·   ثانيا: بين يدي الرؤية

 

إن الأمل أو مجموعة الآمال التي ترتسم في أحلام علماء الأمم وأصحاب الرؤى فيها لتحدد شكل المستقبل لتلك الأمم حيث تقوم الأحلام بمهمة رسم معالم الصعود فإذا أبصرت الأجيال تلك المعالم أصرت على المضي مهما كانت التضحيات فيتحقق الحلم ولو بعد حين وقد رزقت الأمة المسلمة في القرن الرابع عشر الهجري من العلماء الذين عملوا على تجديد أحلام الأمة وآمالها وقدموا أرواحهم فداء لذلك التجديد وهم أكثر من أن يحصوا وكان من أجمل ما تحقق من تلك الرؤى صناعة جيل النهضة وسيره الجاد نحو الآمال حتى تمكن من تتويج تلك المسيرة بأداء علمي ودعوي وجهادي غطى جنبات الأمة كلها وما على الجيل الحالي إلا أن يترسم الخطى ثم يضيف من إبداعاته وبصماته ما يقرب الحلم ويجعله واقعا ملموسا، ويحتفظ المسلمون بأقوى الآمال بين الأمم - على ضعفهم الظاهري- وذلك لثلاثة أمور أولها قيام هذا الدين على الأمل ودعوته لأتباعه لكي يطلبوا أجمل وأعلى المنازل في الدنيا والآخرة أما منازل الدنيا فإنها النصر والتمكين وأما منازل الآخرة فإنها الشهادة والفردوس الأعلى وصحبة النبيين، أما الأمر الثاني الذي يخول المسلمين طلب الأمل أكثر من غيرهم فهو أن تاريخ المسلمين منذ بعثة نبيهم صلى الله عليه وسلم ملئ بشواهد نهضة وصمود لم تتحقق لأمة أخرى من حيث الأداء الحضاري والقيمي، وأما الأمر الثالث الذي يخول المسلمين طلب الأمل أكثر من غيرهم فهو أن الله عز وجل أمر المسلمين بمباشرة تغيير الواقع إذا انحرف ذلك الواقع عن مسطرة التمكين حتى يرجعوا إليه لا أن يعدلوا دينهم حتى يتناسب مع الواقع وعليه فإن الأمل عند المسلمين ليس مجرد حلم بل هو واقع يسعون لصناعته مرحلة بعد مرحلة وهو الذي تحقق في تاريخ المسلمين المعاصر فلم تعد رؤية المستقبل للأمة المسلمة طلاسم غير مفهومة وإنما هي آمال يدعمها واقع صنعه المسلمون بأيديهم بعد أن وفقهم الله وأعانهم حتى ظهرت المعجزات في ثنايا مسيرتهم خاصة وأنهم لا يسعون إلى ملك دنيوي كما تسعى الأمم الأخرى بل هي الرحمة الكامنة في الفتح والعدل الكامن في الملك والتواضع الجم الكامن في الظهور: )تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ( (القصص:83) .

 

ولعلي لا أكثر من ذكر الشواهد في هذا المجال ولكني أركز على توضيح مسألة طالما راودت عقول الدعاة ونفوسهم وشغلت المسلمين في عصرنا هذا وهي: هل مستقبل الأمة مقبل على فتح وتمكين وظهور وخلافة راشدة أم أن المستقبل مقبل على فتن واختلاط وانتظار لعلامات الساعة الكبرى كظهور المهدي وظهور الدجال؟

 

ويدرك القارئ المسلم بأن الإجابة على هذا السؤال لا تكمن في التنجيم والخزعبلات كما هي عند بعض الأمم وإنما تكمن في ثلاث مساحات للبحث العلمي وهذه المساحات هي:

 

المساحة الأولى في محاولة فهم مستقبل المسلمين: من خلال الموجهات الأساسية في القرآن والسنة والتي ترشد المسلمين إلى كيفية التعاطي مع الحياة على أي شكل كانت تلك الحياة نصرا كانت أو هزيمة غلبة أو استضعاف.

