إن الفرص المتاحة للمشروع الإسلامي ونقاط قوته لتتولد من عدة مسارات متقاطعة حتى تتشكل معادلة أو عدة معادلات يمكن تمييزها في الزمان والمكان والتي بدورها تتيح تحركا للمشروع وتقدما باتجاه التمكين الذي وعد الله به المؤمنين، وما تلك التقاطعات في المسارات المختلفة إلا تحقيقا لسنة الله تعالى في التدافع فمن خلال التدافع تتشكل الفرص التي لم تكن لتحدث لولاه: )الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ( (الحج:40)  وأورد الطبري عن ابن جُرَيج في تفسير الآية قوله: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ دفع الـمشركين بـالـمسلـمين، كما نقل عن ابن زيد، فـي قوله: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهَ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ قال: لولا القتال والـجهاد. (انتهى).

 

·   أولا: مسار فرص المشروع ونقاط قوته في الأمة المسلمة:

 

§       إن من أول الفرص السانحة في الأمة المسلمة مستوى التحفز والقناعات التي ترسخت لدى أجيال الأمة الحالية بأنه لا يوجد من يرعى مصالح هذه الأمة أو يمثلها أو يدفع عنها الأذى وأن النظم السياسية لم تعد قادرة أبدا على تمثيل الأمة وطموحاتها كما أن النظام السياسي العالمي لا توجد فيه أية مساحة للمسلمين فهو من تفصيل الكفرة ويعمل لصالحهم على الدوام، وقد اختبرت الأمة المسلمة النظام السياسي العلماني بين ظهرانيها على اختلاف مسمياته وكذا اختبرت النظام السياسي الدولي بما فيه الكفاية، ومن أهم القناعات التي تولدت في الأمة ضرورة رفع راية الجهاد لاسترجاع ما ضاع ولكن الخلاف إنما يكمن في الكيفية لا في المبدأ.

§       ومن الفرص أن التجارب السياسية والجهادية التي خاضها المسلمون خلال العقود الثلاثة من القرن المنصرم قد أسهمت في تشكيل الوعي والعقلية المشتركة للمسلمين خاصة وأن تلك التجارب قد جاءت في ظل العولمة التي أتاحت رؤية جماعية للأحداث وإن جرت في أطراف الأرض وبغض النظر عن النجاح والفشل الظاهري لتلك التجارب فهي قد صهرت العقلية والعاطفة المسلمة بشكل جيد.

§       ومن الفرص سقوط كل الحواجز التي كانت تمنع من تواصل المسلمين في أنحاء الأرض فقد خرج أهل تركستان الشرقية بعد طول إغلاق وخرج الشيشان بعد أن تم تشتيتهم وراء الأفق وخرج أهل الصحراء الكبرى التي تشترك كثير من الدول الإفريقية فيها وخرج أهل إرتريا من أسر النصارى والشيوعية معا وخرج أهل مقدونيا وكوسوفا والبوسنة وغيرها من عالم منسي، خرجوا لكي يبصروا الحقائق بأم أعينهم ولكي يعاينوا حالهم وأحوال إخوانهم في مشارق الأرض ومغاربها ومن عجيب صنع اللطيف الخبير أن شكل تفجّــر قضايا المسلمين المعاصرة أعلاما مضيئة تعرّف بها المسلمون في المشارق والمغارب على أوصال أمتهم ومزَقها.

§        ومن أهم الفرص ونقاط القوة التي يتغاير فيها المسلمون عن بقية الأمم هو فقرهم والتصاق أيديهم بالتراب! وكيف يكون الفقر قوة؟ هذا ما فهمناه عن رسولنا صلى الله عليه وسلم فقد ورد عنه في جزء من حديث عمرَو بن عوف قولـه: . . . . . فواللهِ ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تُبسطَ عليكم الدُّنيا كما بُسِطَت على من كان قبلكم، فتَنافسوها كما تَنافسوها، وتُهلككم كما أهلكَتهم. رواه البخاري. فيفهم من الحديث أن الفقر لا يمكن أن يكون لوحده العقبة التي يمكن أن تعيق نهضة الأمة بل إن المعوق الحقيقي سوف يكون الغنى لخطورة آثاره وما يترتب عليه من ترف وترك للجهاد، كما يمكن أن يكون الفقر قوة من وجوه كثيرة ومن أهم تلك الوجوه هو استعصاء البيئة الإسلامية على تطويع الكفرة وعبر آلياتهم القديمة والجديدة والتي منها العولمة التي تستهدف نشر الفساد والسيطرة على التعليم الحديث ونشر سلاسل مطاعم البيتزا والكنتاكي ونشر سلاسل السينمات وتخدير الشعوب بوهم التنمية الاقتصادية وما أشبه وبالنظر إلى واقع المسلمين فإن البيئات الفقيرة التي هم عليها وهي غالبية البيئات المسلمة فقد بقيت مستعصية على هذا النوع من التطويع بينما وجدنا العولمة والتغريب يعمل عمله في أبناء الأغنياء من المسلمين حتى غدا بعضهم مسخا في الروح والشكل.

