·   سابعا: الملامح الاقتصادية والتـنموية

 

إن ارتباط الأداء الاقتصادي والتـنـموي بالأسس النظرية والعقائدية في أي أمة يعد مظهرا دقيقا ومعبرا عن الوجود الحضاري للأمم ومع ما يملكه المسلمون من نظام اقتصادي متين يمثل أحد مظاهر قوة الدين الإسلامي وغلبته لكل عقائد البشر لكن التخلف العقائدي والحضاري الذي تعاني منه أمة الإسلام قد أدى إلى محدودية التطبيق والتسويق للنظرية الاقتصادية الإسلامية ولم يرتبط التطبيق الاقتصادي بين المسلمين بالأبعاد العقائدية لهم بقدر ارتباطه بعقائد الآخرين شرقية كانت أو غريبة فقد جاء الأداء التنموي لكل بقاع المسلمين متقلبا بين اشتراكية شيوعية ملحدة ورأسمالية نصرانية مشركة ثم لما انهار جناح المادة الشرقي بنهاية القرن العشرين تحول شتات الأمة بكل أطرافه فأصبح لقمة سائغة من جديد لفك الرأسمالية اليهودية والنصرانية الغربية، ولم تخرج النظريات الاقتصادية والتنموية في العالم الإسلامي إلا قليلا عن الارتهان لرحى الهيمنة الغربية ومنظومتها التنموية في العالم.

وتأتي هذه الملامح لكي تضع بعض أهم الأسس الاقتصادية والتنموية المعتمدة على روح المشروع الإسلامي ومرجعيته الإسلامية الشرعية حتى تبدأ عملية بناء منظومة الأداء الاقتصادي التنموي الهادف إلى تحرير العقل المسلم ورؤاه الاقتصادية من هيمنة الرأسمالية المجحفة والتي لن تنتهي إلا بعبودية ورِق جديد يستولي على العالم من أطرافه، وليس هناك من مرشح لوقف هذا المسلسل النكد إلا الأداء الإسلامي المتحرر والمعتمد على أداء علمي يراعي الفطرة ويقدر الإنسان من حيث كينونته الإنسانية وحاجته للعيش الكريم والعدالة في التعامل بين البشر في تجارة أو سياسة أو حرب بغض النظر عن دينه وعقيدته وهذا الأمر لن يوجد إلا في كتاب المسلمين وعقيدتهم: )أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ،هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ( (الملك 14-15)

 

وسوف أستعرض ملامح الأداء الاقتصادي والتنموي في المشروع الإسلامي عبر ثلاث نظريات تلم الموقف من أطرافه وهي:

 

النظرية الأولى : نظرية العقيدة الاقتصادية الإسلامية

النظرية الثانية: نظرية الاقتصاد العالمي الجديد

النظرية الثالثة : نظرية أنماط التنمية المتكاملة

 

النظرية الأولى : نظرية العقيدة الاقتصادية الإسلامية:

منطوق النظرية :

أن يتم النظر والتعامل مع موضوع الاقتصاد والتنمية في العالم وعلى الأخص في واقع المسلمين من منطلق الثوابت القرآنية والسنية والتي ترتكز على سبب الوجود البشري في الكون وتنظم علائق ذلك الوجود وتحدد أطر تعاطيه الاقتصادي وتعامله مع الموارد بكل أنواعها بشرية كانت أم مادية.

 

جوانب النظرية :

الجانب الأول: سبب الوجود البشري الأصيل وما يترتب عليه من آثار فأما السبب الأصيل فهو كما أخبر الرب تباركت أسماؤه: )وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ( (الذاريات 56-57) وللبشرية كلها أن تعجب وتتوقف عند هذه الآيات الثلاث فهي توضح أن أهم أسباب انصراف البشر عن عبادة الله هو خوفهم على الرزق وانشغالهم به وأن ما يقلق البشرية عادة في هذا المجال من الخوف على المستقبل والأرزاق قد ضمنه الله ضمانة كلية ونهائية فمن صفاته عز وجل أنه الرزاق فلا ينبغي الانصراف عنه إلى آلهة لا تملك شيئا من هذا الكون: ) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ( (النحل: 73)

 

وأن على البشر أن ينصرفوا إلى عبادة الخالق القوي المتين ثم يسعوا لتحصيل الأرزاق كمهمة داخلة في منظومة العبادة لا منفصلة عنها ولا متعارضة معها.

