·   أولا : الملامح الاستراتيجية والجهادية

 

المقصود بالملامح الاستراتيجية والجهادية تحديد الموجهات الرئيسة في خطة المشروع الإسلامي والتي ستؤدي بإذن الله تعالى إلى كسر الجمود المهيمن على مسيرة المشروع ودفعه إلى مواقع جديدة في حال التزم بها المعنيون من قيادات الحركات الإسلامية ومن الدعاة والعلماء المستقلين وكذلك من عموم أبناء الأمة المسلمة مع العلم بأن هذه الموجهات لا بد وأن تكون مهيمنة على بقية الموجهات والملامح.

 

وسيكون استعراض الملامح الجهادية والاستراتيجية عبر نظريات محددة تلخص وتختصر التصور وتعين على تركيز الأفكار وهي أربع نظريات كما يلي:

النظرية الأولى : نظرية ألوان الطيف

النظرية الثانية : نظرية اختراق الدرع والقلب لاستنقاذ المسجد الأقصى

النظرية الثالثة : نظرية الظهور والعولمة الإسلامية

النظرية الرابعة : نظرية التغيير الشاملــة

 

النظرية الأولى : نظرية ألوان الطيف

منطوق النظرية :

أن تلتقي الاجتهادات الإسلامية المعاصرة على القبول بتنوع ألوان طيف تلك الاجتهادات وسعة الساحات وتكامل المراحل وأن تسعى لتوظيف ذلك التنوع في النهضة الإسلامية المرتقبة خاصة في مساحات ثلاث وبالألوان التالية:

 

مساحة اللون الأخضر أو الفضاء الأخضر: وفيه مسارات الدعوة بتفاصيلها من تربية وتزكية وتعليم ودعوة وإعلام وغيره وهو فضاء الأصل فيه الاستقرار والرسوخ والتفرغ.

 

مساحة اللون البرتقالي أو الفضاء البرتقالي: وفيه مسارات السياسة الشرعية بتفاصيلها من إدارة المجتمع المسلم والنظر في مصالحه الشرعية المختلفة وهو فضاء الأصل فيه الدهاء والدقة والمرونة.

 

مساحة اللون الأحمر أو الفضاء الأحمر: وفيه مسارات الجهاد بتفاصيله من وضع الاستراتيجيات والإعداد وإدارة المعارك بفنونها وهو فضاء الأصل فيه النكاية بالعدو وتشتيته وإرهابه.

 

المرتكزات الشرعية للنظرية:

وهي مرتكزات كثيرة من أهمها ما أمر به الله عز وجل من عدم التفريق بين مبادئ الدين: )وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ( (آل عمران:501) ومن المرتكزات الشرعية لهذه النظرية التحذير الذي حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم من افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة فيخشى أن تتحول ظاهرة الاجتهادات المعاصرة إلى ذلك التفرق والشتات، ومن المرتكزات الشرعية لهذه النظرية أمر الرب تباركت أسماؤه للمؤمنين أن ينفروا لطلب العلم: )وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ( (التوبة:122) ومن الواضح أن أمر النفرة لطلب العلم قد جاء في معرض ذكر الجهاد فدل على تكامل ساحة العلم وساحة الجهاد والأمثلة أكثر من أن تحصى في هذا المجال.

 

جوانب النظرية :

جانب الولاء والبراء : وهو أن يلتقي المسلمون على هذا الأصل العقدي فلا يسمحوا بأن تفرق مصلحة الكفار بينهم ولا يسمحوا للحن المنافقين ولا للفتاوى الرسمية أن تبدد إجماعهم ورؤيتهم وأن ساحات الدعوة والجهاد في أمة الإسلام أصل يوحد ولا يفرق.

 

الجانب التعددي: أن يلتقي الفهم على أن الأصل في الجماعات والاجتهادات الإسلامية هو التعدد وليس العكس كما أن الأصل في مساحات العمل الإسلامي التعدد وبالألوان التي وردت في مقدمة النظرية وعلى قادة الحركات الإسلامية أن يسعوا لبث هذا الفهم في المسلمين وفي أتباعهم.

 

الجانب التكاملي: أن يلتقي الفهم على أن الخطوة التالية بعد التعدد هي التكامل والتعاون وتقاطع الدوائر وأن يكون الفصل بين الميادين والجماعات إنما هو فصل تكتيكي وليس فصلا استراتيجيا وأن يسعى الدعاة لتجاوز عقد الأوطان والقوميات وجوازات السفر حتى يستثمروا كل طاقات الأمة وفي كل الاتجاهات دون قيود.

الجانب الإصلاحي: وهو إقرار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين الجماعات والنصيحة دون التشهير والمصادرة مع أهمية أن تقوم كل الجماعات الإسلامية بإدخال التعديلات الضرورية على بعض اجتهاداتها والتي تؤثر سلبا على التكامل والتعاون دون أن يمس ذلك التعديل بأصل شرعي مجمع عليه.

 

جانب الرشد: وهو أن يعلم كل العاملين للإسلام أن المرحلة مرحلة رشد بإذن الله تعالى أو مقدمة لها والتي هي سمة من سمات الخلافة ومن مقتضيات مرحلة الرشد أن لا يطمع أحد بتكرار الملك العاض ولا الملك الجبري وعليه فإنه لا مكان لإعلاء قبيلة على أخرى ولا قوم على قوم ولا جماعة على جماعة مهما ادعت الصفاء والنقاء أو العلم الخاص أو قدسية المكان وإنما هو الاجتماع والتناصر لكي تكون كلمة الله هي العليا: )يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ( (لأنفال:1) وسوف يختار الله تعالى لأمته رجالا يهبهم القيادة دون أن يطلبوها: )فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ( (البقرة:251) حيث أهَّــلَ الله تعالى داود عليه السلام للقيادة بقتله لرأس الكفر جالوت.