§        ومن الفرص بقاء أغلب إذا لم يكن كل الحركات والجماعات الإسلامية خارج نطاق منظومة الحكم في العالم الإسلامي مما يتيح لها أمرين إيجابيين أما الأول فهو خروجها من دائرة الضغوط الرسمية التي يمارسها النظام الدولي الصليبي ومفرداته على الأنظمة الذليلة وعليه فهي أي الجماعات الإسلامية ليست ملزمة بالنظام العالمي ولا بمخرجاته التي لم تراع المسلمين يوما كما أن الحركات الإسلامية بتموضعها الشعبي في الأمة تحرم العدو الأول وهم الأمريكان من تفوقهم الكاسح في مجال الهيمنة العسكرية، كما أنها حرة مرنة طليقة قد فتحت لها كل الخيارات وفي كل الاتجاهات وهي كذلك لا تتحمل نتائج الفساد الاقتصادي والسياسي الذي رعته النظم السياسية دهرا وبموافقة غربية وشرقية.

§        ومن الفرص خضوع نسبة ليست بالهينة من المسلمين في العالم لمعطيات الهجرة التي يصنع الله عباده من خلالها صناعة خاصة فدور الهجرة أنها تحرر أولئك المهاجرين من ضغوط الأوطان وثقل الاستقرار والتعلق بالتنمية ويؤهلها لمتطلبات النهضة القادمة: )وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ( (النحل:41) وقد أورد القرطبي في تفسير قوله تعالى (في الدنيا حسنة) قال: النصر على عدوّهم؛ قاله الضحاك. (انتهى)

§        ومن الفرص تزايد أعداد البشر الذين يدخلون في دين الله أفواجا من الأمم الأخرى ودون استثناء بين الشعوب فمن جزر اليابان إلى الصين إلى قرى التاميل في الهند إلى أدغال إفريقيا إلى أوروبا إلى أمريكا الشمالية ثم الجنوبية فمن كل هذه المواقع والأمم هناك من يلتحق يوميا بأمة محمد صلى الله عليه وسلم حتى ليكاد أقوى الجيوش كما يوصف في العالم وهو الجيش الأمريكي أن يرتعب من أبناء جلدته من الأمريكان المسلمين فلا يعرف ماذا يفعل بهم بل تشير بعض التقارير إلى دخول بعض الأفراد من الجيش الأمريكي إلى الإسلام في العراق بعد احتلاله وهذا ليس بغريب على الإسلام فكم تابعه من غزاة أرادوا محقه من الوجود.

§        ومن الفرص احتفاظ المسلمين بأحسن وأجمل صور الترابط والتكامل الأسري والتي يكاد الكفرة يموتون منها حسدا حتى سعوا بكل ما أوتوا لاختراق هذا الحصن المتين فلم يتمكنوا بعد أن وظفوا في سبيل ذلك قوانين الأحوال الشخصية والتي قبلت أغلب نظم المسلمين السياسية باختراقها كما استخدموا المنظمات الدولية لكن دون جدوى.

§        ومن الفرص تميز المسلمين بأفضل نمو سكاني بين الأمم سواء من حيث ارتفاع نسبة الإنجاب فلا توجد أسرة تشابه أسر المسلمين وكذلك من حيث نسبة الفتوة والشباب في مجتمعات المسلمين.

§        ومن الفرص تمتع أراضي المسلمين بأغنى المواقع في العالم من حيث الثروات بكل أنواعها وأشكالها ومستقبلها مما يجعل المسلمين في قلب الصراع الدولي ويتيح لهم أن يسهموا في صناعة التاريخ من أوسع أبوابه.

§        ومن الفرص أن التنوع الجغرافي وحساسية المواقع العالمية التي تقع عليها بلاد المسلمين من حيث الاقتصاد والاستراتيجية وغيرها لتعطي أبناء الأمة قدرة على التحرك واستثمار هذا التنوع فجنوب شرق آسيا يعج بالمسلمين وبالمواقع الحساسة وكذلك شبه القارة الهندية ثم آسيا الوسطى ثم بلاد القوقاز ثم الجزيرة العربية والتي تتحكم أطرافها في ثلاث مضائق بحرية عالمية يمر بها وقود الدنيا يوميا إلى أن يصل إلى الغرب والشرق.