 

الجانب الثاني: تعلق الأرزاق وسعتها وضيقها بالحالة التعبدية للبشر وعلاقتهم بالله وتنفيذ أوامره وارتكاز الحالة الاقتصادية على مدى استجابة العباد لربهم وفيها تتضح عدة صور فمنها صورة كثرة النعم التي تترتب على طاعة العباد وضيق تلك النعم وزوالها عند تحقق المعاصي ووقوع التكذيب البشري بمنهج التوحيد: )وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ( (لأعراف:96)، ومن الصور استدراج العباد بالنعم من قبل الخالق في فترة الإعراض وكثرة الفساد حتى إذا استنفذوا الفرص حل بهم العذاب: )فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ( (الأنعام:44) ومن الصور وجود معادلة سننية تربط بين كثرة النعم والترف وبين المعاصي والذنوب وأن الأولى والأنجى التخفف من مظاهر الدنيا والنعيم فيها طلبا للنعيم الأوفى في الجنة: )فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ، وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ( كما يتضح ذلك في قوله عز وجل: )زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ( (البقرة:212)

 

الجانب الثالث: واجب السعي في طلب الرزق والاجتهاد في تحصيله على المستوى الفردي وواجب التعاون الجماعي لتحقيق الأداء الاقتصادي الأمثل وواجب قيام المسلمين بمهمة إعمار الأرض واستخراج كنوزها واستثمار ذلك في نفع البشرية: )هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ( (الملك:15).

 

الجانب الرابع: سعة الأرزاق وضيقها مسألة ربانية يقدرها الخالق عز وجل ابتلاء وامتحانا ومع ما أودع الله عز وجل في أسباب السعي من آثار على الرزق لكن نتائج السعي النهائية مرتبطة بأقدار الرزاق ذو القوة المتين وهي مسألة ينبغي التعامل معها بحمد المنعم وشكره في حالة السعة وبالصبر والرضى بما قسم الله تعالى في حالة الضيق والشدة: )اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ( (الرعد:26)

 

الجانب الخامس: الأصل في التعامل مع المسألة الاقتصادية أن يُستخدم الاقتصاد استخداما متكاملا مع الوجود الإنساني ومصلحة ذلك الوجود لا أن يستخدم الاقتصاد في إرهاق البشر وزيادة معدلات الفساد والفقر في الأرض والهيمنة الاستعبادية التي انتهت إليها مناهج البشر القاصرة سواء في جناحها الشيوعي السابق أو في جناحها الإمبريالي النكد وعليه فإن المنهج الإسلامي لا يقر استخدام الاقتصاد الاستخدام الجبروتي كالذي تسعى إليه الولايات المتحدة الأمريكية هذه الأيام حتى وصلت إلى مستوى خنق الشعوب من خلال العامل الاقتصادي: )تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ( (القصص:83) ومما يخدم هذا الجانب في نظرية العقيدة الاقتصادية الإسلامية وجود منظومة أخلاقية في المجال الاقتصادي سواء على المستوى الفردي أو الجماعي ومنها الصدق في البيع والشراء والسماحة ومنها القناعة بالنتائج وتحريم متابعة متطلبات الترف الفردي والجماعي إلى حد الفساد والأنانية: )فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ( (هود:116) ومنها عدم الإسراف فلا يحل للمسلمين مثلا أن يغرقوا أو يحرقوا فائض إنتاجهم من القمح أو غيره كما تفعل الولايات المتحدة للتحكم في سعر القمح العالمي إلى غير ذلك من مفردات المنظومة الأخلاقية في المجال الاقتصادي.

 

النظرية الثانية: النظرية الإسلامية للاقتصاد العالمي الجديد:

منطوق النظرية:

أن مخرجات النظام الاقتصادي والذي تأسس على العقيدة المادية بجناحيها الشرقي والغربي ستؤدي وبلا شك إلى انهيار الأداء الاقتصادي العالمي وأن باستمرار العمل بتلك النظرية فإن البشرية سوف تصل إلى حالة من الفوضى والانهيار الاقتصادي الكلي والذي لم تشهد لـه البشرية مثالا في تاريخها كله، وأن لدى المسلمين نظرية اقتصادية تنقذ الموقف وتؤسس لنهضة عالمية حقيقية يعم خيرها كل شعوب العالم سواء كانت تلك الشعوب من المسلمين أم من غيرهم.