 

الجانب الاختياري: وهو حق الجماعات وأبناء الأمة في الاختيار بين الاجتهادات وحق الاختيار والتنقل بين ساحات العمل من دعوة وسياسة وجهاد دون أن يؤثر ذلك على المسيرة العامة للمشروع الإسلامي كأن يميل الجميع إلى اختيار واحد وكأن تهجر الأكثرية ميدانا لـه الأولوية في وقت معين كأولوية الجهاد في ميادين محددة وفي أوقات معينة ومن مقتضيات هذا الجانب إنزال كل الاجتهادات من موقع الحرمة والقدسية إلى موقعها الحقيقي فكل يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى.

الجانب الواقعي: وهو الإقرار بما عليه الجماعات من واقع عملي واستثمار ذلك الواقع لخدمة المشروع الإسلامي كما ينبغي أن تؤثر المساحات التي تشغلها الجماعات والمبادرات الميدانية لها في موقعها الريادي بين الآخرين.

 

 

النظرية الثانية : نظرية اختراق الدرع والقلب لاستنقاذ المسجد الأقصى

منطوق النظرية:

أن تكون أولوية المصادمة الجهادية موجهة ضد اليهود الذين يمثلون قلب المشروع الصليبي المعاصر ثم ضد الأمريكان الذين يمثلون الدرع الواقي لذلك القلب وإلا فلن يمكن للمسلمين حماية مسجدهم وقبلتهم الأولى ولن يتمكنوا من حماية مكتسباتهم في النهضة التي تحققت مع بداية القرن الخامس عشر الهجري.

 

المرتكزات الشرعية للنظرية :

وهي مرتكزات كثيرة من أهمها إجماع علماء الأمة على أنه إذا دخل العدو أرض المسلمين كان الجهاد فرض عين.

ومنها بيان الرب عز وجل بأنه لولا المدافعة لما أمكن حماية المساجد من الهدم: )الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ( (الحج:40) ومن المرتكزات الشرعية أمر الله تعالى للمسلمين أنه في حال مواجهة العدو في أرض المعركة فلا يحق لهم تركهم وشأنهم: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ( (لأنفال:15).

وبيان الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الطائفة المنصورة إنما تتعلق دائما بالجهاد في بيت المقدس. ومن المرتكزات الشرعية هو حق المؤمنين في الرد على العقوبة والظلم: )أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ( (الحج:39).

 

المرتكزات العملية والواقعية للنظرية :

أول المرتكزات العملية لهذه النظرية هو إعلان أمريكا الحرب على المسلمين تحت مسمى الإرهاب والتهديد العالمي الذي فرضته ضد كل مسلم في الأرض حيث يمكن اتهامه بالإرهاب دون أن يتمكن أي قانون في الأرض من حماية المسلمين من هذه التهمة فهي تهمة ملتصقة بهوية المسلم وعقيدته وأنه لا بد لقادة الحركات الإسلامية في ظل هذه الهجمة الصليبية أن يحددوا استراتيجية التعامل معها ومن المرتكزات العملية لهذه النظرية الإكراه الذي مارسه النصارى طوال القرن العشرين الميلادي لغرس اليهود بين ظهراني المسلمين واستمرار هذه الاستراتيجية على يد الأمريكان وبضغوط أكبر وأشد والإصرار الأمريكي اللانهائي لضمان تفوق اليهود فيما يسمى بمنطقة الشرق الأوسط ومن المرتكزات العملية للنظرية الغطرسة الأمريكية وحلم التفوق العالمي والذي لم يجد الأمريكان مكانا في العالم لممارسته إلا على ظهور المسلمين مما يعطي المسلمين الحق في الرد المباشر على تلك الغطرسة والظلم.

 

جوانب النظرية :

الجانب الأول: حق مواجهة الاحتلال العسكري: وفيه

§       حق المسلمين في مقاومة كل المجرمين المشاركين والداعمين لاحتلال المسجد الأقصى.

§       حق المسلمين في كل مكان في العالم في مقاومة الاحتلال العسكري والتدخل العسكري في بلدانهم.

§        حق المسلمين في استخدام كل ما يمكنهم من وسائل لرفع الاحتلال.

§       حق المسلمين في كل مكان في إعداد المجاهدين لحماية المسجد الأقصى.

§       حق المسلمين في رفع سقف التهديد الجهادي ضد اليهود والأمريكان وذلك حسب تصرفات

§       الأعداء الميدانية فكلما رفع الأعداء تهديدهم جاز للمسلمين أن يواجهوهم بما يتناسب مع تصرفاتهم.

§       حق المسلمين في الانتقال من المقاومة العسكرية إلى التهديد المدني والاقتصادي للأعداء حسب التهديد المدني الذي يفرضه الأعداء على المسلمين في أي مكان في العالم.

§       حق المسلمين في مقاومة كل من يوفر للأعداء دعما مباشرا في المرحلة الأولى أو غير مباشر في المرحلة التالية وذلك حسب أولوية الصراع وتدرجه ورفع سقوفه.

 

الجانب الثاني : عالمية الصراع : وفيه

§       حق الأمة المسلمة في كل العالم أن تشترك في الصراع حسب هذه النظرية لأن حقوقها موحدة ودمها واحد.

§        حق المسلمين في أن يصنعوا السلم لأمتهم من خلال الحرب والجهاد فقد جرب أغلب المسلمين السلم المهين طوال القرن العشرين وبقية الأمم تدفع بأبنائها إلى ساحة الحروب شرقا وغربا.

§        يمكن تقسيم العالم إلى مناطق باردة ومناطق نصف ساخنة ومناطق ساخنة في ظل الصراع الذي يفرضه الأمريكان على المسلمين ومن أمثلة المناطق الساخنة التي فرضها الأمريكان فلسطين وأفغانستان والعراق وأي منطقة يتم غزوها عسكريا.

