·        ثانيا : ملامح القيادة والمرجعية

 

إن الأمة قد طال انتظارها وشوقها وهي تقلب وجهها في السماء متأملة ومتطلعة للقيادة المسلمة التي ستتولى الإبحار بسفينة المسلمين في هذه المرحلة الدقيقة والحاسمة من تاريخها المعاصر للوصول بها إلى ما قضى به الرب تبارك وتعالى من ظهور لهذا الدين وتمكين وبلوغه ما بلغ الليل والنهار وعندها أي عند ظهور القيادة المؤهلة فسوف تهوي إليها قلوب أجيال المسلمين وتعطيها صفقة يدها وثمرة فؤادها وتضع الأرواح رهن إشارتها في المشرق والمغرب وإنه ليوم نصر وفتح فإن دور القيادة المسلمة أن تتابع أداء التكاليف الكبرى التي وكلت للأمة المسلمة في الأرض: )هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً( (الفتح:82) .

 

ولعل أخطر ما سوف تطلع به تلك القيادة والمرجعية أن تنظر في المصلحة العليا للمسلمين فتحدد خياراتها الكبرى وفق ما حدده المنهج القرآني والسنة المطهرة فتنير واقع الأمة بتلك الخيارات وتفتح آفاق المستقبل وتتقدم المسلمين فترداد لهم الطريق وتعطي من نفسها ما أوجبه الله عز وجل على القيادة المؤمنة: )لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ( (التوبة:821) وعندما تزدحم الخطوب تكون هي في مقدمة الصفوف لا في مؤخرتها وقد خرج الإمام مسلم في الصحيح عَنْ أَبِي إِسْحَقَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْبَرَاءِ فَقَالَ أَكُنْتُمْ وَلَّيْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ يَا أَبَا عُمَارَةَ فَقَالَ أَشْهَدُ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا وَلَّى وَلَكِنَّهُ انْطَلَقَ أَخِفَّاءُ مِنَ النَّاسِ وَحُسَّرٌ إِلَى هَذَا الْحَيِّ مِنْ هَوَازِنَ وَهُمْ قَوْمٌ رُمَاةٌ فَرَمَوْهُمْ بِرِشْقٍ مِنْ نَبْلٍ كَأَنَّهَا رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ فَانْكَشَفُوا فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ يَقُودُ بِهِ بَغْلَتَهُ فَنَزَلَ وَدَعَا وَاسْتَنْصَرَ وَهُوَ يَقُولُ أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ اللَّهُمَّ نَزِّلْ نَصْرَكَ قَالَ الْبَرَاءُ كُنَّا وَاللَّهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ نَتَّقِي بِهِ وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِي بِهِ يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رقم الحديث 3326.

 

وفي هذه الملامح سوف لن أتوقف عند المرتكزات الشرعية التي توجب تنصيب القيادة والمرجعية عند المسلمين ففي المتون والبحوث ما يغني عن ذلك ولكني سأحاول أن أجيب على الأسئلة التالية:

هل حان الوقت للبحث العملي حول موضوع القيادة والمرجعية؟

هل من خطوط عريضة وبرنامج عملي لتحقيق هذا المطلب؟

كيف نوفق بين التناقضات الكثيرة التي تحول دون هذا المطلب؟

كيف ستعمل تلك القيادة في حال تمكن المسلمون من إيجادها؟

 

وسوف تكون الإجابة على تلك الأسئلة من خلال المفردات التالية:

 

أولا : المرتكزات العملية حول ضرورة القيادة والمرجعية

ثانيا : الصور والنماذج التي يمكن أن تبدو بها القيادة والمرجعية

ثالثا : الآفاق والواجبات التي سوف تقاربها القيادة والمرجعية

رابعا : المراحل الكبرى لتشكل القيادة والمرجعية

خامسا : الضوابط والسياسات لنجاح التشكيل القيادي والمرجعي


 

 

أولا : المرتكزات العملية حول ضرورة القيادة والمرجعية

وتبدو الحاجة ماسة للبدء في وضع اللمسات العملية الأولى والأسس النظرية التي سوف تتبلور على ضوئها القيادة والمرجعية للمسلمين بإذن الله تعالى ومن أسباب ذلك إضافة إلى الفريضة الشرعية:

§    خلو ساحة المسلمين من قيادة ومرجعية معتبرة يمكن أن تقوم بدور الموجه والراعي للأمة المسلمة وما ترتب على ذلك من مفاسد وتنازع بين الاجتهادات المختلفة.