 

وسوف أستعرض هذه النظرية من خلال عدة جوانب وهي:

الجانب الأول : المخرجات النكدة للنظرية الاقتصادية المادية.

الجانب الثاني : مرتكزات النظرية الاقتصادية المادية المهددة للنمو.

الجانب الثالث: مرتكزات النظرية الإسلامية للاقتصاد العالمي الجديد.

 

الجانب الأول : المخرجات النكدة للنظرية الاقتصادية المادية.

وإن المتابع لمسيرة الأداء الاقتصادي في العالم خلال القرن العشرين يمكنه وبكل بساطة أن يلاحظ المخرجات الكلية للنظرية الاقتصادية المادية بغض النظر عن التفرع في أصول تلك النظرية سواء في بعدها الاشتراكي أو الرأسمالي أو في بعدها الحديث والذي يسمى بالاتجاه الثالث أو التلفيقي، وتلك المخرجات كالتالي:

§       أول المخرجات النكدة للنظرية الاقتصادية المادية الفارق الفاحش في توزيع الثروات في العالم فأغلب الثروات تتمتع بها أقلية من البشر وهي الشعوب التي اصطلح على تسميتها بدول الشمال الغني وهي أوروبا وأمريكا واليابان وتوابعها بينما يُلقى بالفتات من تلك الثروات إلى الأغلبية من البشر وهي الشعوب التي اصطلح على تسميتها بدول الجنوب الفقير.

§       ومن المخرجات النكدة للنظرية الاقتصادية المادية كون دول الجنوب الفقيرة هي التي تنتج أغلب الثروات الهامة في العالم كالبترول ولكنها لا تحصل من هذا التميز على شيء نتيجة لفرض دول الشمال الأسعار التي تروق لها فإذا أدت أوضاع السوق العالمية إلى صعود للأسعار تلقائي فإن لدول الشمال من الهيمنة والتحكم ما يجعل الدول المنتجة تلجم نفسها بنفسها.

§        ومن المخرجات النكدة للنظرية الاقتصادية المادية خضوع عمليات التنمية المدعومة من دول الشمال والموجه لدول الجنوب إلى المماطلة والوعود البراقة واستخدام ما ينزل على الأرض من برامج تنموية في زيادة الهيمنة سواء تمت تلك البرامج عبر الأمم المتحدة المهيمن عليها من دول الشمال أو تمت عبر الصناديق والمؤسسات التابعة مباشرة لدول الشمال خاصة الولايات المتحدة·

§       ومن المخرجات النكدة للنظرية الاقتصادية المادية سعي دول الجنوب الفقيرة إلى تقليد واستيراد الأنماط التنموية المطبقة في دول الشمال وهي أنماط ذات كلفة عالية فأدى ذلك إلى سقوط دول الجنوب في أفخاخ التجارب الفاشلة والتي لا تنتهي.

§       ومن المخرجات النكدة للنظرية الاقتصادية المادية سعي دول الشمال إلى استغلال انخفاض تكلفة الإنتاج في دول الجنوب فأنشأت المصانع واستقطبت الأيدي العاملة الرخيصة ولكن بشروط مجحفة وتم عزل هذا المسار الصناعي والاستثماري عن المسار التنموي الكلي في بلاد الجنوب.

§        ومن المخرجات النكدة للنظرية الاقتصادية المادية وصول الصراع الاقتصادي والخاضع بدوره للصراع العقائدي والسياسي إلى مستوى يهدد بتدمير البشرية سواء في نوعية السلاح الذي تمكنت الدول الكبرى من تصنيعه أو في الناتج الكلي من الدورات الاقتصادية في العالم ومنها خطورة النفايات الصناعية والتي تسعى دول الشمال إلى التخلص منها برميها في دول الجنوب حتى وصل الأمر إلى مستوى رشوة بعض حكومات تلك الدول لدفن النفايات فيها بل وصل الأمر إلى دفن النفايات الخطرة في بحار دول الجنوب دون الرجوع إليها أصلا، ومن ناتج الدورات الاقتصادية الخطير تهديد الموارد للمواد الخام باستخدام تلك الموارد استخداما سيئا سوف يفضي حتما إلى نضوبها بل والتعجيل بنضوبها ومن الآثار السلبية الخطيرة الناتجة عن الدورات الاقتصادية التوجه المسعور لدى بعض المنتجين لإنتاج المواد المدمرة للجنس البشري كالمخدرات وكالتجارب التي ستفضي إلى تعويق الجنس البشري عن دوره الفطري الذي خلقه الله تعالى عليه كتجارب الاستنساخ وما لتدخل الكيميائي والحيوي في الإنتاج الزراعي والحيواني مفرضه على العالم وغيرها: )وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً( (النساء:119).