§        حق المسلمين في تشكيل الجماعات الجهادية صغيرة كانت أو كبيرة وفي كل مكان في العالم ودون انتظار الأوامر من أحد.

§        الأصل في المرحلة الجهادية الأولى استقلال المجموعات الجهادية وتعدد راياتها وذلك طلبا للمرونة العالية.

§        فتح الساحات الجهادية أمام المجاهدين في كل الدنيا بحيث يتعاملون معها وفق المستجدات العالمية والظروف المحلية في توازن وإصرار وتكامل على أن يراعى في تفعيل تلك الساحات أولويات كثيرة تفهم من خلال تكامل النظريات الأربع المطروحة في هذه الملامح.

§        يتم توظيف السياسة دائما لخدمة الجهاد وليس العكس ومن مفاهيم هذا المبدأ أن السياسة يمكن أن تنغلق لبعض الوقت لكن الجهاد لا ينبغي أن ينغلق أبدا.

§        يجوز للمسلمين في ظل المرحلة الاستضعافية التي يمرون بها أن يهادن بعضهم العدو مؤقتا ويضرب البعض الآخر نفس العدو دون هوادة تأسيسا على الواقعة التاريخية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية وبقاء بعض المسلمين خارج إطار الصلح كأبي بصير وأبي جندل وهو واقع ساهم الكفار في إنشائه كما هو واقع المسلمين اليوم عندما ألغى الصليبيون مرجعية المسلمين الأساسية وهي الخلافة وفرضوا مرجعيات لا تعبر عن هذه الأمة العظيمة ولا عن مستقبلها.

§        يتم التركيز في الخطاب السياسي والثقافي الموجه للأمم الكافرة على مدى الظلم الذي يمارسه ساستها على المسلمين ومدى ما يترتب من التعدي على حقوق المسلمين من الإخلال بالأمن في الأرض.

§       تتحدد الخطوط الحمراء والتي تجيز للمسلمين التعامل الجهادي ورفع أو خفض حدة الصراع مع أعدائهم بما يلي :

 الخط الأحمر الأول: التجاوز والمساس بمقدسات المسلمين بدء من المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى وانتهاء بكل مساجد المسلمين في الدنيا.

الخط الأحمر الثاني: المواقف الداعمة لليهود عسكريا وعدم الوقوف على الحياد في معركة المسلمين ضد اليهود أو ضد أي أعداء آخرين كنصارى الفلبين وغيرهم.

الخط الأحمر الثالث: غزو بلاد المسلمين العسكري وفرض الوجود العسكري.

الخط الأحمر الرابع: التدخل السياسي وممارسة الضغوط المختلفة على بلاد المسلمين لفرض الواقع السياسي الموالي للصليبيين واستمراره وعدم ترك المسلمين أحرارا في تحديد خياراتهم ونظمهم السياسية.

الخط الأحمر الخامس: إثارة الفتن بين المسلمين والتدخل لفرض الحروب على بلاد المسلمين من قبل العملاء كما هو حاصل في السودان وإندونيسيا وغيرهما.

الخط الأحمر السادس: استخدام الضغوط والآليات المختلفة لفرض التأثير الديني والتعليمي والثقافي والقيمي الغربي على شعوب المسلمين وعدم تركهم أحرارا لتحديد ممارساتهم العقدية والثقافية.

 

النظرية الثالثة: نظرية الظهور والعولمة الإسلامية

منطوق النظرية:

أن وعد الله المتجدد بإظهار هذا الدين على الدين كله يقتضي سلسلة من السنن التدافعية التي أنبأنا بها العليم الخبير والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وقد بدأت تلك السنن بانهيار النظام العالمي القائم على التوازن الدولي ومشاركة المسلمين المتدرجة في صناعة الواقع الجديد للكون وإدراك كل أمم الكفر للوجود المتميز للمسلمين على وجه الأرض.

 

المرتكزات الشرعية للنظرية :

ومن أهم المرتكزات الشرعية لهذه النظرية هو وعد الله بظهور دين الإسلام: )هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ( (التوبة:33) ومن مقتضيا ذلك الظهور تدرج انتقال المسلمين من حال الذلة إلى حال العزة ومن الانغلاق الشعوبي إلى الانفتاح الأممي، ومن المرتكزات الشرعية لهذه النظرية إذن الله عز وجل ببدء قتال اليهود في فلسطين كما وعد عباده بذلك: )فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً( (الاسراء:5) بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف حول تنزيل هذه الآية على الواقع فثم يهود وقد علو علوا كبيرا وأفسدوا واقع المسلمين بتدخلهم في صناعة ذلك الواقع وثم مسجد تحت أيديهم )وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة( ومن المقتضيات الربانية لذلك العلو والفساد تدميرهم والقضاء على فسادهم مع العلم بأن فساد يهود لم يقف عند ساحات الأمة المسلمة بل تعداها إلى ساحات الأمم كلها في المجال الاقتصادي والأخلاقي مما يجعل مهمة إزاحة اليهود مصلحة دولية، ، ومن المرتكزات الشرعية إذن الله عز وجل بانهيار النظام الدولي بسقوط الاتحاد السوفيتي وبمساهمة إسلامية مباشرة وما نتج عن ذلك السقوط من انهيار الأمم المتحدة والتوازن الدولي الكفري والذي أضر بالمسلمين كثيرا وفي ذلك السقوط تكرار لسنة قضاها الرب عز وجل حيث العلاقة وثيقة بين التحولات في النظام الدولي وبين وراثة المسلمين للأرض.