§    استقطاب الكفرة للمرجعيات الرسمية والسيطرة عليها ووضعها في الساحة الخلفية لمشاريعهم ورؤاهم وتوظيفها التوظيف الاستسلامي الذي يحول دون قيام المسلمين بأي خطوة لحماية دينهم ومقدساتهم وتطوير مشروعهم الإسلامي مما أوضح بجلاء مستوى التفريط الرسمي في مصالح الأمة.

§       بلوغ مشاريع الكفر مرحلة تهدد أصل الإسلام ووجود المسلمين ومقدساتهم ورغبة أمم الكفر العارمة وعلى رأسهم اليهود والنصارى في تبديل أصول الدين وإجبار المسلمين ببرامج عالمية على القبول بكل ما يرغب به أولئك الكفرة.

§       النضج العلمي والعملي الذي بلغه المسلمون من خلال المدارس الدعوية المختلفة والتجارب التي خاضوها والتي تؤهلهم لدفع شريحة واسعة ومباركة من العلماء والمجاهدين والخبراء من جميع الدول المسلمة لتشكيل أرضية صلبة وصولا إلى القيادة والمرجعية العالمية.

§       الخبرات والرموز التي قذفتها الساحة الجهادية في واقع الأمة خاصة في فلسطين ومستوى التأهيل العالي الذي يميز قيادات هذه الساحة وما سوف يخرج من رجال وقادة في ساحات جهادية مستجدة بإذن العلي القدير.

 

ثانيا : الصور والنماذج التي يمكن أن تبدو عليها القيادة والمرجعية

وتعتبر الصور والنماذج التي يمكن أن تبدو بها القيادة والمرجعية مدخلا أساسيا لفهم أشكال التطبيق القيادي والمرجعي التي يمكن أن تتاح للمسلمين سعيا لتطابق تلك الصور والنماذج مع الحاجة العملية للأمة في هذه المرحلة ودفعا لتشكل طبيعي ومتدرج للصور والنماذج المثالية وحتى تخضع الخلايا القيادية الأولية لممارسة ميدانية تكشف إمكاناتها وتزيد من خبراتها وتعدها للمراحل التالية.

ويمكن تقسيم الصور والنماذج القيادية والمرجعية إلى عدة مسارات حسب العامل الرئيس الذي يتحكم في تشكيلها وبلورتها كما يلي:

 

 

النموذج الأول : النموذج القطري

وهو أن تتشكل نواة ومرجعية على مستوى القطر المحدد وهي إما أن تكون على أساس الجماعات والحركات أو المؤسسات الإسلامية أو تكون على أساس العلماء والخبراء المستقلين أو تكون خليطا من الأساسين السابقين كما أنها إما أن تكون سرية أو تكون معلنة حسب تقدير وظروف كل قطر وتتولى هذه النواة النظر في مصالح الدعوة والأمة معا في القطر المحدد.

 

ومن نماذجه المطبقة ما تم اعتماده من لقاء للعلماء وقادة الحركات الإسلامية في الجزائر إبان الانهيار الشيوعي في بداية التسعينيات من القرن العشرين ولكن انفراط عقد ذلك اللقاء حال دون استثماره استثمارا جيدا ومنه ما دعت إليه الجماعة الإسلامية من تجمع في باكستان إبان الهجمة الصليبية الأمريكية على أفغانستان عام 2001م.

 

النموذج الثاني : النموذج الإقليمي

وهو نفس النموذج السابق ولكنه يتسع لكي يشمل إقليما كاملا ويضاف إلى أسس تشكيله الأساس القطري أي أن يتشكل من مجموعة من العلماء والخبراء من دول الإقليم.

ومن نماذجه اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا.