 

المساحة الثانية في محاولة فهم مستقبل المسلمين: من خلال الأنباء التي وردت عن المستقبل ولم تتحقق بعد في القرآن وما ثبت في صحيح السنة.

 

المساحة الثالثة في محاولة فهم مستقبل المسلمين: من خلال مسيرة الدعوة الإسلامية المعاصرة وكيف تعاطى قادة المسلمين الحقيقيون مع الصراع وما الذي تمكنوا من فعله على أرض الواقع.

وسأعرض للمساحات الثلاث بشيء من التلخيص الذي يهدف إلى تقريب الرؤية دون تشتيت وضياع في أودية الظنون.

 

أما المساحة الأولى وهي الموجهات الأساسية في القرآن والسنة التي ترشد المسلمين إلى المنهج الذي ينبغي عليهم أن يسلكوه في التعاطي مع الحياة وبغض النظر عن شكل تلك الحياة التي هم عليها نصرا كانت أو هزيمة غلبة أو استضعافا فإن المنهج المبثوث في القرآن والسنة  من توجيه وعمل منه صلى الله عليه وسلم وممن تابعوه من أعلام الأمة يدل على أنه يحرم على المسلمين أن يوقفوا مسيرة التطبيق الإسلامي والدعوة الإسلامية ومجاهدة الأمم الكافرة ويحرم عليهم التردد في السعي لتثبيت أركان الدين في الأرض مهما كانت معطيات الواقع فإن كانوا غالبين وجب عليهم أن يسلكوا كل المسالك العملية ويستخدموا كل ما تقع عليه أيديهم من آلات البناء والعمل والجهاد لبلوغ الدعوة والدين ما بلغ الليل والنهار وإن كانوا مهزومين مستضعفين وجب عليهم أن يسعوا بكل ما أوتوا من قوة وحيلة شرعية لكي يتجاوزا موقع الاستضعاف الذي هم فيه ساعين نحو التمكين وهو الذي حدث في تاريخ المسلمين منذ بعثة محمد صلى الله عليه وسلم فكم تقلب المسلمون بين القوة والضعف ولكنهم لم يركنوا أبدا إلى انتظار مهدي ولا يئسوا من إمكانية مصاولة عدو مهما كان شأنه وقوته وكم تعاقبت شعوب المسلمين على الخلافة فلم يقعد شعب عن فهم هذا المنهج وتطبيقه بل إنهم استلموا من رسول الله صلى الله عليه وسلم الموجهات الإستراتيجية التي وجه إليها الأمة فسعوا إلى فتح فارس والروم بناء على إشاراته صلى الله عليه وسلم ثم سعوا إلى فتح ما وراء النهرين والهند والسند وشمال إفريقيا ثم الأندلس ثم تعاقبت الأجيال فتنافست على فتح القسطنطينية حتى مكن الله محمد الفاتح وجيشه الذي مدحه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا هدد العثمانيون بعد ذلك أوروبا في عقر دارها، أفيجوز لأمة هذا دينها وهذا شأنها وهذا تاريخها أن تتساءل بعد ذلك ما هو مستقبلها القريب والبعيد وهل يحق لها أن تنتظر المهدي - مع الإيمان به- وقد كتب الله لها عهدا نافذا إلى يوم القيامة: )كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ( (المجادلة:21) كما كتب لدينه الظهور على أديان الكفرة كلها: )هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ( (التوبة:33) أو يليق بأمة هذا دينها أن تقبل وبعد ظهور الكفر في الأرض كنموذج الإمبراطورية البريطانية ونموذج الدولة السوفيتية الهالكة ونموذج الإمبراطورية الأمريكية المتفسخة أن تغلق باب أحلامها ولا تحلم بدولة إسلامية تتجاوز في ظهورها وتمكنها تلك النماذج؟؟

 