§       ومن المخرجات النكدة للنظرية الاقتصادية المادية التطور الذي أدخلته أمم النصارى المنتمية لدول الشمال بحقها في التدخل وفرض السيطرة على الموارد الرئيسة في دول الجنوب خاصة البترول وما سينتج عن هذه التطبيقات من صراع دولي وانتهاك لحرمات الأمم المختلفة مما يعني إلغاء كل الآمال التي رسمها الناس في نهاية القرن العشرين بعالم متوازن وآمن.

§       ومن المخرجات النكدة للنظرية الاقتصادية المادية خضوع دول الجنوب لنظام الإقراض المجحف والذي انتهى بمديونيات هائلة عجزت كل دول الجنوب عن الوفاء بها إضافة إلى دخول دول الجنوب في دائرة مفرغة من محاولات السداد أو الوفاء بمتطلبات التنمية فيها مما هدد العمليات التنموية في دول الجنوب وزادها ضعفا على ضعفها.

§       ومن المخرجات النكدة للنظرية الاقتصادية المادية استثمار دول الشمال لاتجاهات الهيمنة العالمية والتي يدخل فيها النظام النقدي والمرتبط بما يسمى بالعملات الصعبة لكي تفرض شروطها ولكي تؤدي المعادلة النقدية العالمية إلى تضعضع دائم ومستمر لعملات دول الجنوب الفقيرة مهما امتلكت تلك الدول من ثروات حتى خرجت الأمور عن السيطرة في دول الجنوب بالكلية وبات الأمر يعتمد على معادلات سرية ووهمية في تقييم العملات العالمية والتي تنتهي خيوطها بيد اليهود والنصارى في دول الشمال.

§       ومن المخرجات النكدة للنظرية الاقتصادية المادية استمرار الهيمنة الاقتصادية لدول الشمال عبر إعادة توزيع الأدوار العالمية بين الدول الصناعية الكبرى وتصميم اتفاقيات عالمية جديدة تخدم بدورها وتعزز تلك الاتجاهات في الهيمنة سواء اتفاقية التجارة الدولية المسماة بالجات أو اتفاقية النافتا والتي تربط دول أمريكا اللاتينية بالولايات المتحدة أو قمة الثمانية الكبار فكلها تتجه بالوضع العالمي نحو تكريس تلك الهيمنة ولا تعطي أي فرصة للتنفس الاقتصادي لدول الجنوب.

§       ومن المخرجات النكدة للنظرية الاقتصادية المادية التصميم الجهنمي لسلسلة البنوك العالمية والتي تنتهي خيوط العمليات الاقتصادية في العالم إليها حيث لا يعتد البتة ببقية البنوك الثانوية مهما كان موقفها المالي متينا فهي معرضة لإشهار إفلاسها في أي لحظة كما حصل لبنك الاعتماد والتجارة الدولي والذي تمكن من استقطاب مدخرات الكبار والصغار في منطقة شبه الجزيرة الهندية والخليج وفي وقت قياسي وفي نقطة ما أصبح ذلك البنك في مهب الريح ولكن دون أن تفقد البنوك المرجعية فلسا واحدا فنظام الهيمنة البنكية الدولي يجعلها في منأى عن ذلك إضافة إلى قدرتها الفائقة في إدارة البنوك النافقة حول العالم.

 

الجانب الثاني : مرتكزات النظرية الاقتصادية المادية المهددة للنمو.