 

النموذج الثالث : النموذج العالمي

وهو أيضا يشابه النموذج الإقليمي ويتسع لكي يشمل دول العالم الإسلامي والأقليات الإسلامية ويمكن أن يكون فيه التمثيل على أساس جماعات وحركات أو مؤسسات إسلامية أو على أساس علماء وخبراء مستقلين أو على الأساسين معا.

 

ومن نماذجه المطبقة التنظيم العالمي للإخوان المسلمين والذي يضم قيادات الإخوان في العالم ومنه ما دعا إليه الدكتور حسن الترابي من لقاء عالمي للحركات الإسلامية إبان التغيير السياسي الإسلامي في السودان في نهاية الثمانينيات من القرن العشرين ومنه ما دعا إليه الإخوان المسلمون من إعلان أو بيان عالمي للعلماء وقيادات الحركات الإسلامية صدر في أكثر من مناسبة ومن نماذجه ما دعا إليه بعض قيادات الحركات الإسلامية والمستقلون في المملكة العربية السعودية من إعلان عالمي لتجمع بعيد الغزو الصليبي الأمريكي للعراق عام 2003م.

 

النموذج الرابع : النموذج التنسيقي

وهو أن يكون التنسيق والاتفاق العام المفتوح هو الأساس الذي تلتقي عليه الجهات المكونة لهذا اللقاء فلا إلزام إلا الإلزام الأدبي والمعنوي وتحت مستوى معين من التفاهم والأهداف المشتركة.

 

ومن نماذجه ما دعت إليه حركة حماس المجاهدة في فلسطين من لقاء فصائل الجهاد إبان الانتفاضة المباركة خاصة بعيد الاختراق اليهودي للصف الفلسطيني وإعلان أوسلو عام 1992م.

ومن نماذجه ما دعا إليه الإخوان المسلمون من تنسيق وتفاهم بين كبرى الحركات الإسلامية في العالم وهي الإخوان المسلمين وحزب الرفاه التركي والجماعة الإسلامية في باكستان.

 

النموذج الخامس : النموذج الاندماجي

وهو أن يكون الاندماج الكلي أساس اللقاء بين الجهات المكونة له وولادة تجمع جديد بخصائص جديدة أو مكملة لما كانت عليه الأطراف المشاركة من قبل.

 

النموذج السادس : النموذج الجهادي :

وهو أن تكون ساحة الجهاد أساسا لتشكل القيادة والمرجعية حيث يتوافر لهذا النوع من المرجعية من الخبرات والالتفاف الجماهيري ما لا يتوافر لغيرها من المرجعيات.

 

وقد شهدت ساحة أفغانستان من قبل ولادة هذا النوع من القيادات كالشيخ عبدالله عزام رحمه الله تعالى وغيره.

 

النموذج السابع : النموذج الشرعي

وهو أن يضم هذا النموذج كوكبة من العلماء الشرعيين ذوي الإمكانات العالية في التخصصات الشرعية المختلفة بشرط الاستقلال والقدرة على التصدي للقضايا الكبرى في الأمة سواء كان هذا التجمع من خلال مؤسسات شرعية كالجامعات والمعاهد أو كان بشكل فردي، وهو نموذج يمكن تطبيقه على المستوى القطري أو الإقليمي أو العالمي.

ومن نماذجه رابطة الدفاع عن المسجد الأقصى وغيرها.

 

 

النموذج الثامن : النموذج التخصصي والاستشاري

وهو أن يضم هذا النموذج كوكبة من المتخصصين في علم واحد أو مجال خبرة محددة كالسياسة أو الاقتصاد أو القضاء وحتى الشعر والآداب بحيث يلعب هذا النموذج دورا مساندا للأداء القيادي والمرجعي كالدور الاستشاري وأن يدفع بالقدرات الفردية إلى مجال القيادة والبروز العالمي، وهو نموذج يمكن تطبيقه على المستوى القطري أو الإقليمي أو العالمي.

 

ومن نماذج تطبيقه مراكز البحوث والدراسات والمراكز الإعلامية والروابط العلمية والتخصصية الاستشارية.