 

 

 

جوانب النظرية :

الجانب القانوني : وفيه

§        إن أي قانون دولي لا بد أن ينشأ في ظل احترام متبادل بين الأمم ووقوف الأمم عند حدود ذلك القانون وقد مر تاريخ المسلمين المعاصر بمرحلتين المرحلة الأولى هي مرحلة القانون الدولي وتشكل عصبة الأمم ثم الأمم المتحدة وقد أهدرت في تلك المرحلة كل حقوق المسلمين السياسية والاقتصادية واتفقت الأمم النصرانية واليهودية والشيوعية على أن المسلمين ما هم إلا (تركة رجل مريض) يجوز لهم أن يفعلوا بها ما شاءوا ثم جاءت المرحلة الثانية وهي المرحلة الحالية التي تشهد قيام الولايات المتحدة بتجاوز الأمم المتحدة وقوانينها وسقوط هيبة القانون الدولي وإن للمسلمين الحق كل الحق في أن يفرضوا وجودهم العالمي كأمة وبكل الوسائل التي تجيزها قوانين الدنيا وأن يسترجعوا كل حقوقهم المغتصبة وإذا أرادت الأمم أن تقر أي مواثيق دولية فإن المسلمين لن يتأخروا عنها بشرط احترام إرادتهم ووجودهم الدولي.

§        المسلمون يرفضون رفضا كليا الواقع الذي أوجده النصارى في بلاد المسلمين ويرفضون محاولة النصارى تجديد شعار تركة الرجل المريض الذي طبقوه في بداية القرن العشرين والمعاهدات التي استهدفت تمزيق بلادهم وتسخير ثرواتهم كمعاهدة (سيفر) وغيرها وإذا أمعن النصارى في غيهم فللمسلمين الحق في مقاومتهم بكل الأساليب.

§       إن من أهم ما يبطل الاتفاقيات السياسية التي يفرضها أعداء المسلمين على بلدان المسلمين ويضع تلك الاتفاقيات في مهب الريح هو وقوعها تحت الإذعان المبطل لها فكيف يتوقع النصارى واليهود أن تحترم الشعوب المسلمة ما وقعته نظمهم السياسية مذعنة ووقعت تحت دائرته بلا اختيار! ومما يزيد الأمر تعقيدا ويجعل ممثلي المسلمين الرسميين لا يمثلون الأمة المسلمة حقيقة التصعيد الأمريكي بتعيين حكام المسلمين مباشرة كأبي مازن وقرضاي والقائمة طويلة وقد كان المسلمون يرفضون العملية وهي تتم من وراء ستار فكيف وقد هتكت كل الأستار.

§        لقد أعذر المسلمون إذ ذهبوا في التجاوب مع الأوضاع القانونية كل مذهب ولعل أفضل مثال على ذلك التجربة الإسلامية في تركيا حيث تابع قادة الحركة الإسلامية هناك كل مسلك قانوني ولمدة تزيد على ثلاثة عقود دون أدنى فائدة فتركيا الأتاتوركيه لا تطبق قانونا حقيقيا مستقلا وإنما تطبق رؤية نصرانية ويهودية في المقام الأول.

§       وبانهيار الأمم المتحدة سقط الوهم الذي عشعش كثيرا بين المسلمين بإمكانية استخدام قوانين الأمم المتحدة طريقا وحيدا لاسترجاع حقوق الأمة المسلمة فوجب عليهم أن يبحثوا عن الطرق البديلة.

§       لقد داس السلام والتفاهم الدوليان طويلا على جثث المسلمين طوال القرن العشرين ولم يعد هناك من عذر للدول العظمى فقد نقضت بيديها نظامها وسلمها ولم يعد يُسمع إلا لقعقعة السلاح الأمريكي في كل مكان.

 

الجانب السياسي : وفيه

§        كشف انهيار المرجعية الدولية عن زيف استقلال النظم السياسية في العالم الإسلامي وكشف عن مستوى العجز الذي وصلت إليه تلك الأنظمة في الحفاظ على حقوق المسلمين مما يضطر الشعوب المسلمة أن تعمل بما هو متاح لها لا أن تنتظر الوعود الرسمية.

§        كشف انهيار المرجعية الدولية عن مدى استناد النظم السياسية إلى تلك المرجعية وعدم رسوخها بذاتها ومدى خوائها العقدي مما يبشر بقرب سقوط المرحلة الجبرية التي أخبر عنها الرسول صلى الله عليه وسلم في تاريخ الأمة المسلمة.

§        كشف انهيار المرجعية الدولية عن مدى الانهيارات القادمة والمنتظرة في واقع البلدان الإسلامية مما يحتاج معه إلى رؤية واستراتيجية لدى الجماعات الإسلامية وعقلاء المسلمين للتعامل مع هذه الانهيارات ومنها ضرورة التقدم لملء الفراغ والاستعداد لمراحل صعبة وطويلة وفتح الباب لكل الخيارات.

§        كشف انهيار المرجعية الدولية عن مدى تأثير العقائد في العلاقات الدولية ورجوع الأمم إلى منطلقاتها الدينية مما ينبغي أن يعجل بسقوط الشعارات الخادعة التي تسود المسلمين بتأثير العلمانيين والعمل على تعبئة الأمة المسلمة لمواجهة متطلبات التحولات الدولية انطلاقا من دينها وعقيدتها وكتاب ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم.

§        كشف انهيار المرجعية الدولية عن مدى النفاق والدعاية الكاذبة التي تمارسها الأمم النصرانية خاصة أمريكا ضد الأمة المسلمة وذلك بتحميل المسلمين أسباب الصراع الدولي بينما هم في الحقيقة أضعف الأطراف في جميع النواحي وبلغ من أثر تلك الدعاية أن يقف العالم متفرجا عندما قامت أقوى دول العالم بصب حممها على أضعف دولة في الدنيا وهي أفغانستان.

 

الجانب الوطني والقومي: وفيه

§       حقوق الشعوب المسلمة الثابتة تاريخيا وجغرافيا في بلادها وحدودها واستقلالها وممارسة ذلك الاستقلال بلا وصاية ولا انتداب ناهيك عن الاحتلال العسكري والسيطرة المباشرة.

