·   ثالثا : ملامح السياسات الشرعية

 

تأتي أهمية السياسة الشرعية للدور الخطير الذي تضطلع به في تحريك الواقع الإسلامي والدفع به أو تأخيره باتجاه الأهداف الكبرى للإسلام والمسلمين كما تأتي أهميتها في معالجة الأزمات الكبرى والخروج من حالة الاستقطاب أو الذهول الشديد الذي يصاحب الأزمات وباستخدام النظريات السياسية المحكومة بالمبادئ الشرعية والتي يتم توظيفها لعلاج الأزمات ومهما يكن من تلون في مساحات السياسة الشرعية المستخدمة حاليا في واقع المسلمين وغموضها في أحيان كثيرة خاصة في التعاطي مع الأزمات المعاصرة فإن من واجب علماء المسلمين اليوم أن يعيدوا رسم معالم تلك الساحة وأن يكونوا أكثر جرأة في إعادة صهر وقولبة معايير السياسة الشرعية والتي يمكن أن يستخدمها المسلمون في وزن وقياس وسبر أغوار المواقف السياسية والجهادية المختلفة مهما اختلفت الأماكن والأزمان ودون أن يخرجوا عن المرتكزات الشرعية، وفي هذه المفردة من ملامح المشروع الإسلامي سوف أبذل جهدي للوصول إلى بعض تلك المعايير والأوزان علها تسهم في سد بعض الفراغ في هذا المجال.

 

وقد قسمت المعايير إلى خمس دوائر تكون مهمتها شد شراع السياسة الشرعية في واقع المسلمين فينتصب عند ذاك الشراع لرياح التغيير المبارك وسنن التدافع فيكون إقلاع سفينة المسلمين المعاصرة متزنا وفاعلا ومستمرا في آن واحد بإذن العلي القدير.

والدوائر الخمس هي كالتالي:

الدائرة الأولى: دائرة الوضوح

الدائرة الثانية: دائرة التوازن

الدائرة الثالثة: دائرة التكامل

الدائرة الرابعة: دائرة المرونة

الدائرة الخامسة: دائرة النظام السياسي

 

وفي كل دائرة من تلك الدوائر سوف أقترح اعتماد بعض المبادئ الأساسية والتي تشكل بمجموعها ضوابط للأداء في مجال السياسة الشرعية

 

الدائرة الأولى: دائرة الوضوح

§       إن من متطلبات الوضوح في السياسة الشرعية أن يعتمد المنهج الإسلامي بكل معطياته عند التعامل السياسي واستحضار مرتكزاته دون انتقائية ولا وصاية فمن الواضح بأن الانتقائية هي سبب التفرق في الحكم على الموقف الواحد حيث تميل بعض المدارس الإسلامية إلى التركيز على وجه واحد من أحكام المنهج الإسلامي أو كأن تميل إلى رؤية جزء من الحقيقة وإغفال بعضها الآخر، ودون وصاية فإن ربط الأحكام بالوضع العالمي مثلا أو بالوضع الوطني واستخراج تلك الأحكام بناء عليها يعرض المنهج إلى الوصاية الدائمة التي لا تتبين معها الحقيقة أبدا ولا يعني هذا عدم أخذ الوضع العالمي أو الوطني في الحسبان ولكن دون أن يكون لهذا الأخذ المرجعية الكاملة في تقدير الموقف.

§       وإن من متطلبات الوضوح في السياسة الشرعية أن تنضبط كل معطيات ومفردات الأداء في تلك السياسة بأساسيات المنهج وحدوده لا أن تنفلت من كل الحدود ومن أمثلة ذلك مفردة المرونة فهي منضبطة بمجموعة من الضوابط بحيث لا تؤدي المرونة إلى تضييع أساسيات المنهج كأن يعتبر البعض تعاطي الحكومة التركية الأخيرة مع ضغوط الإدارة الأمريكية من المرونة الواجبة ولو أدى ذلك التجاوب إلى خدمة الأهداف الأمريكية واليهودية في المنطقة.