وأما المساحة الثانية في محاولة فهم مستقبل المسلمين: وهي تلك الأنباء التي وردت عن المستقبل ولم تتحقق بعد في القرآن الكريم وما ثبت في صحيح السنة فإنها تنقسم إلى قسمين رئيسين أما القسم الأول فهي الوعود الواردة في القرآن والسنة والتي تحفز المسلمين للعمل والمقاومة وتعد بالظهور ولو بعد حين ومن ذلك الوعد بظهور يهود ثم بهزيمتهم ويلحق بذلك الوعد الوارد في السنة بالظهور على أمم كالروم وفتح بلادهم خاصة روما فإن كل تلك الوعود تصب في اتجاه العمل والجهاد لا الانتظار والقعود، وأما القسم الثاني من تلك الوعود التي يعتقد المسلمون أنها ناجزة بإذن الله تعالى فهي تلك التي تحذر من الفتن وتحذر من قرب يوم القيامة سواء في علاماتها الصغرى أو الكبرى كظهور الدجال وظهور المهدي ونزول عيسى بن مريم عليه السلام وكل تلك الوعود إنما تدفع بالمسلمين إلى العمل أيضا ولا تعطيهم العذر للقعود والانتظار ولا تبيح لهم ترك الأرض يعيث فيها الكفرة فسادا ولعل من أهم السلبيات التي وقع فيها بعض المعاصرين في التعامل مع علامات الساعة هو تنزيلها على  الواقع والجزم بأنها سوف تتحقق في هذا الزمان حتى ذهب بعضهم إلى تحديد الوقت الذي سوف تتحقق فيه وهذا أمر التكلف فيه لا يحتاج إلى إثبات وتكمن خطورته في اقتناع بعض المسلمين بأن الزمان زمان فتنة وأن الواجب هو ترك الميدان والانفضاض من حول الدعاة والمجاهدين والبحث عن المهدي وهذا يتعارض مع ما أوضحناه من حق لا خلاف عليه في المساحة الأولى.

 

وأما المساحة الثالثة في محاولة فهم مستقبل المسلمين: فهي مسيرة الدعوة الإسلامية المعاصرة وكيف تعاطى قادة المسلمين الحقيقيون مع الصراع وما الذي تمكنوا من فعله على أرض الواقع؟ فإن التاريخ القريب للدعوة الإسلامية المعاصرة والذي تبلور من ناحية الاجتهاد في القرن الرابع عشر الهجري وما تلاه من تطبيقات ميدانية يثبت بما لا يدع مجالا للشك بأن النصر قادم وأن الأرضية التي تمكن الدعاة - على اختلاف اجتهاداتهم ومواقعهم- من تمهيدها في مختلف بلاد الدنيا وحتى في عقر ديار الكفر لن تضيع هباء وأن الجيل الذي تم إعداده وتربيته والممارسات التي خاضها المسلمون دعوية كانت أو سياسية أو جهادية فإن موعد إثمارها قريب بإذن الواحد القهار ومن تلك الثمار المرتقبة تطور الجهاد ضد اليهود وإجبار الأمريكان على الدخول في ساحات الجهاد ومنها انكشاف النفاق الذي أفسد ساحات الأمة كثيرا ولعقود خلت وتصدع المرحلة الجبرية ومنها توحد القضية الإسلامية حول بيت المقدس وأكناف بيت المقدس بعد أن تفرقت في الاجتهادات والمواقع إلى غير ذلك من الثمار المباركة.

 