 

النموذج التاسع : النموذج القيادي والمرجعي الرمزي

وهو النموذج الذي يعتمد على القيادات الفذة السياسية والجهادية والعلمية التي تتبوأ مواقعها من خلال أدائها المتميز وتفوقها الذي يشهد به الجميع حيث يمكن استثمار الإجماع والالتفاف الذي يتوافر لهذه القيادات في إصدار الفتاوى وتحديد المواقف من القضايا الكبرى والمستجدات كما يمكن تكوين مرجعية دولية مصغرة من هؤلاء في الحالات العالمية الخطيرة والتي تمس مقدسات المسلمين ومصالحهم الكبرى.

 

ومن القيادات العالمية الفذة ما تمثل في الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله تعالى والشيخ يوسف القرضاوي والشيخ المجاهد أحمد ياسين والشيخ عبدالمجيد الزنداني والشيخ قاضي حسين في باكستان والمهندس نجم الدين أربكان في تركيا وغيرهم.

 

النموذج العاشر : نموذج الإعلان العالمي:

وهو أن تتفق كل فعاليات المسلمين من جماعات وعلماء وهيئات ومؤسسات على كلمة سواء تجاه أي قضية كبرى تمس كيان الأمة المسلمة فإما أن تعطي فتوى أو تزيد عليها بدعوة عملية لكل أبناء المسلمين لكي يتحركوا باتجاه محدد.

ومع وجود بعض المحاولات باتجاه هذا النموذج لكنه لم يلق التجاوب التام من المسلمين وعلى الفعاليات المسلمة أن تسعى نحو وضع البنية التحتية التي تسمح بممارسة هذا الموقف وأن لا تنتظر وقوع التحولات الكبرى لتفعيله خاصة عند المساس بالمسجد الأقصى أو ما شابه من اعتداء على حرمات المسلمين.

 

وعلى القيادات الإسلامية والمنظرون أن يبقوا الباب مفتوحا أمام الإضافات والإبداع في قائمة النماذج والصور وكذلك دمج بعض النماذج حسب الحاجة الميدانية والتطورات.

 

ثالثا : الآفاق والواجبات التي سوف تقاربها القيادة والمرجعية

نظرا لحساسية وشدة المرحلة التي تمر بها الأمة المسلمة فإن الآفاق والواجبات التي سوف تقاربها القيادة والمرجعية المفترضة لن تكون مجرد قائمة بالواجبات المعروفة والتقليدية المنوطة بأي قيادة شرعية للمسلمين بل هي آفاق وواجبات دقيقة متعلقة بطبيعة المرحلة في المقام الأول ومن أعجب ما في هذه الآفاق هو حاجة القيادة والمرجعية ذاتها لمرحلة من الحضانة والنماذج التجريبية وزرع لمنظومة من القيم في الساحات القيادية تسمح بولادة قيادة حية فاعلة وغير معوقة يمكنها من التعاطي مع واقع المسلمين وآمالهم بتميز وفاعلية تليق بظهور الدين وانتصار الحق.

وتتمثل الآفاق والواجبات التي سوف تقاربها القيادة والمرجعية بما يلي:

§        أن يجتهد عموم القادة من الدعاة والعلماء وقيادات الحركات الإسلامية والمستقلون في بذل الجهود العلمية والعملية لبث وغرس منظومة القيم الشرعية الجديدة في الساحة القيادية وعلى كل المستويات القطرية والإقليمية والعالمية وفي حال نجاح عملية غرس تلك المنظومة فإنها ستلعب بإذن الله تعالى دورا في فتح الباب للدفع بالقيادات العالمية والمرجعية الإسلامية دون أن تعوقها القيم القديمة، وفيما يلي بعض مفردات المنظومة الجديدة:

-    فرضية التعاون والتواصل بين الجماعات الإسلامية والعلماء.

-  لا تناقض البتة بين التعددية الإسلامية في الاجتهادات والانتماءات وبين ضرورة التوحد والاعتصام فكل مبدأ يمكن تطبيقه في ظل المبدأ الآخر.