§        وإن من متطلبات الوضوح في السياسة الشرعية أن تسهم تلك السياسة في كشف الأوهام والظنون لا أن تكرسها في واقع المسلمين فقد دأب البعض ونتيجة للوضع الاستضعافي على تأكيد مرجعية الكفرة وانتظار الإنصاف منهم والعدل ويوشك بعض قادة العمل الإسلامي أن يقعوا في تكريس هذا الأداء دون انتباه كما يحصل الآن في العراق حيث ينتظر البعض أن ينصف الأمريكان العراقيين ويردوا بعض الحقوق وما على المسلمين إلا أن ينتظروا قيام الأمريكان بهذه المهمة بغض النظر عن نسبة ما سيحصل عليه المسلمون مقارنة بفساد الأمريكان في العراق واستخدامهم له لزيادة معدل الفساد في بقية بلاد المسلمين وبغض النظر عن مترتبات استقرار الأمريكان النهائي في بلاد الرافدين.

§        وإن من متطلبات الوضوح في السياسة الشرعية أن تمثل تلك السياسة انعكاسا للمنهج الإسلامي وتكريسا لمبادئه ومن أمثلة ذلك التعاطي مع القضية النفاقية في المجتمع المسلم حيث ضبط الإسلام إدارة هذه القضية بمعادلة دقيقة مبثوثة في القرآن والسنة حيث تبدأ تلك المعادلة من قوله عز وجل: )وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ( (البقرة:8) ولأن أخطر ما تباشره القضية النفاقية هو التأثير على التعاطي السياسي في القضايا المختلفة فإن استخدام المنهج القرآني والسني في كشف ملابسات النفاق تعد من أهم ما ينبغي للسياسة الشرعية أن تعتني به لا أن تهرب من مقتضياته، وهكذا ينسحب هذا المبدأ على بقية المبادئ التي ينبغي أن تكرسها السياسة الشرعية ولعل من أوضح تلك المبادئ هو التعاطي مع المعادلة الكفرية والأسس القرآنية والسنية المعتمدة في التعامل مع تلك المعادلة.

§       وإن من متطلبات الوضوح في السياسة الشرعية مراعاة الحقوق والواجبات الكبرى التي رتبها المنهج الإسلامي في إطار المصلحة العليا للأمة المسلمة ومنها واجب الحفاظ على الدين والملة والذي لا يمكن تحقيقه عند استحضار عامل واحد أو بعض العوامل وإنما الواجب أن يتم استحضار كل العوامل المؤثرة في الموقف العام لمسيرة الدعوة الإسلامية المعاصرة وموقف الأمم الكافرة منها وفي حال التحقق من الواجب الذي ينبغي على المسلمين أن يتقدموا إليه ويحملوه فإن استنهاض طاقة المسلمين الكلية يصبح واجبا آخر متعلقا بالأول وما لا يتم الواجب إلا به فإنه واجب كما قرر الأصولويون، وقد رأينا تطبيق هذه القاعدة ماثلا للعيان عند بدء التدخل الاستخباراتي ثم العسكري السوفيتي للأفغانستان في منتصف سبعينيات القرن العشرين فقد قرر العلماء والدعاة واجب الجهاد والمقاومة وتقرر على إثر ذلك واجب النصرة الذي اتسع حتى شمل المسلمين في الأرض كل بما يستطيع.

§       وإن من متطلبات الوضوح في السياسة الشرعية أن تراعي تلك السياسة أولويات التطبيق الشرعي في معادلة التدافع وتحقيق مصلحة المسلمين فلا يعقل أن تتقدم أولوية الحوار والعلاقات مع الكفرة والمنافقين مثلا على أولوية الحوار والعلاقات والبحث عن القواسم المشتركة بين المسلمين أنفسهم خاصة بين قيادات الجماعات الإسلامية والتجمعات القبلية وأصحاب الانتماءات السياسية من المسلمين المعلنين الولاء لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.