§       حقوق الشعوب المسلمة في استرداد حقوقها المغتصبة من البلاد والثروات واستخدام كافة الأساليب المقررة عالميا في استرداد ما ضاع ونهب.

§       حقوق الأقليات المسلمة في أوساط غيرهم من الديانات والقوميات بالتمتع بحقوق المواطنة الكاملة وإقرار الحقوق الدولية لهم في حال نشوب النزاعات كحق تقرير المصير وغيره.

§       يحق لكافة الشعوب الإسلامية أن تتظافر وتتناصر بكل أشكال التظافر والتناصر لتحصيل الحقوق كما تظافرت الشعوب النصرانية لفصل تيمور الشرقية عن إندونيسيا وكما تتظافر الآن لفصل إقليم آتشيه طمعا في الاستفراد بثروته البترولية.

 

النظرية الرابعة: نظرية التغيير الشاملة

منطوق النظرية:

أن يستصحب المسلمون في هذه المرحلة من تاريخ المشروع الإسلامي كل آليات التغيير قديمها وجديدها بحيث يفتح ذلك أمامهم كل الخيارات وحسب التطورات الميدانية وأن يكون الدفع باتجاه التغيير لا باتجاه التراجع أو الوقوف.

 

المرتكزات الشرعية للنظرية:

والمرتكزات الشرعية لهذه النظرية كثيرة ومنها أن من مقتضيات استجابة المؤمنين لسنن التدافع أن يتجاوبوا مع مقتضيات تلك السنن وأن يسلكوا كل سبلها المتاحة حتى يصلوا للتمكين فقد جاء وصف التدافع في القرآن الكريم بعد وصف مراحل الصراع التي خاضها المؤمنون والسبل التي سلكوها كما قال الله عز وجل: )فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ( (البقرة:251) وإن حصول النتائج التي وردت في هذه الآية للمؤمنين إنما جاء بعد أن عزم المجتمع الممثل للتوحيد في ذلك الوقت على التحول عن الحال التي كانوا عليها: )أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ( (البقرة:246).

 

ومن أهم المرتكزات الشرعية لهذه النظرية أن قعود المسلمين عن مداخلة سنن التدافع سيؤدي إلى فساد كامل لمعيشتهم وذهاب عقيدتهم ولهذا نعى الله عز وجل على المؤمنين رغبتهم في القعود والهدوء: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ( (التوبة:38) ومنها إخبار الرب تباركت أسماؤه بأن الهدوء التام لن يقود إلا إلى زيادة استضعاف ووهن: )وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً( (النساء:75).

 

جوانب النظرية : وهي:

الجانب الأول: الخيارات المفتوحة في نظريات التغيير:

وهو أن تبقى أبواب النظريات التغيرية التي سادت في العقود الماضية مفتوحة على مصراعيها وتلك النظريات هي:

§       نظرية الانقلاب العسكري: وتبقى هذه النظرية كأحد الخيارات الدقيقة والمشروطة بتوفر ظروف محددة لكي يتم تجنب الفساد الكبير الناجم عنها ولكن لا ينبغي منعها منعا كليا ويمكن للجماعات الإسلامية أن تتجنب حساسية التعامل مع هذه النظرية من خلال ترك المسألة للقيادات العسكرية المستقلة من عموم المسلمين والتي يمكنها أن تستثمر أي ظرف سانح وفي ظل تطورات محلية أو إقليمية أو دولية خاصة في ظل الفوضى والانكسارات التي يمكن أن تعم دول العالم الإسلامي وسيكون من أولى مهام هذه النظرية مهمة تحييد الجنرالات المشبوهين المكلفين من قبل الكفار بمنع أي تحول نحو النظام الإسلامي ثم مهمة استخدام الجيوش المسلمة في عمليات التغيير الكبرى أو استخدامها في منع الانهيارات والحروب الأهلية.

§       نظرية الديموقراطية والمشاركة السياسية: وبالرغم من التاريخ الأسود لهذه النظرية في العالم الإسلامي لكن ينبغي عدم إقفال الباب تماما أمامها فهي إما أن تثمر ثمرا حقيقيا وإما أن تموت موتا طبيعيا ولكن من أهم شروط العمل بهذه النظرية الاستقلال التام وفرض الشروط الوافرة والمطالبة بالضمانات الكافية للأداء الديموقراطي لكي تعمل النظرية بشكل صحيح وإلا ففي الساحة وفي الزمن سعة للانتظار الإيجابي ولعل الاستخدام العكسي للنظرية أولى في ظل الأوضاع السائدة وهو أن يمضي المسلمون نحو التموضع في النظام الديموقراطي الحزبي وفي حالة عدم الوفاء بالتعهدات يتم استخدام سلاح المقاطعة وترك النظم تلعب وحيدة وتتحمل تبعات ومسؤوليات الفساد السياسي والاقتصادي وما يلي ذلك من فوضى عارمة، كما ينبغي الحذر من الاستخدام الأمريكي الجديد للديموقراطية في العالم الإسلامي والذي يهدف إلى استخدام بعض الوجوه الإسلامية لتمرير غزوها وسيطرتها.

§        نظرية الجهاد المباشر لكل أنواع الكفرة في الأرض حسب ضغوطهم واعتداءاتهم على المسلمين وتكون الأولوية في هذه النظرية لتوجيه الجهاد نحو الأعداء الأشد إفسادا في بلاد المسلمين وهم اليهود والأمريكان ثم دعم وإسناد بؤر الجهاد المستمرة أصلا والتي ينبغي أن لا تتوقف إلا بتحقيق استقلال وافر للمسلمين كجهاد الفلبين وكشمير والشيشان ثم وفي حال تجدد أية اعتداءات أخرى في نواحي الأرض فإن المسلمين ينبغي أن يواجهوها بما تستحقه كما أن إعداد المجاهدين وتربيتهم واجب لا ينبغي أن يتوقف في أي موقع فيه المسلمون وأول مقدمات الإعداد هو الإعداد الإيماني العقدي والإعداد العلمي ثم الإعداد العملي ويتوجب الإعداد العملي بشكل كبير على من وهبهم الله عز وجل البيئة المناسبة للإعداد كالجبال والصحاري والبحار المفتوحة والجزر والغابات فمن يتأخر عن هذا الإعداد يكون آثما· كما يتوجب في هذه النظرية على المسلمين أن يتوصلوا إلى أفضل وأقوى الطرائق والفنون لحروب العصابات المعاصرة وفي كل البيئات تقليدية كانت أو غير تقليدية كما فعل الشيخ المجاهد أحمد ياسين في فلسطين وكما أدام مسيرة الجهاد في الفلبين الشيخ المجاهد سلامات هاشم رحمه الله تعالى.