-  لا يمكن للمشروع الإسلامي أن يتقدم بلا إقرار للتعددية السياسية في المسلمين والتي تقر بمصالح الفئات التي نذرت نفسها لخدمة الدين كالجماعات والأعراق دون خدش للأخوة الإسلامية ولا تقديم للمصلحة المحدودة على المصلحة العامة للأمة كما كان ذلك في المهاجرين والأنصار وقبائل العرب.

-    المبادرة وعدم الانتظار لتحقيق التعاون والتواصل.

-    تخفيف حدة الشارات والرايات والانتماءات عند مباشرة التعاون.

-    تقديم الأكبر والأعلم والأسبق والمجاهد لإدارة وقيادة التعاون.

-    التسابق والتنافس على الفوز برضا الخالق لا على الوجاهة والصدارة.

-    الأصل عند المسلم الزهد في القيادة والإعراض عن الرئاسة ودفعها ما أمكن ثم أخذها بحقها إذا تعينت.

-    لا بد من التمييز بين الإدارة والقيادة والمرجعية فقد تجتمع في شخص وقد تفترق والأفضل في المراحل الأولى تفريقها.

-    اعتماد مبدأ التداول القيادي في كل المستويات.

-  لا بد من التمييز بين قيادة التمهيد والإعداد وقيادة الميدان الحقيقية التي تنبع من مباشرة الخطوب وتفتق العقول عن خطط كخطط عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح  وخالد بن الوليد رضي الله عنهم ففي المرحلة الأولى يقبل كل ملتحق وفي الثانية ينزّل الرب تباركت أسماؤه النصر على من يشاء من عباده.

-  القيادة ليست قاصرة على الانتماءات الحزبية على فضلها ففي أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الطاقات والقدرات ما لا يعلمه إلا الله سبحانه.

-    ضرورة التمييز بين فضل العلم والعلماء وبين من يصلح من بينهم للريادة والقيادة واتخاذ القرارات الحاسمة.

-    إدارة الخلاف هي القضية المتعينة في المستوى القيادي لا منع الخلاف ولا الهروب من ساحته.

    - لا يشترط على الدوام الإجماع على القضايا الاجتهادية وإن كان ذلك أفضل فقد يتبين الخير بعد حين كما حدث في خلاف بعث جيش أسامة رضي الله عنه في أول عهد الصديق رضي الله عنه.

-    تحصيل الخير للمسلمين مقدم على تحصيله للفئات والتجمعات الخاصة.

§        ومن الآفاق والواجبات التي سوف تقاربها القيادة والمرجعية في المراحل الأولى الدور التقعيدي والتنظيري للأداء القيادي والمرجعي محدودا كان أو عالميا إذ لا بد من بذل الجهود العلمية والمتخصصة الوافرة والتي ستجعل الأداء القيادي والمرجعي يعتمد على خلفية جزلة من النظر والتقعيد في المجال الشرعي والسياسي والجهادي والإداري والقانوني وغيره حتى يصل الأمر إلى مستوى من الرسوخ الذي تستقر به الممارسة العملية ولا تهتز لأدنى خلاف داخلي أو ضغط خارجي أو اشتعال المعارك الكبرى مع العدو.

§         ومن الآفاق والواجبات التي سوف تقاربها القيادة والمرجعية في المراحل الأولى تشجيع التخطيط الاستراتيجي العالمي واستخراج أفضل ما عند المسلمين من عقول وخبرات عالمية والتي يمكنها أن تخرج من أسر الوحدات المكونة للمشروع العالمي لكي تنظر النظرة العالمية وتكتشف معادلة العلاقة الدولية بين تلك الوحدات وتوظف طاقات المسلمين وجهادهم المعاصر في منظومة فريدة وخطة محكمة يصاول بها المسلمون مكر اليهود والنصارى والمشركين في الأرض ويعبرون بها المرحلة الجبرية إلى مرحلة الرشد والخلافة.

§         ومن الآفاق والواجبات التي سوف تقاربها القيادة والمرجعية البدء في تبني الاستراتيجية العالمية للتعامل مع الوضع الدولي الذي يمر به المسلمون ودفع القناعات بها في أوساط الأمة عبر إخضاعها للحوار الخاص والعام.