§       وإن من متطلبات الوضوح في السياسة الشرعية أن تعتمد وتستحضر تلك السياسة أهداف المنهج الإسلامي العليا في التدافع وهي تحقيق الغلبة على الكفار وإزاحة سيطرتهم من على الأرض لا أن تستخدم السياسة لتكريس الهيمنة والسيطرة للكفرة والتسليم لهم وهذا لا يتناقض البتة مع سنة التدرج والخداع في الحرب فالحرب خدعة كما تقرر في الصحيح ولكنها تبقى حربا لا تواصلا مائعا.

§       و إن من متطلبات الوضوح في السياسة الشرعية أن يحذر العلماء والدعاة من توظيف المنهج الإسلامي لخدمة الكفرة والمنافقين بالذهاب مذهب التبرير والتزيين أحيانا والبحث عن المخارج عند حدوث الوقائع الكبرى والتي يشترك الكفر والنفاق في حصولها كما حدث عند البعض إبان التحول الدولي عند سقوط الاتحاد السوفيتي ووقوع حادثة الغزو البعثي للكويت.

§       وإن من متطلبات الوضوح في السياسة الشرعية البت في القضايا الرئيسة والتي تسبب اختلافا وتباينا في المواقف الإسلامية خاصة عند تجدد الظروف والمعطيات الميدانية كقضية الموقف من حكام المسلمين خاصة في ظل التجدد في الظروف العالمية وتقدم أمريكا نحو التحكم الكبير والمباشر في أوضاع المسلمين والانكشاف الكبير الذي تتعرض لـه النظم السياسية ومن القضايا اختلاط وتقاطع الأوضاع الداخلية في مجتمعات المسلمين حيث تحكم مثل هذه القضايا رؤية دقيقة تحرم نسف الساحة الداخلية التي يرتكز عليها الدعاة والمجاهدون والصبر على أذى المنافقين إلى أقصى الحدود وتوجيه الطاقات إلى العدو الأصيل الواضح.

§       وإن من متطلبات الوضوح في السياسة الشرعية أن لا يفقد المسلمون اتجاه البوصلة العام مهما كثر الاختلاط وزاد معدل الفتنة وشدتها وأن لا تؤدي بهم الضغوط الشديدة إلى الغفلة عن الاتجاه العام ولعل أفضل من يؤدي هذه المهمة في أيامنا هذه قيادة المجاهدين في بيت المقدس فلله درهم من رجال يذكرون بأبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

§       وإن من متطلبات الوضوح في السياسة الشرعية عدم تفريق المسلمين وتقسيمهم على الأساس الجاهلي العصبي بحيث يؤدي ذلك التفريق إلى ضياع حقوقهم واعتبار بعضهم أحق من بعض بالنصرة فهم كما وصفهم في الصحيح عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَيُرَدُّ عَلَى أَقْصَاهُمْ 2673 رواه ابن ماجه

 

الدائرة الثانية: دائرة التوازن

§       إن من متطلبات التوازن في السياسة الشرعية استمرار الأعمال الكبرى التي يمارسها الدعاة في كل مكان من الأرض وأن يحافظوا على مسيرة العمل الإسلامي ويتم إدخال الإضافات المستجدة في الرؤى الاستراتيجية تدريجيا لا أن يتم نسف الساحات مرة واحدة وذلك لحاجة البشر لمرور الوقت ووضوح الرؤية حتى يستوعبوا طبيعة المتغيرات ويستجيبوا لها.

§       وإن من متطلبات التوازن في السياسة الشرعية أن لا يتم استخدام الأحكام المطلقة في التعامل مع الوقائع المحددة فيؤدي ذلك إلى ضياع المسلمين في أودية تلك الأحكام كأن يقال مثلا: لا طاقة للمسلمين اليوم بمواجهة الأعداء حيث لا تتكافأ طاقات المسلمين بطاقات الكفار وعليه فالأولى الصبر والاحتمال. إن هذا الحكم المطلق لا يراعي أبدا الواقع ولا الصورة الكلية لموقف المسلمين بل يتجاهله فإن الواقع الذي فرضه الأمريكان في أفغانستان والعراق يجعل إمكانية المقاومة واردة تماما وفي متناول يد المسلمين وما عليهم إلا أن يسلكوا سبيل من سبقهم في فلسطين والفلبين والشيشان وغيرها.