وسوف أستعرض مرتكزات النظرية الاقتصادية المادية المهددة للنمو في النقاط التالية:

§       إن من أول مرتكزات النظرية الاقتصادية المادية عدم المسؤولية الإنسانية أي أن الاهتمام ينصب في تلك النظرية نحو شعب محدد ولدين معين ولا يضر بعد ذلك انتهاك حقوق العالمين وهي فكرة يهودية الأساس كما قال الله عنهم: )وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ( (آل عمران:75) وقد نتج عن هذه العقيدة كل الفساد الاقتصادي المشاهد في العالم اليوم من احتكار وربا وغيره.

§       ومن مرتكزات النظرية الاقتصادية المادية تجويزها السعي للإفساد في الأرض بحجة المصلحة سواء في المجال الاقتصادي أو غيره وهي صفة لليهود أساسية وذلك كما عرفنا الله من أخبارهم: )وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ( (المائدة:64) والشاهد في الآية أخرها.

§       ومن مرتكزات النظرية الاقتصادية المادية عدم الاعتراف بالخالق واليوم الآخر والتوجه بالعبادة إلى آلهة أخرى تلك التي لا ترزق ولا تعطي فزاد نكد البشرية بذلك وكثر خوفها على الآجال والأرزاق وهو الذي تحقق في التطبيق المادي الإلحادي سواء كان ذلك عند الشيوعيين أو اليهود أو النصارى وغيرهم: )إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ( (العنكبوت:17).

§       ومن أخطر مرتكزات النظرية الاقتصادية المادية سوء وفسادا قيامها على النظام البنكي والذي احتوى عدة نظريات فاسدة وأول تلك النظريات الربا حيث يقوم البنك بدور الوسيط بين المقرض والمقترض فتكون نسبة المقترض المأخوذة منه أعلى من نسبة المقرض المعطاة له وجزء من هذه النسبة يذهب للبنك وعليه فإن الفساد يتركز في الأساس على المقترض والذي إذا وقع في براثن الربا دولة كان أو فردا فقد تودع منه، والنظرية الفاسدة الثانية في النظام البنكي هي القمار بعينه وذلك للمقولة التي سميت زورا وبهتانا بالاقتصادية والتي تعتمد على فرضية استحالة قيام كل المودعين بسحب مبالغهم دفعة واحدة مما يسمح لإدارة البنك أن تلعب بتلك الأموال كيفما شاءت وبحكم القانون ومهما قيل عن الضمانات في هذه النظرية فإن الفاسد أصلا لا يمكن أن يصلحه الترقيع والواقع خير دليل، وثالث تلك النظريات الفاسدة قيام البنك بعمليات استثمارية وهو الكذب بعينه فإن كل ما يقوم به البنك من تمويل المشاريع إنما هو إقراض ربوي بحت ولكن بمبالغ طائلة فقط والمرابي لا يمكن أن يخدم اقتصاد أي دولة بل يلقي به بين الركام لأنه لا يدخل في تحمل أي نوع من المخاطرة التي هي أس المشاركة في الاستثمار والتجارة.

§       ومن مرتكزات النظرية الاقتصادية المادية قيامها على أصل الربا الأمر الذي أوصل البشرية إلى الارتهان للمرابين على مستوى العالم وجعل الثروة تتركز في أيديهم وقد ثبت أن أكثر ما يحطم الاقتصاد بكل أنواعه دخول الربا فيه حيث لا يتحمل المرابون أية مسؤولية تجاه العملية الاقتصادية كما أن المقترضين الكبار غالبا ما يلجأون إلى الهروب من التزاماتهم وطرق الهروب كثيرة فيكون صغار المودعين هم الخاسرين الحقيقيين مما يجعل عدم المسؤولية وعدم وجود الشراكة الحقيقية تدمر العملية الاقتصادية برمتها.

§       ومن مرتكزات النظرية الاقتصادية المادية التحول الذي تم من النقود المتعارف عليها بشريا والتي تحمل قيمة شرائية حقيقية من الذهب والفضة إلى العملات الورقية وخضوع هذا النظام لعمليات معقدة من التقويم والاعتماد على مقولة قوة الاقتصاد في البلد المعني واعتماده على موقف العملات الصعبة في العالم وهو أمر لا يقف على أسراره إلا كبار اليهود في نيويورك والعواصم الأوروبية وعليه فقد أصبحت دول العالم رهينة لهذا النظام والذي أدى إلى انهيارات هائلة وهو مرشح لانهيارات قادمة تعم العالم.