§       ومن الآفاق والواجبات التي سوف تقاربها القيادة والمرجعية تحديد الخيارات المتاحة أمام المسلمين فيما يخص أنساق الهياكل التعبوية والقيادية والتخصصية التي سينتظم فيها الأداء الدعوي والسياسي والجهادي على جميع المستويات المحلية والإقليمية والعالمية وعلاقة تلك الهياكل بشعوب العالم الإسلامي والجماعات الإسلامية فيه وغيرها من الطاقات والمؤسسات.

§       ومن الآفاق والواجبات التي سوف تقاربها القيادة والمرجعية تحديد خيارات الممارسة الشورية ومستوياتها وهياكلها وتشكل دوائر أهل الحل والعقد وفرز مواقع الإلزام الشوري من مواقع الإعلام الشوري وتطوير قيم الممارسة الشورية والنقابية في أوساط المسلمين في العالم.

§       ومن الآفاق والواجبات التي سوف تقاربها القيادة والمرجعية دراسة البدائل الفنية لتأسيس البنية التحتية للتواصل القيادي والتخصصي الدولي وتوصيل الرسالة الإعلامية للأمة المسلمة نقية دون شوائب وكسر واختراق الاحتكار النصراني واليهودي للوسائل الإعلامية والفنية والتقنية.

§       ومن الآفاق والواجبات التي سوف تقاربها القيادة والمرجعية دراسة البدائل المتاحة في مجال الرسالة الدولية والنظام الدولي الذي يتقدم به المسلمون لبقية الأمم وتكثيف الدراسات والبحوث في هذا المجال.

§       ومن الآفاق والواجبات التي سوف تقاربها القيادة والمرجعية دراسة الشروط الواجب توافرها في التشكيلات القيادية المختلفة وتعميق الوعي بها في الساحة الإسلامية ومن تلك الشروط: العلم والتخصص والخلق النبيل والممارسة الميدانية والخبرة القيادية وتزكية الميدان الذي ينتمي له المرشح والمساهمة في إدارة الأزمات والمعارك ولعب الأدوار الاستشارية والدهاء والقدرة على التعامل مع المستقبل وغيرها من الشروط.

§    ومن الآفاق والواجبات التي سوف تقاربها القيادة والمرجعية البدء بممارسة وتجريب الأداء القيادي والتوجيهي في الأمة بدعم مسارات الجهاد وتحديد ساحاته الجديدة ورسم مسارات الدعم والإسناد وتنسيق الأداء الكلي للجماعات والمجتهدين في الأمة ووضع الفتيا العالمية في موقعها الصحيح ومقاربة القضايا والخلافات بغية حلها أو زحزحتها إلى غير ذلك من أشكال الأداء القيادي الميداني.

 

رابعا : المراحل الكبرى لتشكل القيادة والمرجعية

سوف تحتاج القيادة والمرجعية العالمية للمسلمين حتى تتشكل إلى ثلاث مراحل كبرى وعلم ذلك عند الله تعالى وهي كالتالي:

 

المرحلة الأولى: مرحلة الأداء النظري والقيمي

وهي مرحلة تتشكل فيها الأسس النظرية والقيمية والدستورية التي ستمهد لولادة القيادة والمرجعية العالمية للمسلمين دون أن تضر هذه المرحلة النظرية بمسيرة الأداء الدعوي والسياسي والجهادي في الأمة بل ستكون شدة الصراع دافعا لإنضاج هذه المرحلة وتشكل قيمها في أوساط الدعاة والمسلمين عموما وقد تحتاج هذه الفترة من خمس إلى سبع سنين.

 

المرحلة الثانية: المرحلة المختلطة بين الأداء النظري والعملي

وهي مرحلة سوف تبدأ بإخراج بواكير التشكيل القيادي العالمي في مجاله الرمزي والتنفيذي والشوروي والتخصصي كما أنها سوف تستكمل الأداء النظري إضافة إلى الأداء العملي وهي مرحلة قد تستغرق سبع سنين أخرى كحد أقصى حتى تدفع بالمرحلة الأخيرة.