§       نظرية إدارة الأزمات والتي سيكون المسلمون في أشد الحاجة إليها في المرحلة الحالية نتيجة لترنح النظام الجبري في بلاد المسلمين وامكانية تتابع السقوط الذي سوف يشبه سقوط أحجار الدومينو  وما سينتج عنه من فوضى وخلل وفراغ سياسي كبير الأمر الذي أدركه الغرب الصليبي فحدد رؤيته للتعامل مع هذا الخلل بتجديد الاستعمار المباشر وتجديد النظم السياسية وإيجاد دول جديدة بعد بعثرة الدول الكبيرة ولكن هيهات أن يتمكن الصليبيون من ترتيب الأمر كما فعلوا في بداية القرن العشرين فقد بدل الله عز وجل الأحوال وأخرج رجالا يحبون الموت كما يعشق الصليبيون الحياة، وعليه فإن الحاجة لفهم معطيات هذه النظرية وإجادة فنونها وتوقع المفاجآت في كل الاتجاهات وعدم التذبذب عند حصول الفتن وإجادة التعامل مع المستجدات والمرونة العالية أصبح كل ذلك ضرورة لجيل الدعاة في هذه المرحلة.

§       نظرية الثورة الشاملة واستخدام الغليان الشعبي لتجميد مفاصل النظم السياسية والتدخلات الخارجية وفرض التحولات الإسلامية خاصة في ظل توقع التحولات الكبرى التي يمكن أن تقع إما بإقدام اليهود على المساس بالمسجد الأقصى أو بارتكاب الأمريكان المذابح تجاه الشعوب المسلمة أو غيرهم من الكفار كالحكومة الهندوسية المتطرفة في شبه القارة الهندية ومن التحولات الكبرى حصول الأزمات الاقتصادية الشديدة والمجاعات نتيجة لسوء إدارة النظم السياسية في العالم الإسلامي وغيرها من الأحداث، وعلى قيادات المسلمين أن تضع الخطط المناسبة للتعامل مع كل تلك الاحتمالات واستثمارها وإن من أهم ما على الدعاة أن يفقهوه في ظل اشتعال الثورات ضرورة أن يوحدوا موقفهم العام وبكل اتجاهاتهم وأن يدفعوا باتجاه التحول الكامل وإلا فسوف يتكرر درس الجزائر الدامي.

 

الجانب الثاني: خيارات الانكسار والفوضى:

وتأتي أهمية عرض ودراسة هذه الخيارات كأحد مستلزمات المرحلة التي قد بدأت فيها بوادر الانكسار والفوضى للنظم والمجتمعات في العالم الإسلامي وحتى لا يقع قادة العمل الإسلامي تحت تأثير خيار واحد فقط أو تحت تأثير مرحلة قد انقضت وقوضت خيامها، مع العلم بأن بعض هذه الخيارات قد تم تطبيقها والبعض الآخر يعتبر إضافة إلى القائمة وتوسيعا لها وذلك حسب الظرف الواقعي والمستجدات، وهذه الخيارات هي كالتالي:

§       خيار الانتظار : حتى تسفر الوقائع والتبدلات عن حال معينة وواضحة يمكن التعامل معها بدلا من خوض المعامع دون فوائد مضمونة وقد تم تجريب هذا الخيار في العراق بالنسبة للحركة الإسلامية  قبيل الإنهيار الكلي لنظام البعث وفي مواقع مختلفة من العالم.

§       خيار التسريع بالانهيار : بحيث يكون لمشاركة الدعاة والمجاهدين أثرها الواضح والمؤثر في إسقاط النظم المتداعية أو الانتقال من مرحلة الهيمنة للنظم المتجبرة إلى مرحلة الحلحلة وتنفس الصعداء وفسح مجالات واسعة أمام الدعوة والعمل الإسلامي ولكن ينبغي أن لا تكون تلك المشاركة منفردة ووحيدة وقد تم تجريب هذا الخيار في اليمن عندما ساهم الدعاة في إسقاط النظام الشيوعي في بداية التسعينيات من القرن العشرين وكذلك عندما أسهم الدعاة في إندونيسيا بتسريع سقوط طاغيتها سوهارتو ولهذا الخيار شروطه ومنها التمكن والوضوح وعدم الانفراد.

§        خيار فوائد الرمق الأخير : وهو أن يتقدم الدعاة بنوع من المقاربة الحذرة من النظم المتداعية بغية تحقيق بعض الفوائد والإيجابيات المحدودة في الميادين المختلفة وقد تتطور تلك المقاربة فترتفع نسبة الفوائد منها ومن أهم الفوائد التي يمكن التطلع إليها فسح المجال للدعوة والتأثير العام كما فعل الشيخ حسن الترابي بمصالحته مع نظام النميري في أواخر سبعينيات القرن العشرين.

§       خيار البديل الإسلامي : وهو من أدق وأخطر البدائل لأنه يفرض على الدعاة حسابات دقيقة ومراعاة لظروف محلية ودولية ولكن ينبغي أن لا يغرق الدعاة في تلك الحسابات على حساب المسار الجهادي الذي قد يعتقد البعض أن بالإمكان اختزاله بالتحول السهل إلى البديل الإسلامي في مجال الحكم دون المرور بمرحلة المدافعة.