§       وإن من متطلبات التوازن في السياسة الشرعية أن لا يطلب من كل أقاليم المسلمين أن تلتزم بنفس الرؤى والتقدير للموقف العام فما يمكن تنفيذه في الصومال لا يمكن تنفيذه في بلاد أخرى والعكس صحيح ولكن ينبغي أن لا تضر هذه السياسة بسياسة التكامل والدعم للقضايا المركزية للمسلمين والاستجابة لمعادلة التحرك الشامل عند وقوع الأزمات الكبرى في الأمة إما لتخفيف الضغوط عن بقعة ما من بقاع المشروع أو لزيادة معدل الضغط على العدو المستهدف.

§       وإن من متطلبات التوازن في السياسة الشرعية رؤية النتائج الكلية لعمل الكفار والمنافقين وتقدير آثارهم على المدى البعيد لا أن يغمض بعض الدعاة والعلماء أعينهم عن هذه الحقيقة ويركزوا على بعض الآثار الإيجابية والمؤقتة ويحكموا الموقف بهذه الآثار فقد أطلق صدام وفي ظل مبادئ البعث التي كفرت بالإسلام حملته الإيمانية ورصع علم العراق بالله أكبر -والله أكبر من كل كبير- فكادت تخدع كثيرا من علماء المسلمين الذين طالبوا بالجهاد تحت رايته وكذا يفعل اليوم كثير من المنافقين من أمثال صدام في العالم الإسلامي حيث أجادوا هذا الفن الخداعي.

§       وإن من متطلبات التوازن في السياسة الشرعية أن تبقى أعين علماء المسلمين على دوائر الأداء الكلي للعمل الإسلامي وهي دائرة الدعوة ودائرة السياسة ودائرة الجهاد تلك التي تقدم وصفها في فصول سابقة فلا ينبغي التركيز على دائرة واحدة من تلك الدوائر وإهمال الباقي مع العلم بأن كل دائرة تمد الأخرى بحاجتها في تكامل وتوازن.

§       وإن من متطلبات التوازن في السياسة الشرعية أن يتم العمل وتقدير المواقف بمنظومة الناتج العقلي والعاطفي بمجملها وبتوازن فيما بينها لا أن تغلب بعض مفردات تلك المنظومة بعضها الآخر كأن يغلب الحذر أو يغلب الخوف أو تغلب الشجاعة والاندفاع فكل ذلك مطلوب ولكن بتوازن وباستخدام صحيح وحاسم وفي الوقت المناسب فمثلا يغلب على البعض الخوف والحذر من دخول أية تجارب جديدة بدعوى فشل أغلب التجارب السابقة ويلغي هذا الحذر حاجة المسلمين للتعامل مع التطورات وحاجتهم لكثرة التجارب التي تثري الموقف العام في مسيرة نهضتهم المعاصرة وقد يقع البعض في أسر بعض المقولات كمقولة: نريد بالمكث ما تريد بالحث. بينما يحتاج الموقف إلى قرار حاسم ودقيق واستثمار للظرف فلا مكث مطلق ولا حث مطلق.

§       وإن من متطلبات التوازن في السياسة الشرعية الاستخدام الدقيق والمتوازن لمصطلحات الأداء السياسي وتقدير المواقف دون الوقوع في دائرة الاستقطاب الحاد كأن يطرح مصطلح المحافظة على المكتسبات مقابل مصطلح الاستجابة للتطورات فالأصل أن يتم فرز العوامل التي تشكل الأرضية الأصيلة للموقف والتي على ضوئها يتم استخدام السياسة المناسبة.

