكومات في العالم الإسلامي لم تسع البتة في استثمار التكامل والتنوع في المجال الاقتصادي بين شعوب الأمة المسلمة لا على المستوى الإقليمي فضلا عن المستوى العالمي اللهم إلا محاولة لم يكتب لها النجاح سعى إليها السياسي المخضرم نجم الدين أربكان عندما تنفس تنفسا محدودا في الوضع الحكومي في تركيا وسرعان ما قضي على تجربته في الداخل والخارج، وعليه فقد بقيت آسيا الوسطى سوقا مبعثرة يلعب فيها كل اللاعبون الدوليون إلا المسلمون وكذا جنوب شرق آسيا المسلم وغيرها من المناطق الواعدة في مستقبل الاقتصاد العالمي.

§        ومن أخطر التحديات في المجال الاقتصادي بالنسبة للأمة المسلمة هو اعتماد النظام المالي العالمي على معطيات النظام السياسي العالمي الذي هو محض الكفر ولا يمكن عزل الاقتصاد عن العقائد بأي حال من الأحوال وعليه فإن محاولات الترقيع لن تمكن المسلمين من الهمينة على اقتصادهم فإن من صمم النظام الاقتصادي والمالي ضمنه مستلزمات رؤاه وعقيدته وحاول أن يضمن هيمنته ومن أوضح الأمثلة على ذلك هو اعتماد النظام المالي العالمي على الربا بدءا من القروض الدولية التي تخدم السيطرة المسيحية واليهودية وانتهاء بالقروض الشخصية التي عبدت المسلمين للبنوك، ذلك الربا الذي يعده علماء الاقتصاد العالميون أحد أهم أسباب التضخم وتعطل الإنتاج، ويتبع ذلك اعتماد النظام المالي على منظومة البنوك كمرجعية نهائية لكل أشكال العمليات الاقتصادية والتبادل التجاري وارتباط سلسلة البنوك في العالم بحفنة من البنوك الأساسية في العالم التي أصبحت مرجعية لكل العمليات الاقتصادية بدورها مما وضع مقدرات الأمم في مهب الريح ولم يعد أحد لا من الحكومات ولا من الأفراد يملك ثروته ملكا حقيقيا فهي مملوكة ورقيا فقط وبإمكان مرجعيات محدودة في العالم من بينها أمريكا والتي تسيطر على البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وسلسلة البنوك الكبار أن تعلن إفلاس بنك ما أو تجميد أصول حكومة ما أو انهيار عملية دولة ما لكي يتحقق ذلك في غمضة عين،  ويتبع ذلك في النظام المالي اعتماده على الزيف الكبير الذي حدث إبان صعود نجم اليهود وقيادتهم للفكر الاقتصادي المعاصر عندما تم استبدال الذهب والفضة بالنقود الورقية وهي بدورها تقيم بسلسلة معقدة من العمليات تنتهي بيد الاقتصاديين الكبار من يهود ونصارى ومع ارتباط العملات العالمية بحفنة من العملات التي تسمى قوية أو صعبة وليست هناك عملات صعبة في الدنيا إلا ما يتبع أمم النصارى أما بقية الأمم فمحرم عليهم اعتبار عملاتهم عملة صعبة، ولم يخرج مستعمر فرنسي أو انجليزي من بلاد المسلمين إلا بعد أن أشرف على تصيمم عملة ذلك البلد وبعد أن أسس مجلسا للنقد والذي تحول بعد ذلك لما يسمى بالبنوك المركزية والتي لا بد وأن تتملك جزءا من أصول أي بنك في ذلك البلد وبدورها لا بد وأن تلتزم البنوك المركزية بوضع جزءا من أصولها في بنوك أجنبية وهي البنوك العالمية المتينة وما متانتها إلا كونها يهودية أو نصرانية مرتبطة بأنظمة الحكم المتجبرة في العالم.