§        خيار البديل المختلط : وهو أن يقبل الدعاة بمرحلة انتقالية في ظل الفوضى والانكسار للنظم السياسية تسمح بتعاون الدعاة مع ألوان طيف التشكل الاجتماعي والسياسي بشرط إعلاء رؤية إسلامية واضحة أو الحدود الدنيا منها على الأقل مع الحرص على الضمانات العامة لتوزان المرحلة وعدم تحولها إلى ملك جبري آخر.

ومما ينبغي فهمه في ظل استخدام تلك الخيارات في التعامل مع الانكسار والفوضى هو عدم البكاء على أطلال تلك النظم سياسية كانت أو عسكرية أو اقتصادية أو تعليمية أو غيرها فقد ارتبطت بمرحلة فساد أوصل المسلمين إلى ما هم عليه ثم إن المرحلة مرحلة هدم ولا ينبغي أن تختلط بمرحلة البناء فلكل وقته وسماته.

 

الجانب الثالث : الاستعداد لكل التحولات والاحتمالات في العالم الإسلامي:

فإن الأعداء قد فتحوا الخيارات على مصراعيها في التعامل مع العالم الإسلامي سواء فيما يخص الصراع العالمي على ثرواته أو منع التحولات الإسلامية فيه أو استخدامه كساحة مفتوحة لمختلف تجاربهم الثقافية والاستعمارية، وعليه فإن تحديد وفهم التحولات والاحتمالات وتصورها سوف يهيء أجيال المسلمين عقليا ونفسيا للتعامل العملي معها ، وإن كل احتمال ينبغي أن يقابله استعداد يلائمه كما يلي:

§        الاستعداد للتعامل مع السياسة الأمريكية في استخدامها الغزو المسلح لأراضي المسلمين كمدخل للهيمنة الدولية وتحول الغزو إلى وجود عسكري دائم وهي مسألة مرشحة للازدياد لكي تشمل مواقع مختلفة في العالم الإسلامي خاصة بعد سقوط العراق.

§        الاستعداد للتعامل مع زيادة معدلات الغزو الصليبي من بقية النصارى في العالم واستخدامهم القوة مجددا في إخضاع المسلمين تحت مبررات الصراع الدولي ومبررات التحولات الإسلامية وحفظ الاستقرار والسلم وذلك من قبل كل الدول الصليبية على اختلاف ما بينها ففرنسا يمكنها غزو الجزائر مجددا واستراليا تهدد إندونيسيا بالتدخل العسكري جهارا نهارا وقد حدث ذلك جزئيا عند فصل تيمور الشرقية وروسيا تقتل المسلمين ليلا ونهارا في الشيشان وهكذا.

§       الاستعداد للتعامل مع الغزو الهندوكي لباكستان وزيادة الإيذاء الموجه للمسلمين الهنود مع إمكانية استخدام الصليبيين للهنادكة ضد أجزاء من الجزيرة العربية كما استخدمهم الإنجليز في القرون السابقة.

§        الاستعداد لغزو صيني بوذي لآسيا الوسطى في حال استمرت وتيرة الصراع الدولي باتجاهاتها الحالية وفي ظل زيادة معدلات الانهيارات الاقتصادية في العالم حيث ستكون ثروات المسلمين في تلك البلاد محلا للصراع العسكري بين القوى الدولية.

§       الاستعداد للتعامل مع سياسة استخدام المخالب الإقليمية لتخريب البيئات المهيأة للنمو الإسلامي كما حصل في السودان باستخدام إرتريا تارة وإثيوبيا تارة أخرى وكما حصل في الصومال باستخدام إثيوبيا مع توسيع رقعة الحرب والتدخل.

§       الاستعداد للتعامل مع سياسة إغراق المجتمعات الإسلامية بالحركات الانفصالية والحروب الأهلية والحركات العرقية وتغذيتها عن كثب خاصة في البلاد الكبيرة والواسعة كإندونيسيا والجزائر ونيجريا وغيرها.

§       الاستعداد للتعامل مع الحصار الاقتصادي الذي يمكن أن تفرضه أمم الكفر على الشعوب المسلمة كما حدث في العراق بما زاد عن عقد التسعينيات من القرن العشرين وأن لا يبتئس المسلمون من ضيق الحالة الاقتصادية فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخش على أمته الفقر أبدا.

§       الاستعداد لاستثمار أية تحولات إيجابية في واقع المجتمعات المسلمة والدفع بتلك التحولات إلى أقصى مواقع الاستثمار.

§       الاستعداد لاستثمار أية تحولات في المعادلة العالمية لصالح المشروع الإسلامي كنشوب الحروب بين رؤوس الكفر.

 

الجانب الرابع : تطبيق أقصى ما في الوسع الإسلامي للتعامل مع الأخطار الكبرى المهددة لمسيرة المشروع الإسلامي ومنها:

§       استثمار واقع الهجرة التي عليها كثير من المسلمين لتفعيل طاقات المهاجرين ودفعها باتجاه الحرية والمشاركة الفاعلة في إسناد وحدات المشروع والحذر من الوقوع في أسر البيئات الجديدة التي التحق بها المهاجرون أو الذوبان خاصة بالنسبة للعلماء والمجاهدين والمبدعين في شتى العلوم والفنون.

§       اعتماد مبدأ الهجرة الاختيارية والانتقائية للطاقات الفاعلة من العلماء والاستشاريين والفنيين والمجاهدين والذين تحتاجهم وحدات المشروع الإسلامي وأن يتم ذلك بمرونة عالية وأينما يتطلب الإسناد في العالم على أن تستصحب نية الذهاب بلا عودة والاستقرار في أي مكان ينفع الله بهم وإلا بقي المشروع حبيسا للحالات المجزأة والمنغلقة في الأمة.