ومن خلال الاستعراض السابق يمكننا أن نقول أن معطيات الدين الإسلامي العظيم العقدية منها والعملية والتاريخ الدعوي المعاصر ليدل دلالة لا تدع مجالا للشك بأن الخلافة الإسلامية الراشدة قادمة بإذن الله تعالى في المدى المنظور وهو فيما تبقى من القرن الخامس عشر الهجري ولعلي أكتفي هنا لدعم ما ذهبت إليه بالإشارة إلى هذين النصين الثابتين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْن عُمَيْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ عَنْ نَافِعِ بْنِ عُتْبَةَ ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللّهِ فِي غَزْوَةٍ، قَالَ: فَأَتَى النَّبِيَّ قَوْمٌ مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ، عَلَيْهِمْ ثِيَابُ الصُّوفِ، فَوَافَوهُ عِنْدَ أَكَمَةٍ، فَإِنَّهُمْ لَقِيَامٌ وَرَسُولُ اللّهِ قَاعِدٌ، قَالَ: فَقَالَتْ لِي نَفْسِي: ائْتِهِمْ فَقُمْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، لاَ يَغْتَالُونَهُ، قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ: لَعَلَّهُ نَجِيٌّ مَعَهُمْ، فَأَتَيْتُهُمْ فَقُمْتُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، قَالَ: فَحَفِظْتُ مِنْهُ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، أَعُدُّهُنَّ فِي يَدِي، قَالَ: تَغْزُونَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ، فَيَفْتَحُهَا اللّهُ، ثُمَّ فَارِسَ، فَيَفْتَحُهَا اللّهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الرُّومَ، فَيَفْتَحُهَا اللّهُ، وتَغْزُونَ الدَّجَّالَ، فَيَفْتَحُهُ اللّهُ. قَالَ: فَقَالَ نَافِـعٌ: يَا جَابِرُ لاَ نُرَى الدَّجَّالَ يَخْرُجُ حَتَّى تُفْتَحَ الرُّومُ (7233) (انتهى) وقد أشار نافع رضي الله عنه إلى أن خروج الدجال لا يكون إلا بعد فتح روما آخر معاقل الصليبية ودلالة الحديث على ذلك واضحة من خلال العطف بثم، ومعلوم بأن من أهم معالم اكتمال فتح الروم هو فتح روما وهو ما لم يتحقق بعد فلا مجال إذن لدفع المسلمين لكي يعتقدوا بأن هذا الزمان زمان ظهور المهدي وخروج الدجال وعلم ذلك عند الله عز وجل.

 

وأما الشاهد الثاني فهو ما ورد في المسند عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء الله أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ثم تكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت.

 

وفي هذا الحديث ما يوضح بجلاء المراحل الأساسية التي مرت على أمة الإسلام منذ بعثته صلى الله عليه وسلم إلى الآن فإن النبوة أتبعت بالخلافة الراشدة ثم إن الخلافة أتبعت بالملك العضوض أو العاض الذي لم تتبدل فيه مرجعية المسلمين الشرعية ولم يخفض فيه لواء الجهاد حتى سقط الملك العاض بسقوط بني عثمان وبدأت بعد ذلك مرحلة الملك الجبري التي هي منعقدة إلى وقتنا هذا وهي آيلة للسقوط بإذن القوي الجبار وإن من أهم ما يميز هذه المرحلة هو سقوط المرجعية الشرعية للمسلمين وسقوط المرجعية السياسية كذلك بدليل أن الأمة ومنذ أن نشأ هذا الملك لم تتمكن من حفظ ذمام ولا استرجاع ضائع ومن أعجب ما وجدته من معنى لغوي في وصف الجبرية معنيين أما المعنى الأول فهو أن هناك من يجبر المسلمين على قبول هذا الملك فالجبر ناتج من خارج إطار الملك وهو الذي حدث بالفعل بعد انهيار الخلافة العثمانية فلم يجلس ملك على كرسيه في العالم الإسلامي إلا من تحت يد المستعمر وأما المعنى الثاني الذي يلتقي بالأول فهو كون الجبرية أنها مجبورة بغيرها كما يجبر كسر العظم فلا قيام لتلك المرحلة بدون الجبر الخارجي وهو دعم وإسناد الأعداء لهذا النوع من الملك في واقع المسلمين فإذا سُحب الإسناد انهار الحكم الجبري فلا قيام له بذاته البتة ولا لجبروته وهو ملاحظ بوضوح في واقع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وهذا ما شاهدته الأمة بسقوط عدد من أنظمة الحكم بعد أن سحب الكفار تأييدهم لها كنظام الشاه ونظام سوهارتو ونظام سياد بري وأحدث النماذج هو سقوط ديكتاتور العراق صدام الذي صنعته أمريكا ثم قلبت له ظهر المجن والذي أمّلت الأمة أن يتمكن من صد الأمريكان ولو لشهر واحد فلم يفلح وتبخر النظام وأعوانه كما يتبخر الماء وصدق قول الله عز وجل فيهم: )وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيراً( (الأحزاب:14) .