§       أما التطورات اللاحقة والتي أضيفت على الميدان الاقتصادي والتي تهدف إلى الهيمنة النهائية على أسواق العالم فهو التطور الذي ارتبط بالعمليات الاقتصادية من خلال الفضاء الالكتروني وعولمة أسهم الشركات الكبرى والمضاربة فيها التي أصبحت قمارا ولم يبق تاجر من تجار المسلمين -إلا من رحم الله- إلا اكتوى بناره وتفننت عقول اليهود وكبار المرابين فأبدعوا ما يسمى بعمليات البيع والشراء في  المستقبل الافتراضي وصمموا برامج الكمبيوتر المعقدة التي تتحكم في رفع وخفض الأسعار في ذلك المستقبل والناس يصدقون كل ذلك فيتبايعون ويشترون في سوق وهمية وغالبا ما أدت تلك المضاربات إلى انهيارات في السوق الفورية ولا أحد يعلم كيف يتم التحكم في المعادلات التي تحكم تلك العمليات يكفي أنها قد أتت من السادة الكبار القابعين في وول ستريت والذين يعلمون كل شيء وهم مرجع لكل الدنيا بل إنهم بطبعهم البشري يحكمهم العدل والإنصاف والمهنية العالية وصدق من أخبرنا عما سيكون من حالنا وحالهم فقد ورد عن  أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: "لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قَالَ فَمَنْ" رواه البخاري(3197).  حتى بلغ من وهن النظم المالية في بلاد المسلمين أن يتمكن رجل يهودي واحد (چورچ سوروس) من ضرب اقتصاد بلد بأكمله كما حصل في ماليزيا إبان الانهيار المالي الشهير بنهاية عقد التسعينيات من القرن المنصرم.

§        وأضيف على ذلك تحركات مشبوهة عمت أسواق المسلمين في كل مكان والعجيب أنه لم يخدع بها إلا المسلمون وهي عمليات سحب للسيولة النقدية من أسواق المسلمين عبر إعلانات وترتيبات لشركات كبار ومضاربات متقنة تعطي أرباحا في اليوم الثاني من الدفع فيها وتدفق المغفلون والأذكياء من المسلمين ودفعوا كل ما يملكون بل وجمعوا من صغار المدخرين وتستمر الحملة بضع سنوات لكي يسقط الجميع فيها وتتبخر الأموال وتبقى الديون بالملايين، بل أصبح من المألوف تماما في بلاد المسلمين أن يتفنن النصارى والهندوس والبوذ في القيام بعمليات نصب بالملايين على البنوك الرئيسة في تلك البلاد وسرعان من يغلق ملف السرقة ويمضي النظام الربوي لا يلوي على أحد.

§        ازدياد حدة المكوس والضرائب في كل بلاد المسلمين وعلى كل شيء مما أدى بالمسلمين إلى العيش في بؤس شديد وانشغال بلقمة العيش ليل نهار وقد طال انتظار شعوب المسلمين للفرج والأمل في الوعود التي تطلق محليا وعالميا فلم يزدهم انتظارهم إلا شدة وضيقا حتى أصبح هذا الضيق هو الأصل في أغلب بلاد المسلمين إذا لم تكون كلها وما التنمية في بعض بلادهم النادرة إلا تسلية لأنها لا تنتمي لواقع المسلمين وما هي إلا محطات لحركة السادة من الغرب إلى الشرق.

§        تفشي الفساد والرشي على المستوى الحكومي حتى لا يستطيع أحد أن ينهي معاملة إلا بعد أن يدفع ولا يمكن لصفقة أن تتم في المؤسسات الرسمية إلا بدخول الفوائد إلى جيوب المتنفذين فيها.

§        دخول كبار الساسة وأولادهم وأقاربهم في منافسة الشعوب في معاشهم وتجارتهم والسيطرة على كل منافذ التجارة والصناعة والزراعة فلم يبقوا للناس شيئا ومع تمتعهم بالحماية والإعفاء فمصير الآخرين الكساد والانكسار.

§       لم تعد ثروات المسلمين بأيديهم البتة خاصة النقدية منها وذلك لعدة عوامل كلها بيد النصارى واليهود ومن أهمها هو عدم الأمان في بلاد المسلمين أو هكذا زعموا والأمان إنما في بلاد النصارى وبنوكهم وعليه فإن تلك البلاد والبنوك تستثمر ثروات المسلمين وتستغلها ويكفي من يملك المال أن يأكل ويلبس وينام على اعتقاد أنه يملك ثروته، وقد أضاف النظام العالمي الجديد حقا جديدا مقننا للنصارى والأمريكيين منهم على وجه الخصوص وهو حقهم في مصادرة أموال المسلمين حكومات كانوا أم مؤسسات أم أفراد وبدعاوى كثيرة وهي أي الدعاوى في ازدياد ولا تقف عند حد وعندما حاول بعض أثرياء السعودية أن يستعيدوا جزءا من أموالهم وضعتهم أمريكا على قائمة إرهابية خاصة بهم فقط.