§       كسر كل الحدود التي تحول دون تواصل الأمة وتعاونها خاصة في القضايا الكبرى كأن يتعاون شعبان أو أكثر على قضية مشتركة ومتداخلة وألا تحول الحدود السياسية والجغرافية دون ذلك التعاون وكأن تندمج أو تتحد جماعتان أو أكثر من الحركات الإسلامية، ومن تطبيقات هذا المبدأ هو كسر الحدود الجغرافية والجوازات وكسر الالتزام بالنظم التعليمية للأجيال الصاعدة من أبناء الأمة عند الحاجة لذلك، وكسر التعلق بالوظائف والرواتب وتوفير جنود الاحتياط مهما اتسعت ساحات الجهاد ومتطلباته لمواجهة التهديدات وتوسيع قدرات الاحتواء والتعامل إلى غير ذلك من أشكال تطبيق هذا المبدأ.

§       اعتماد مبدأ محاور الارتكاز الجغرافية وتكامل كل محور في أدائه الدعوي والجهادي بحيث يستوعب كل محور الجماعات الإسلامية المبثوثة في ساحته وطاقات المسلمين عموما وتتشكل المحاور الإرتكازية وفق الأقاليم التالية: محور جنوب شرق آسيا، محور آسيا الوسطى وإيران، محور شبه القارة الهندية، محور تركيا والقوقاز، محور دول البلقان وأوروبا الشرقية، محور الجزيرة العربية والعراق، محور مصر والشام، محور شمال إفريقيا، محور السودان ووسط إفريقيا، محور غرب إفريقيا، محور القرن الإفريقي، محور أوروبا الغربية، محور أمريكا وكندا، محور أمريكا الجنوبية.

§       اعتماد مبدأ المرونة الكلية في التعامل مع مستجدات المرحلة وشدتها من الاستعداد لتخفيض السقوف العامة للأداء الدعوي والسياسي ومن عزل بعض بؤر ووحدات العمل الإسلامي ومن حضانة بعض الأجنة الدعوية والجهادية بعيدا عن أعين الأعداء ومن القبول بظاهرية تناقض المواقف وتنوع الصور في الأداء التغيري ومن رصد الثغرات عند الأعداء لاستثمارها في الوقت المناسب إلى غير ذلك من أشكال المرونة دون أن تصل المرونة إلى فقد الاتجاه أو موافقة الكفار على نزع السلاح: )وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً( (النساء: 102).

§        اعتماد مبدأ تشتيت الأمم الغازية ومشاغلتها في حال بلغت التحديات والتهديد درجة كبيرة وواسعة وذلك من خلال تكثير وتوسيع جبهات المواجهات المسلحة في العالم كله.

§        العمل الدائم على رفع روح الجهاد والمقاومة في كل الشعوب المسلمة أينما وجدت على وجه الأرض دون مواربة ولا إنقاص من مفردات المنهج الإسلامي في هذا المجال وحث المسلمين على السعي الدؤوب نحو امتلاك السلاح كبيره وصغيره قديمه وحديثه وتعلم فنونه كلها في القرى والمدن على حد سواء مع استثمار الصحاري والأرياف والغابات والجبال والجزر في زيادة معدل الأداء في هذا المبدأ.

§        توسيع مجال استخدام القنبلة الذرية الإسلامية وهي العمليات الاستشهادية خاصة عند ارتفاع وتيرة التهديد من قبل أمم الكفر وانتهاك الحرمات أو الاقتراب من المسجد الأقصى، وفي هذا السبيل يقتضي الموقف أن يذهب المسلمون كل مذهب فرادى وجماعات في تعلم فنون صناعة الموت هذه والتي هي في الحقيقة صناعة للحياة ولمستقبل الأمة وأن لا ينتظروا أوامر من أحد سواء في التخطيط أو في التنفيذ وإنما وحده الموقف العام ومعطياته وفساد الكفرة الذي يحدد المؤشر العام للاستشهاديين كما هو الحال في فلسطين الآن.

§        اعتماد مبدأ التكامل بين معطيات المشروع العالمي وقضاياه الرئيسة وبين الأوضاع القطرية والإقليمية بحيث تستثمر المعطيات العالمية لتسريع وتحسين أداء الوحدات القطرية والإقليمية كما ينبغي أن تشترك كل الوحدات القطرية والإقليمية في توفير المتطلبات لمعطيات المشروع العالمي من طاقات بشرية ودعم معنوي ومادي وتحمل تبعات الدعم.

§       اعتماد مبدأ التركيز على معارك كبرى وتوقيتها بحيث يكون الاهتمام والدعم منصبا في كل فترة من الزمن على معركة أو ثلاث معارك كبرى فقط ثم الانتقال إلى غيرها حسب التحول في الموقف العام مع إبقاء معركة فلسطين مشتعلة على الدوام.

§        تطوير وترسيخ مبدأ الاحتجاج الشعبي العام في كل العالم الإسلامي وأينما وجد المسلمون وذلك مقابل أية ضغوط وتدخلات أو إفساد تجاه قضايا الأمة حتى يصل المسلمون إلى مستوى الإضراب العام العالمي والتظاهر العارم في بعض المراحل الحساسة.

§        اعتماد مبدأ طول النفس في إدارة المرحلة ولو استهلك ذلك خمسين سنة قادمة أو قرنا كاملا فإن هذه المرحلة إنما تؤسس لنهضة عالمية وخلافة راشدة ولن يكون ذلك في يوم وليلة.

§        اعتماد مبدأ استعادة وترسيخ المصطلحات الشرعية الإسلامية والتعامل بها في أوساط المسلمين وعدم الهروب منها كمصطلح الجهاد ومصطلح الإرهاب الذي أثبته الله عز وجل في كتابه إلى يوم القيامة: )وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ( (الأنفال:60).