· ساحة التهديد الأولى: الاجتهادات والرؤى النظرية
ويتمثل التهديد في هذه الساحة بمجموعة من المعطيات وهي كما يلي:
§ العدول عن المرجعين الذين لا يمكن أن يضلا أو تزيع بهما الأفهام وهما القرآن والسنة واستبدالهما بالمقاييس العقلية المجردة والمنطق والتحليل السياسي وما يسود العالم من أوضاع، ومن نماذج الاستبدال هو الاستبدال الجزئي بأن يتم قبول بعض معطيات القرآن الكريم والسنة المطهرة والإعراض عن باقي المعطيات والأحكام ولعل من أهم أمثلة ذلك هو الإعراض عن الجهاد بحجج كثيرة من مثل أن الجهاد إنما هو وسيلة وليس غاية وإذا أمكن تحقيق أهداف الجهاد بغير الجهاد فهو أولى! ويتم تجاهل فرضية الجهاد ودوره في البناء الإسلامي والإحياء الحضاري بحجة الاستضعاف والتي لا يريد الكثير أن يخرج من دائرتها.
§ أن تستمر عملية الغبش والتداخل والحيرة الشديدة في تصور المشروع الإسلامي ولا يتقدم حملة الأمانات بدورهم فيظهروا البينات وما استأمنهم الله عز وجل عليه من علم: )إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ( (البقرة:159).
§ أن يظل قادة المشروع الإسلامي مصرين على الإنجاز فقط من خلال الأداء القطري أي تحقيق تطور إسلامي في كل قطر إسلامي على حدة ومادام هذا الإنجاز غير ممكن وبالأساليب المتاحة فالنتيجة أن يقعد قادة المشروع عن تواصلهم العالمي ويتأصل الاعتقاد بأنه لا مخرج البتة فيعرضوا عن إعادة تصميم المسيرة بما توافر للمشروع من طاقات وما استجد من أحداث فيعزلوا أنفسهم عن الدنيا وصراعها.
§ أن يكتفي الدعاة في مسيرة المشروع الإسلامي بما تم الوصول إليه من نتائج والقعود به بدعوى عدم ضياع تلك النتائج وتبدأ النظريات المساندة لهذا القول في دعمه والتفنن في إبرازه في أوساط المسلمين، وتكون النتيجة هي الرضا بهيمنة الكفر على الأرض والذي لو تواصل في نفس الاتجاه دون معوق فلن يترك أثرا للأداء الإسلامي ولا ساحة للتطبيق الإيماني فضلا عن الدعوي أو السياسي فما بالكم بالجهادي؟
§ تماهي المشروع الإسلامي مع المشاريع الأخرى والقبول بهيمنتها سواء كان ذلك المشروع مشروعا كفريا بحتا كالمشروع الأمريكي أو مشروعا مخلطا كالمشروع القومي الوطني.
§ المضي في المشروع الإسلامي في ناحيته النظرية نحو التعقيد الشديد والطرح الفلسفي الذي لا يمكن المرء أن يتبين في ظلاله أية إمكانية للنقلات العملية ولا للبرامج الميدانية التنفيذية، بحيث يكون منطوق تلك الفلسفة: أن الأمة لم تستكمل بعد ولم تستوف متطلبات المشروع ولا شروطه كالوعي الحضاري والقيم الحضارية وما أشبه ذلك فتكون النتيجة الحتمية لتلك الفلسفة القعود عن مواصلة المشروع وعن استثمار الأعمال السابقة واستثمار الفرص المستجدة.
§ حصر الإسلام والمشروع الإسلامي في الحالة الافتراضية العقلية والعاطفية والتمتع به حيث هو دون أن ينزل المشروع على الأرض فيبدأ بالتعامل مع الحياة فيؤثر فيها ويتأثر ومن أمثلة ذلك أن يحبس المشروع في المحاضرات الناعمة والمؤتمرات الفندقية والاكتفاء بالدعاء والبكاء والانغلاق على التربية العبادية والزهدية وتسمية ذلك جهادا.
§ ويتبع النقطة السابقة أمر شبيه بها وهو أن يتم تخيل مراحل التحول الإسلامي عبر حالات افتراضية عقلية نموذجية لا علاقة لها بالتحولات والتغيرات والفرص التي تلوح للمسلمين في الميدان فيبقى قادة المشروع ينتظرون تلك الحالات الافتراضية التي لن تأتي فضلا عن أن يفكروا في استثمار الأحداث الكبرى وغير المتوقعة.
§ عزل المسار النظري والاجتهادي كلية عن المسار العملي للأمة بأن يتم استحضار صور محددة من الماضي للمسلمين ويتم التلبس بتلك الصور وتنزّل أحكام تلك الفترة التاريخية على الواقع فيعيش المسلمون خارج عصرهم ومن أهم الأمثلة على ذلك قياس الواقع السياسي الحالي للأمة على الواقع السياسي الذي ساد في مراحل من الخلافة الإسلامية السابقة وتنزيل نفس الأحكام لتلك المرحلة على هذه المرحلة كتنزيل حكم ولاة الأمر على النظم السياسية الحالية في الأمة.
§ عزل الاجتهادات الشرعية المعاصرة التي عالجت فترة تاريخية محددة ونزعها من بيئتها التي تأسست فيها ثم الحكم عليها بالفشل وعدم الصحة ومن ذلك ما يذهب إليه البعض من تخطئة الشهيد سيد قطب رحمه الله تعالى في مجمل ما ذهب إليه من رؤى ومقولاته بجاهلية المجتمع في الوقت الذي كاد فيه أساطين العلمانية العربية أن يجتثوا الدين وأسسه من واقع المجتمعات العربية وفق برامج ترعاها الدولة وأجهزتها المختلفة.
§ عزل التجارب الكبرى المعاصرة للمسلمين كتجربة أفغانستان والجزائر وفلسطين وغيرها عن بعضها البعض فلا تدرس ولا تقوم ولا توضع في الخارطة العامة للمشروع فتضيع فرصة الاستثمار لتلك التجارب كما تضيع فرصة رؤية النقلات التالية في تلك التجارب.
§ الالتهاء عن مسار المشروع الإسلامي بالثغرات الجديدة التي يحاول الأعداء أن يفتحوها في ساحات الأمة حتى يتم امتصاص الضغوط المباركة التي شكلتها مراحل المشروع ومن أهم أمثلة ذلك هو فتح مسارات جديدة في طريق الديموقراطية العاثرة في العالم الإسلامي عبر السماح للإسلاميين بالوصول للحكم لكن بعد خلع عباءاتهم وترك شعاراتهم والاستعداد الذي لا يخالطه ريب لخدمة السيد الجديد للعالم وهكذا يتم سرقة نتاج العمل الإسلامي وجهاده كما سرق في أفغانستان وفي تركيا.
§ تمزق المشروع بين اطروحات الجماعات الإسلامية ونظرياتها وسعي كل جماعة لفرض رؤاها على رؤى الآخرين.
§ جمود اطروحات الجماعات الإسلامية دون أن تغير المستجدات التي تمت داخل الأمة وخارجها من تلك الاطروحات شيئا، بل ويصل الأمر بالبعض أن ينظر إلى اجتهاده ومقولاته نظرة تقديس.