§       ومن مرتكزات النظرية الاقتصادية المادية التحكم الكبير في احتياطات الذهب في العالم والتي تقع بيد اليهود وبعضا من النصارى مما حرم العالم من الأدء الاقتصادي الطبيعي نتيجة لهذا الاحتكار والاكتناز والسعي المحموم للسيطرة على احتياطات الذهب العالمية.

§       ومن مرتكزات النظرية الاقتصادية المادية الاحتكار والذي تسخره دول الشمال للتحكم في بقية العالم خاصة ما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية في هذا السبيل والذي أتاح لها التحكم في أسعار كثير من البضائع خاصة البضائع الاستراتيجية والسلع فبعد التحكم في سلع كالقمح والبترول دخلت الولايات المتحدة على خطوط الإنتاج الإلكتروني ففرضت قوانينها تحت ذريعة حماية الملكية الفكرية والمصنفات حتى تمكنت من تأسيس الشركات العالمية كمايكروسفت وغيرها والتي يشك في كونها تأسست أصلاً على استلاب حقوق الآخرين في الإنتاج الفني ناهيك عن جيوش العاملين فيها من دول الجنوب.

§       ومن مرتكزات النظرية الاقتصادية المادية المستجدة ما أبدعته عقول الغرب الجشعة في سعيها للهيمنة من خلال فنون الأداء الاقتصادي عبر التحكم في أسعار الفائدة وعبر فرض الحصار الاقتصادي ومنع التكنلوجيا عن الدول المارقة كما تعبر عنها أمريكا  وعبر البورصات والتلاعب في أسعارها وأسعار الأسهم وعبر البيع الآجل والبيع في المستقبل حتى أصبحت العمليات الاقتصادية في ظل فنون الأداء الاقتصادي ذلك أشبه بالقمار منه إلى العمل الاقتصادي المعتمد على ما تعارفت عليه البشرية من ثقة وتوثيق وضمانات فأدى ذلك إلى السيطرة على رؤوس الأموال النقدية حول العالم والتي خضعت بدورها لعمليات من النهب المنظم والانهيارات الفجائية سواء في نيويورك أو في كوالالامبور فالأمر سواء.

§       ومن مرتكزات النظرية الاقتصادية المادية ما اصطلح عليه بالتجارة الحرة أو الأسواق المفتوحة والتي تتجه فيها المعادلة باتجاه فائدة دول الشمال على الدوام فالدول الفقيرة وبالوضع الاقتصادي المحدود أو المنهار لا يمكنها أن تحمي أسواقها من العمالقة وبالمقابل يتمكن العمالقة من حماية أسواقهم بحجج كثيرة.

§       ومن مرتكزات النظرية الاقتصادية المادية السيطرة على خطوط الإنتاج في كل مجالات الأداء الاقتصادي عبر المؤسسات الضخمة والشركات العابرة للقارات التي ورثت السيطرة الحكومية تحت حجة الخصخصة مما حرم صغار المنتجين من كل الميزات التي كانوا يتمتعون بها فبيئاتهم إما أن تكون متحكم فيها بالكامل أو قد دمرت تماما.

§       ومن مرتكزات النظرية الاقتصادية المادية وضع الحروب في خدمة الاقتصاد أو وضع الاقتصاد في خدمة الحروب خاصة في ظل التنافس المميت الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية مما هدد الأداء الاقتصادي العالمي ورفع معدل الأخطار وجعل من المستحيل على الاقتصاديين توقع المستقبل الاقتصادي أو اتجاهات النمو الاقتصادي.

 

الجانب الثالث: مرتكزات النظرية الإسلامية للاقتصاد العالمي الجديد.

وهي المرتكزات التي ستؤدي عند تطبيقها إلى نتائج متعددة سواء كان ذلك في واقع المسلمين أو عند غيرهم أما بالنسبة للمسلمين فسيؤدي تطبيق النظرية إلى الانعتاق من ربقة المادية العالمية وهيمنة أمم الكفر على مقدرات المسلمين وإن كان الأصل أن يتم ذلك بتدرج يتناسب مع التطورات في مسارات المشروع الإسلامي الأخرى كما سيؤدي التطبيق عند المسلمين إلى تقديم نموذج عالمي مقاوم وبديل لنظرية الهيمنة الدولية في مجال الاقتصاد والتي تفرض هيمنة مطلقة للولايات المتحدة الأمريكية مما سيمكن أمم العالم المكتوية بنار تلك الهيمنة أن تسلك سبيل المسلمين وإن لم تؤمن بدينهم ولكنها سوف تؤمن بعدالة قضيتهم وإنصاف معتقدهم.