 

المرحلة الثالثة: مرحلة النضج والرسوخ القيادي والمرجعي

وفي هذه المرحلة سوف تتبلور المرجعية القيادية للمسلمين ودوائرها الشورية والتنفيذية والقضائية وستمارس أدوارها العالمية بإذن الله تعالى وذلك حسب نضج الواقع الميداني لمسيرة الأمة والتحولات الكبرى التي تكون قد تمت فيها والتي أسهم التشكيل القيادي العالمي في مسيرتها فهو نضج مشترك بين الأمة والقيادة والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 

خامسا: الضوابط والسياسات لنجاح التشكيل القيادي والمرجعي

إن تشكل القيادة في أي أمة ليرتبط بعدة عوامل ومؤثرات ولعل أهم تلك العوامل والمؤثرات التي تؤخر أو تفشل أي تشكيل قيادي هو عامل التناقضات والتجاذبات الاجتهادية والعصبية والرغبة في السيطرة والتي تؤدي بدورها إلى التنازع ومن ثم الفشل، وعليه فإن إدراك تلك العوامل وتفهمها وتوقع تفاعلها لتعتبر من المتطلبات الهامة لحسن إدارة المرحلة القادمة من المشروع الإسلامي وفي هذه الفقرة سوف أنبه إلى بعض أهم الضوابط والسياسات التي ينبغي التنبه إليها والعناية بها لنجاح التشكيل القيادي والمرجعي.

§         الحذر البالغ التي ينبغي أن توليه التشكيلات القيادية الأولية باتجاه عدم زرع أسس التناقضات بين الكتل الإسلامية الكبرى التي تشكل الأرضية الدعوية بين المسلمين وإلا فإن هذا الزرع المبكر سوف ينعكس انعكاسا خطيرا على مستقبل التشكيل القيادي.

§        الحذر الذي ينبغي أن توليها التشكيلات القيادية تجاه عدم التقوقع والانكفاء في دائرة واحدة من دوائر الممارسة الإسلامية وهي دائرة الدعوة الكلامية الخضراء ورد الاجتهادات الأخرى في الدائرة البرتقالية والحمراء وهما دائرة السياسة ودائرة الجهاد فإذا لم يمكن لأي تشكيل قيادي أن يعطي رأيا مؤيدا للاجتهادات الأخرى فالأولى أن يسكت لا أن يربك ساحة المسلمين بالتراشقات والتهم.

§        الأولى أن يتطور الوضع القيادي والمرجعي بتطور الوضع الإسلامي الكلي فكلما سنحت الظروف لدفع الموقف نحو تبلور أكبر للقيادة ينبغي على الدعاة أن لا يتأخروا عنه وكلما تعقدت الظروف كان الأولى الاحتفاظ بخطوط متوازية مع المسيرة الإسلامية.

§       ينبغي إقرار القيادات والأمراء للجماعات الإسلامية والتجمعات على ما هم عليه من خيارات وتشكيلات إدارية وعدم منازعتها فيما ارتضته لنفسها.

§       للعلماء والمجاهدين الموقع المتقدم دائما في أي تشكيل قيادي ومرجعي للمسلمين خاصة من هم في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس.

§       لا ينبغي التعجل في الانتقال من مرحلة التنسيق والتفاهم ومرحلة التنظير وإرساء القيم إلى المراحل التالية في مسيرة التشكيل القيادي والمرجعي حتى لا تنتكس المسيرة.

§       * على الأمة ممثلة في الدعاة والمجاهدين والعاملين للإسلام أن يعتنوا بأمن القيادات والدفاع عنهم في كل المراحل حتى يمكنوهم من أداء رسالتهم.

§       على أبناء الأمة أن يوفروا للقيادات الاحترام والعناية المعنوية والمادية التي أوجبتها الشريعة لهم حتى يتمكنوا من أداء رسالتهم.

§        ينبغي عدم الخلط بين الأداء العلمي والفقهي والوعظي -على فضله- والأداء القيادي والمرجعي فقد يجتمعان وقد لا يجتمعان في واحد.

§        من الضروري أن يعتمد مبدأ التدرج لبناء القيادة والمرجعية العالمية فإن نضج هذه القيادة مرتبط بمؤشرات نضج عامة في المشروع الإسلامي ومراحله القادمة.