§       إن من متطلبات التوازن في السياسة الشرعية أن يتم فرز مستويات المصلحة العليا للمسلمين المتعينة في هذا العصر والتي ينبغي أن تتم استجابات الأمة والدعاة على ضوئها فهناك مصلحة مدافعة ومصاولة المشاريع الكفرية المختلفة وهناك مصلحة وأولوية مدافعة أخطر أنواع الكفرة وهم الأمريكان واليهود وهناك مصلحة الدفاع عن المقدسات وهناك مصلحة الدفع بمسيرة الدعوة في المواقع المختلفة من العالم وهناك مصلحة الحفاظ على البناء التراكمي لتربية وإعداد الجيل المسلم في مجتمعات المسلمين وهكذا.

§       وإن من متطلبات التوازن في السياسة الشرعية تحديد مسطرة ومعايير الحساسية والأولوية في الثغور والأقطار المختلفة فيمكن تقسيم الثغور إلى أكثر من مسار فهناك الثغر الجهادي والذي يقتضي حسب الموازين المرحلية أن يترك العدو لكي يفرض فيه ممارساته المستفزة للأمة وعندها يمكن للأمة أن تتعامل مع العدو بشكل طبيعي وتدريجي كما يشترط للثغر العمق الجغرافي والاستراتيجي والعمق السكاني، وهناك الثغر السياسي والثغر الدعوي واللذان يمكن أن يتداخلا أو يفترقا حسب الظروف والمعطيات الميدانية وللثغرين أدوارهما الدقيقة والحاسمة في مسيرة الأمة العامة والتفصيلية.

§       وإن من متطلبات التوازن في السياسة الشرعية أن تتناسب ساحات الجهاد والمواجهة العسكرية مع ساحات الدعوة والاستقرار بحيث ينبغي أن تكون الساحة الأوسع للأداء الدعوي ولا تقود الممارسات الجهادية إلى إقلاق وإرباك كل ساحات المسلمين إلا إذا اقتضت ضرورات المعركة ذلك.

§       وإن من متطلبات التوازن في السياسة الشرعية أن يحذر القادة من الخلط بين المسائل المرجعية المطلقة أي المسائل الاستراتيجية وبين المسائل النسبية المتغيرة أي المسائل التكتيكية في إدارة المعارك السياسية والجهادية فإن الخلط في هذا المستوى من شؤون الإدارة العليا يوقع في المهالك وما درس الجزائر البليغ إلا انعكاس لهذه القضية فإن تطبيق الإسلام ومسيرة الدعوة الثابتة مسألة مطلقة واستراتيجية ومسألة الحكم والوصول إليه مسألة نسبية ومتغيرة وتحكمها الظروف المختلفة فكان ينبغي التضحية بالثانوي والتكتيكي في سبيل المطلق والثابت.

 

الدائرة الثالثة: دائرة التكامل

§        إن من متطلبات التكامل في السياسة الشرعية أن تفقه الأجيال القيادية المستجدة والمتجددة في ساحات المسلمين أهمية جانب التكامل في السياسة الشرعية والموجه لخدمة المشروع الإسلامي والخروج بالمسلمين من دائرة الاستضعاف وأن من لا يعمل بهذه السياسة فإنه يسهم في إضعاف المسلمين وبالتالي يقع في دائرة الإثم.

§       وإن من متطلبات التكامل في السياسة الشرعية أن تتقبل الجماعات الإسلامية على اختلاف اجتهاداتها تكامل أدوارها سواء قامت بهذا التكامل بخطة وتفاهم أو بدونه والشرط الأساسي لنجاح التكامل هو هدم أو تخفيف التناقضات إلى أدنى درجة ممكنة بين تلك الجماعات وإشاعة روح الأخوة الإسلامية الجامعة.