 

وسوف أستعرض مرتكزات النظرية الإسلامية للاقتصاد العالمي الجديد في النقاط التالية:

§        إن من أول مرتكزات نظرية الاقتصاد العالمي الجديد أن يتقدم الناس بكل إرادتهم لهدم النظام الربوي العالمي المسيطر في كل مكان على الأرض ويتم ذلك بهدم كل أسسه التي يقوم عليها وأخطر تلك الأسس النظام البنكي ولئن يبدأ الناس بهدم هذا الأساس أولى لهم من أن ينتظروا حتى يشاهدوا انهياره قطعة قطعة وهم لا يملكون قدرة على فعل شيء وهذا التوقع ليس خيالا بل لقد شاهده الناس في عدة أماكن من العالم، وتقوم عملية الهدم هذه على عدة وسائل ومنها: المقاطعة الشعبية للبنوك خاصة من قبل من يسمون بصغار المدخرين فهم أول الضحايا عادة ثم بقيام أصحاب الملايين من المسلمين بسحب أموالهم تدريجيا من البنوك الربوية وعلى الشعوب أن تتدبر أمرها بمعالجة آثار المقاطعة والهدم فالأساليب كثيرة لحفظ الأموال وأقدمها وأضمنها شراء الذهب والفضة، وتوظيف الأموال في المشاريع الاستثمارية المختلفة خاصة تلك التي تعيد توظيف طاقات المسلمين المتنوعة ويكون لإنتاجها أثر إيجابي وداعم لأداء المسلمين الكلي ومن وسائل هدم النظام البنكي إنشاء المؤسسات الائتمانية البديلة والتي يلزمها نظامها الأساسي بأن لا تعمل أبدا في مجال الاستثمار النقدي ربا كان أو استثمارا حلالا أما منع الربا فلأن النقد لا يلد نقدا بل هي سرقة خفية وأما منع الاستثمار المباح على تلك المؤسسات فحتى لا تتداخل هذه الفكرة الصحيحة بالأداء البنكي الربوي وحتى تنتفي شبهة الربا وحتى يتركز عمل تلك المؤسسات في مجال إدارة أموال الناس وحفظها فقط، ومن الوسائل لهدم النظام البنكي أن يتم الفصل التام بين المؤسسات الائتمانية والمؤسسات الاستثمارية وأن تقوم المؤسسات الاستثمارية على عمليات استثمارية حقيقية تحدد فيها نسبة العائد من الاستثمار ولا تحدد فيها نسبة الربح من رأس المال وإلا وقع الناس في الربا مجددا.

§       وإن من مرتكزات نظرية الاقتصاد العالمي الجديد أن يتقدم الناس بكل إرادتهم لهدم النظام النقدي المرتكز على العملات الورقية والتي لا تساوي الورق المطبوع عليها سواء كانت تلك النقود دولارا أمريكيا أو روبية هندية فهي سواء غير أن السحر الأمريكي أقوى، وأن يسعى الناس لاستبدال النظام النقدي الورقي بالنظام العتيد وهي النقود الذهبية والفضية وإن تًحمّل الناس مشقة حملها وتداولها فهو أولى من خسارة كل شيء وفي كل بقاع العالم فلو احتفظ أهل العراق بأموالهم ذهبا وفي بيوتهم لما خسروا تلك الخسارة الثقيلة إبان الغزو الأمريكي لبلادهم عام 3002م، كما يتعين على عباقرة العالم من المسلمين وغيرهم أن يعملوا للتوصل إلى وسائل تسهل على الناس العودة لنظام الذهب والفضة النقدي كما يمكن أن يعود الناس إلى نظام المقايضة سواء في العمليات التجارية الكبرى أو في عمليات البيع الاعتيادية إلى حين استواء النظام الجديد وحينئذ يمكن أن يطمئن فقراء إفريقيا وأمريكا الجنوبية وغيرها على شقاء السنين فبين أيديهم مدخراتهم ذهبا وليس مجرد ورق من سحر اليهود. (وقد استفدت هذه الفكرة من مؤسسة الدعوة المتمركزة في بريطانيا).