§       من الضروري أن يتم قبول الصور والنماذج المتعددة للقيادة والمرجعية العالمية للمسلمين على أن تسعى قيادات تلك النماذج للتكامل وخدمة الأهداف المشتركة.

§       الحذر من صراع التخصصات والمراجع والتجاذبات بين التخصص الشرعي مثلا والتخصص السياسي أو غيره وينبغي أداء الدور القيادي والمرجعي بتكامل وفسح المجال لكل أنوع التخصصات لكي تدلي بدلوها.

§       الحذر من الخلط والتنازع بين الأحكام الشرعية النهائية الواضحة وبين عملية تقدير المصالح والمفاسد في المواقف المختلفة فإن للشرعيين أن يكون لهم الحق في تبيان الأحكام الشرعية وأن يراقبوا مسيرة اتخاذ القرار ومسوغاتها حتى لا تقع في أية مخالفة شرعية ولكنهم بعد ذلك يستوون في عملية الموازنة بين المصالح والمفاسد مع باقي التخصصات والعقول القيادية وإلا وقعت المسيرة القيادية المأمولة فيما وقع فيه الشيعة المعاصرون من صراع بين المرجعيات الدينية التي أضفيت عليها نوع من العصمة وأوصلت الموقف إلى تعقيد لا مخرج منه إلا أن ينتصر الطرف الديني أو الطرف الدنيوي.

§        لا يجوز لأي تشكيل قيادي ومرجعي أن يمس المفردات الأساسية التي تشكل الخلفية الضامنة لتمكن تلك المرجعيات من النظر في المصلحة العليا للمسلمين وهي: الولاء والبراء ومرجعية الكتاب والسنة ووحدة الصف المسلم والاستقلال عن تأثير الكفرة.

§       على أي تشكيل قيادي ومرجعي أن لا يرجع بالمسلمين إلى الوراء فيما يتعلق بالوقوع ثانية تحت تأثير المكر النصراني واليهودي العالمي بقبول مصطلحات التعايش السلمي والتسليم بمرجعية الكفرة في القضايا الإسلامية مهما كانت المسميات والألفاظ ومهما استخدمت الواجهات الإسلامية الشكلية لتحقيق ذلك التراجع.

§        على أي تشكيل قيادي ومرجعي في الأمة أن لا يقع في أسر البيروقراطية وظاهرية النظم الإدارية وإلا تقطعت أشرعته سريعا في ظل الصراع الكبير الذي يواجهه المسلمون وعليه أن يبحث عن قوة الأداء مع بساطة الشكل وتخفيض الكلفة المادية.

§       على التشكلات القيادية والمرجعية ن تحذر من الوقوع في أسر المواقف الجزئية أو أسر المرحلة الرمادية التي تسود الموقف الكلي للمسلمين الآن ومن أمثلة ذلك أن تؤسس تلك التشكيلات مواقفها كليا على الوضع السياسي في بلد ما أو تقع في أسر ما بات يعرف بالوضع الوطني والمصلحة الوطنية تلك التي ارتبطت بمصلحة الكفار أكثر من ارتباطها بمصلحة حقيقية للمسلمين.

§       على كل التشكيلات القيادية والمرجعية التي تتشكل في هذه المرحلة ومهما كبر حجمها أن تعي أنها إنما تؤسس لتشكيل جيل واسع من المسلمين من أهل الحل والعقد وأنه لم يحن الوقت بعد للتشكيل النهائي أو الصور النهائية للمرجعية الإسلامية وعليه فلا ينبغي إغلاق الأبواب أمام الانسياب الطبيعي لتأسيس ذلك الجيل بادعاء امتلاك زمام الأمور والتفرد بالقيادة.

§        على أجيال الأمة المعاصرة أن تدرك أن الترشح للقيادة في الأمة المسلمة إنما قد تم من خلال باب واحد هو الجهاد وحمل رايته وذلك على مسار التاريخ منذ أن استلم الراية أبو بكر الصديق رضي الله عنه وعليه فلا يمكن أن تنضج المسيرة القيادية والمرجعية إلا من خلال مراحل من الجهاد المتواصل التي لا يعلم مداها إلا الله الواحد القهار.