§       ومن الفرص التنوع الشعوبي للأمة المسلمة وتنوع الطاقات والقدرات البشرية التي تتمتلكها تلك الشعوب والتي تعطي للمشروع الإسلامي فرص عالمية واستثنائية لخدمة مسارات المشروع ومرحلته الحالية التي تحتاج إلى نقلة نوعية في ظل التحديات العالمية والإقليمية التي يواجهها ولعل من أهم ما يحتاجه المشروع في بعده النظري استثمار الطاقات العلمية الرائدة في كل مواقع الأمة الجغرافية من الناحية الشرعية والناحية السياسية والناحية التخطيطية الاستراتيجية.

§       ومن الفرص القوة التي تمثلها الحركات الإسلامية في الأمة من حيث منافستها على تمثيل المرجعية الشرعية للأمة وفرصة استحواذها على الفتيا في المستقبل خاصة بعد اهتزاز مصداقية المراجع الشرعية المربوطة بالنظم السياسية.

§        ومن الفرص نمو أهم العوامل الموحدة للأمة المتمثلة في المرجعية السنية والتي كادت تتلاشى خلال القرن العشرين حيث أدركت الأمة أن أهم ما يربط بينها هي كون الأمة أغلبية سنية واعتبار ذلك أرضية مشتركة يقف عليها مسلموا العالم وتراجع عوامل التفريق السابقة بينهم كالمذاهب الفقهية والعوامل القومية وإن كان ذلك التراجع بدرجة محدودة مما يقتضي استمرار المعالجة، ومن عجب أن مما ساهم في خدمة عامل المرجعية السنية في الأمة هو ظهور الشيعة الحديث وتمكنهم من الدولة ومحاولاتهم المستميتة لتصدير مذهبهم إلى السنة في العالم فخاب برنامجهم فكان لذلك أثره العكسي في أوساط المسلمين.

§        ومن الفرص تموضع المسلمين في مجتمعات الكفر خاصة أوروبا وأمريكا مما أتاح اقترابا مباشرا من تلك المجتمعات وحرم قادة المشروع الصليبي المعاصر من ميزات النقاء والانغلاق فكان بحق غزو بلا سلاح ولا رصاص.

§        ومن الفرص امتداد التجارب العسكرية في المسلمين وقرب أصابعهم من الزناد في مواضع مختلفة من العالم ففي الفلبين وفي الباكستان وفي أفغانستان وطاجيكستان والشيشان والبلقان واليمن والعراق وإيران وفلسطين والجزائر والسودان والصومال والتحق بتلك المناطق مزع من صعاليك الجزيرة العربية وعموم البلاد العربية وغيرها فتعلموا الصنعة وأتقنوها وعليه فإن علم هؤلاء وخبراتهم كلها رهن مستقبل المسلمين.

§        ومن الفرص انتشار الجهود العلمية والدعوية والخيرية في الأمة المسلمة ومن ذلك ترجمة تفسير القرآن الكريم إلى لغات يترجم إليها للمرة الأولى كاللغة الروسية والتاميلية وغيرها، مما يبشر بوحدة فكرية وقدرة على التواصل والتفاهم بين أطراف الأمة وزيادة تأثير في الأمم المجاورة لها.

§        ومن الفرص إمكانية تحول التنوع في الجماعات الإسلامية على مستوى الأمة إلى تعددية تكاملية تخدم المشروع الإسلامي وتدفع به إلى مراحله المتقدمة خاصة مع عدم تحقق اصطراع عسكري بين تلك الجماعات عدا بعض التنافس السياسي.

§        ومن الفرص الأمل الكبير الذي مثلته حفنة محدودة من مجاهدي الأمة في فلسطين والتفاف الشعب الفلسطيني الأعزل حولهم برغم مواجهتهم لأحد أخطر الجيوش في العالم تجهيزا وعتادا والذي بذل النصارى الغالي والنفيس في سبيل تجهيزه وإعداده قديما وحديثا فتمكن المجاهدون من إسقاط الأسطورة التي عمرت قرابة نصف قرن، ولعل من أهم ما ترتب على قيام المجاهدين في فلسطين بهذه الخطوات المباركة هو إحياؤهم للطائفة المنصورة التي ورد ذكرها في الصحيح حيث يرتبط ذكرها ببيت المقدس.

§        ومن الفرص انتشار حب الشهادة والجهاد في أوساط المسلمين وفي كل بقاعهم دون استثناء وبشكل لم يسبق له مثيل منذ سقوط الخلافة الإسلامية.