§       وإن من متطلبات التكامل في السياسة الشرعية إدراك وتفعيل تكامل الأدوار بين أقطار المسلمين المختلفة سواء على المستوى الإقليمي أو العالمي فالقضايا الإقليمية ينبغي أن تخدم من قبل كل أجزاء الإقليم وبكل أنواع الخدمة المتطلبة والدعم ويتم تقدير القطر أو القضية الإقليمية الواجبة الدعم بعدة معايير منها المعيار الاستراتيجي والذي يجعل القطر المعني واجب الدعم بسبب وضعه الاستراتيجي حتى تتكامل نذر التحول الإسلامي فيه ومنها المعيار الجهادي فعند اشتعال ثغر ما بالمعطيات الجهادية وجب تداعي بقية الأجزاء له ومنها معيار الأزمات فعند وقوع القطر المحدد في أزمة حادة وجب التداعي لنجدته ونفس المعايير تطبق بالمستوى العالمي مع تميز في أهمية المواقع الجهادية التي توجب أعلى مستوى من التداعي والدعم التعبوي (اللوجستي) والتي تسقط عندها كل معاذير التخلف والقعود إلا ما كان تدرجا ولبثا وتربصا وخطة وحفظا لبقية الثغور.

§       وإن من متطلبات التكامل في السياسة الشرعية أن يتحمل كافة المسلمون في الأرض تبعات مراحل المدافعة التي توشك أن تبين معالمها وترفع راياتها ومن أهم أشكال تحمل التبعات أن يبادر المجاهدون بفتح الثغور اللازمة لامتصاص الضغط وتشتيت العدو الكافر خاصة عند حاجة الثغور المركزية لهذه السياسة ويقتضي تطبيق هذه السياسة التبكير في دراسة بلدان المسلمين كافة دراسة جغرافية دقيقة ومسح كل زاوية فيها.

§       وإن من متطلبات التكامل في السياسة الشرعية أن تقوم كل جماعة إسلامية وكل قطر أو أقلية مسلمة في العالم بتوفير الملاذات الآمنة للدعاة والمجاهدين في حال الحاجة إلى ذلك وأن تدخل هذه المهمة ضمن النصرة التي أوجبها الله عز وجل بين المؤمنين.

§       وإن من متطلبات التكامل في السياسة الشرعية أن تتعدد وجوه المدافعة والأداء وفي جميع الأطر الشرعية والسياسية والقانونية والفكرية والتعليمية والاقتصادية وغيرها وعلى كل المستويات العالمية والإقليمية والقطرية.

 

الدائرة الرابعة: دائرة المرونة

§       إن من متطلبات المرونة في السياسة الشرعية أن يتهيأ المسلمون لامتصاص ضغوط المراحل المختلفة دون أن يفقدوا صبرهم ورؤيتهم العامة وأن يستعدوا للتطورات والمفاجآت المتتابعة ويتأكد ذلك في حق الدعاة والعلماء والمجاهدين.

§        وإن من متطلبات المرونة في السياسة الشرعية أن يستوعب قادة الجماعات الإسلامية والعلماء وقيادات المجاهدين كل دروس الدهاء والمكر والاستيعاب في إدارة المعركة.

§        وإن من متطلبات المرونة في السياسة الشرعية خفة الحركة والتجاوب السريع مع متطلبات التدافع وإدراك حاجة أجزاء المشروع لأنواع الدعم المختلفة.

§       وإن من متطلبات المرونة في السياسة الشرعية أن تستنفد كل الجهود في مسارات العمل وممارسة الضغوط في الجانب السياسي والقانوني والفكري وغيره وذلك حسب ظروف المجتمعات والبيئات المختلفة.

§       وإن من متطلبات المرونة في السياسة الشرعية القبول بتعددية الرايات الإسلامية لاستخراج أفضل ما عند المسلمين من فنون الأداء والتنافس لخدمة مستقبل الأمة سواء استندت تلك الرايات إلى الاجتهادات الإسلامية المعاصرة والتي تعرف بالجماعات الإسلامية أو استندت إلى انتماءات قومية أو تجمعات مستقلة أو ممن ثاب إلى ثوابت الأمة بشرط أن تكون وجهتها واضحة في خدمة النهضة الإسلامية واعتماد مبادئ الإسلام كمظلة أساسية لها كما يشترط لقبول دخول أمثال هذه الرايات إلى ساحة التعددية الإسلامية أن لا تعمل كطابور خامس وأن لا ينخدع بها المسلمون.