 

فإذا استوعبت تلك المقدمة تبين لنا أن الأمة المسلمة قد تلبست بمرحلة جديدة بالكلية وأن الله عز وجل قد ساقها إلى ساحة فقدت الكثير من معطيات المراحل السابقة وأن الكثير من معالم المرحلة الجديدة قد اتضحت لكن طول العهد بالمراحل السابقة لا يسمح للعقول والنفوس باستيعاب الجديد والتغيير فوقع الناس في السنن: )كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ، يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ( (الأنفال:5-6).

 

ويمكن تلمس معالم المرحلة الجديدة تلمسا دقيقا من خلال الأدوات المنهجية التالية:

§        الأداة المنهجية الأولى: ما قضاه الرب تباركت أسماؤه في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فقد قضى بظهور دينه وإعلاء كلمته: )هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ( (التوبة:33) وقضى عز وجل بالتمكين لحملة لوائه وجنده: )وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ( (النور:55) .

§        الأداة المنهجية الثانية: ما قرره الرسول صلى الله عليه وسلم في سنته المطهرة فقد أوضح للمسلمين ما سيكون إلى قيام الساعة ثم إنه أوضح صلى الله عليه وسلم مراحل الضعف التي سيؤول لها أمر الأمة وبالتالي طرق التوبة والتحول في معادلة الغثائية التي ستحكم أوضاع المسلمين وحدد مسارات المواجهة والتي تتمحور حول الشام ومواجهة الروم الصليبيين.

§        الأداة المنهجية الثالثة: قراءة التاريخ البعيد والقريب سواء في تقلب أحوال المسلمين أو في علاقاتهم ببقية الأمم وما آلت إليه أحوال المسلمين في كل مرة طغى فيها الكفر وتجبر وكيف تكررت سنن الثبات لدى المسلمين كثيرا حتى ثبت ثلاثمائة مجاهد في معركة جنين (ابريل 2002) أمام ثلاثة آلاف يهودي مدجج.

§         الأداة المنهجية الرابعة: ما تحقق من واقع معاصر للمسلمين على أيدي الدعاة والعاملين للإسلام من كل الجماعات والحركات والمستقلين وعلاقة ذلك الواقع المحقق برؤى المشروع الإسلامي منذ أن تأسس حيث حدد سقف المشروع بالخلافة وأساسه بالجيل المؤمن الملتزم ثم فهم وتحديد لموقع المشروع الحالي على مسطرة التمكين من خلال إنجازات الدعاة وجهادهم والتحولات الجذرية في مجتمعات المسلمين.

§        الأداة المنهجية الخامسة: ما ترتب على رؤى وحركة الأعداء الميدانية من نصارى ويهود ومشركين في بلاد المسلمين من هيمنة سياسية واقتصادية وثقافية وما يطورونه من رؤى واستراتيجيات جديدة تتجاوز في سعتها وعالميتها ومكرها من الناحية الظاهرية قدرات المسلمين وواقعهم المبعثر: )وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ( (ابراهيم:46) ومن ثم ما ينبغي وضعه من استراتيجيات في الجانب المسلم للتعامل مع استراتيجيات الكفرة: )وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ( (القصص:6) إذ لا يجوز أن تبتعد حركة المؤمنين عن حركة الكفرة: )وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ( (لأنفال:30) .

§         الأداة المنهجية السادسة: ما أفرزته المناهج العلمية المعاصرة من فنون التخطيط الاستراتيجي وفنون الإدارة خاصة إدارة الأزمات وإدارة الصراع وفنون التحليل السياسي خاصة اتجاهات الموازين الدولية والانكسار في النظام الدولي والفراغات التي ترتبت عليه ومستقبل الصراع على الثروات الاقتصادية إلى غير ذلك من الفنون التي ينبغي توظيفها في الرؤية الجديدة للمشروع الإسلامي العالمي.