§       وإن من متطلبات المرونة في السياسة الشرعية أن يتعامل المسلمون مع أي ظرف إيجابي أو استثنائي في ساحات غير المسلمين بشرط أن لا يفقدهم ذلك استقلال قراراتهم ولا يؤثر على مسيرتهم العامة تأثيرا سلبيا وبشرط أن لا يؤدي ذلك التعامل إلى التماهى مع مشاريع الكفر في العالم.

§        وإن من متطلبات المرونة في السياسة الشرعية ترك تقدير الموقف العام في كل بلد من بلاد المسلمين لقيادات تلك البلاد من الدعاة والعلماء والمجاهدين دون أن يؤدي ذلك إلى انغلاق كلي في إطار البلد المعني خاصة عندما يتعلق وضع أي بلد بظرف كلي للمسلمين كما هو الحال عليه الآن في العراق.

§        وإن من متطلبات المرونة في السياسة الشرعية أن يستوعب المسلمون مفردات ومبادئ الإدارة الجهادية بكل أبعادها ومنها مسائل الصلح والهدنة بشروطها الشرعية التي تؤدي في مجملها إلى تقوية الموقف الجهادي ودفعه في مساراته دون أن يؤدي ذلك إلى كسر شوكة المجاهدين وإغلاق طريق الجهاد.

 

الدائرة الخامسة: دائرة النظام السياسي

والمقصود بهذه الدائرة أن يتم فيها تطوير واستيعاب المبادئ التي ستعمل في حال تطبيقها على تأسيس بنية تحتية للأداء السياسي في المجتمعات المسلمة على المدى البعيد تتناسب ونمو المشروع الإسلامي كما يقصد بهذه الدائرة تحديد بعض المبادئ التي يتم من خلالها التعامل مع الأزمات الضاربة في عمق المجتمعات المسلمة وعلى رأسها علاقة المسلمين بنظمهم السياسية.

 

وعليه فإن فيما يلي من نقاط رسم لبعض أهم ملامح ومبادئ النظام السياسي:

§        من المبادئ الأساسية في بناء النظام السياسي أن يسارع العلماء وقادة العمل الإسلامي إلى تطبيق مقدمات النظام السياسي فيما بينهم حتى يمكنهم من كسر حدة الجمود التي تسيطر على المسلمين فيما لحق بهم من فصل وعزل تام بين الدين والسياسة.

§        ومن المبادئ الأساسية في بناء النظام السياسي أن مسألة الإمارة والقيادة وما يتعلق بها من سياسات ونظم إنما هي من صميم مسائل الدين الإسلامي سواء قُـصد بتلك الإمارة الإمامة العظمى وهي الخلافة أو كانت أقل منها من التأمير السياسي وتقديم رجالات الأمة لقيادة المراحل الدقيقة المقبلة أو قيادة الأحلاف والتجمعات الكبرى في المسلمين أو إمارة الولايات الإسلامية المختلفة أو تأمير قادة الجهاد وغيرهم ولأن يمهد الطريق لتطبيق المبادئ والأسس أفضل من أن تترك هذه القضايا الشائكة فيؤدي ذلك التأخير إلى تدمير جهود المسلمين لعقود ولربما لقرون.

§       ومن المبادئ الأساسية في بناء النظام السياسي أن الإمارة ينبغي أن تنبع من أعماق الأمة المسلمة الشرعية والعلمية والجهادية وأن الحديث في هذه الساحة لا يعني شطب النظم السياسية القائمة بجرة قلم ولكن التاريخ يتحول وحراك الأمة المسلمة يزداد وعيون المسلمين مشدودة إلى مقدساتهم وحرماتهم والعدو قد أوغل في فساده ولا يمكن لمراكز القيادة في الأمة أن تظل مشدودة بخارطة سايكس بيكو أبد الآبدين ولا برغبات الأمريكان واليهود ومن أراد أن يعرف المستقبل فلينظر إلى آخر النظم السياسية اصطناعا في تاريخ المسلمين الحديث فسوف يدرك القصة كاملة.

§        ومن المبادئ الأساسية في بناء النظام السياسي الحديث للمسلمين مبدأ التدرج في البناء وأن الأمر يبدأ من قواعده وهي قواعد شرعية في المقام الأول وإن تلونت بألوان الاجتهادات المختلفة وأنه كلما أحسن وضع الأساس كلما ضمنت النتائج العالية في البناء.

§       ومن المبادئ الأساسية في بناء النظام السياسي الحديث للمسلمين اعتبار البعد الجغرافي والقومي بعدا أصيلا في التنظيم و التأمير وذلك أخذا من فعله صلى الله عليه وسلم بإقرار قبائل العرب على ما كانت عليه بشرط أن يعتمد هذا البعد على البعد الإسلامي الشرعي خدمة وجهادا وتضحية لا أن يقذف بالبعد الإسلامي وراء الظهور كما فعل القوميون العرب المحدثون وعليه فإن الإيقاع الإسلامي التزاما وثباتا وتضحية في أي وسط قومي هو الذي سوف يحكم المشاركة والاصطفاف.

§        ومن المبادئ الأساسية في بناء النظام السياسي اعتبار التطور التاريخي المعاصر في تطبيقات الحركات والجماعات الإسلامية التي استقر أداؤها في مجتمعات المسلمين دعوة وسياسة وجهادا اعتبار ذلك محورا منظما للحياة الإسلامية المعاصرة وقناة رئيسة للأداء السياسي فهي قد أسهمت في صناعة واقع المسلمين على المستوين العالمي والقطري وبهذا فهي تمهد لاستيعاب المسلمين للتعددية المباركة في واقعهم سواء من رضي من تلك الجماعات أن يلتحق بالكتل السياسية أو اكتفى بالكتل العلمية والتربوية أو تطلع إلى الذرى الجهادية مؤثرا الأخرى على الفانية.

§        ومن المبادئ الأساسية في بناء النظام السياسي ضرورة الفصل وتحديد الأسس التي سوف يبنى عليها النظام السياسي فيما يخص الخيارات الشوروية بين الإلزام والإعلام وفيما يخص شكل المشاركة الواسعة في اختيار الممثلين أو انتخاب الأمراء بين التمثيل الفئوي أو القبلي أو السكاني أو الجغرافي وغيره وفيما يخص حقوق مشاركة الفرد المسلم أو المواطن في بلاد المسلمين وفيما يخص النظم والدساتير واللوائح وغيرها.

§        ومن المبادئ الأساسية في بناء النظام السياسي إقرار حق المواطنة في أوسع صورها التي أقرها الرسول صلى الله عليه وسلم عندما منح غير المسلمين ذلك الحق في المدينة المنورة بشرط التلاقي التام مع مصالح الأمة العليا.

§        ومن المبادئ الأساسية في بناء النظام السياسي إقرار شرعية الأداء السياسي بعد إقرار التعددية السياسية وشرعية العمل على بث وتسويق الرؤى والبرامج المكرسة لخدمة المسلمين وشرعية الدعاية للأحزاب وقادتها بشرط عدم الوقوع في المخالفات الشرعية من تقديم المرشح لنفسه وغير ذلك من المخالفات وبشرط أن تبرز هذه الأحزاب وتلك القيادات من خلال مسارات الدعوة والعلم والتضحية والجهاد.

§        ومن المبادئ الأساسية في بناء النظام السياسي إقرار مبدأ محاسبة القادة وتثبيتهم أو عزلهم ومبدأ التداول السلمي للقيادة في أي مركز قيادي في الأمة حتى يبلغ الأمر موقع الإمامة العظمى.