§        وإن من مرتكزات نظرية الاقتصاد العالمي الجديد أن يتم هدم الجانب الرسمي من الربا المتمثل في السندات الحكومية والتي لا تقوم في الحقيقة إلا بإسناد النظام الربوي الكلي فهي لا تفعل أكثر من توسيط البنوك في عملية إصدار السندات فتشترك وهي الأمينة على أموال الناس في نهبها.

§        وإن من مرتكزات نظرية الاقتصاد العالمي الجديد أن يتم تأسيس النظام الاقتصادي الإسلامي من القاعدة بدء بالقيم والإنتاج الفردي والأسري والقروي والأداء المهني حتى يصل الأمر إلى تكامل النظام وبلوغه الذرى العالمية لا أن يتم البناء على ما أسسه الكفرة من نظام وترقيعه برقع إسلامية ولئن يصبر المسلمون حتى تتكامل نذر ذلك النظام خير لهم من بناء يمكن أن يتزلزل في أي لحظة: )أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ( (التوبة:109).

§       وإن من مرتكزات نظرية الاقتصاد العالمي الجديد اعتماد عزل الوظائف العامة عن الأداء الاقتصادي عزلا كاملا بدء من أكبر الرؤوس المسؤولة كالحكام حتى مسؤولي الشرطة وطوال فترة تولي المسؤولية العامة على أن يسبق تولي المسؤوليات العامة تطبيق الشروط المتشددة للمرشحين لشغل الوظائف العامة فإذا خشي من تأثير علاقاتهم السابقة في المجال الاقتصادي فلا يحق لهم تولي الوظائف العامة.

§       وإن من مرتكزات نظرية الاقتصاد العالمي الجديد أن تقوم المؤسسة الحكومية بدورها في تنظيم وحراسة الحقوق العامة في الممارسة الاقتصادية دون أن تخل بمبادئ الأداء الاقتصادي الإسلامي وذلك وفق القواعد الشرعية الإسلامية ومن ذلك أن تحارب الاحتكار والنجش والقمار والغش والإثراء الفاحش وتراقب تكافؤ الفرص وأن تقوم بدورها الاجتماعي الداعم لشرائح الفقراء والمعوزين وضمانة الحد الأدنى من العيش الكريم لهم دون أن تتحول عن وظيفتها في ضمانة الحقوق إلى التحكم في عمليات السوق والانتاج.

§       وإن من مرتكزات نظرية الاقتصاد العالمي الجديد إشراف المؤسسة الحكومية على إدارة وتنظيم شؤون الثروات التي أودعها الله عز وجل باطن الأرض أو تلك التي تتميز بالسعة والشمول كالثروة البحرية والغابات فتضمن حقوق العامة فيها وحسن وعدالة توزيع الثروات واستخراجها دون أن تضر بمصادر تلك الثروات وتؤدي بنضوبها ودون أن تتركها نهبا لكبار المستثمرين.

§        وإن من مرتكزات نظرية الاقتصاد العالمي الجديد تكامل الأداء الاقتصادي بين المسلمين شعوبا وأقاليم وبين من يرغب من الأمم الأخرى بالتعامل مع المسلمين بشرط احترام الأمة المسلمة وحقوقها ويمكن تأسيس ذلك التكامل من خلال كسر الحدود المصطنعة بين الأقاليم الإسلامية ومن خلال إعادة بناء منظومة الولاء والثقة بين إخوان العقيدة ومن خلال الصبر على محدودية الأداء الاقتصادي في المجتمعات المسلمة وعدم العدول عنها بأمم الكفر خاصة المعادين والمحاربين.

§        وإن من مرتكزات نظرية الاقتصاد العالمي الجديد إعادة تصميم العلاقات الدولية الاقتصادية بما يضمن حقوق الفقراء وحقوق الدول التي لا تملك أسباب الهيمنة والسيطرة وأن يتم إلغاء نظام الإقراض الربوي بالكامل وإلغاء المساعدات التي تهدف إلى الهيمنة وأن يستبدل ذلك بالشراكة الحقيقية ونظام المقايضة المباشر وأن يتم إلغاء نظام الأسواق المفتوحة بالمفهوم الأمريكي الذي يهدف إلى اكتساح أسواق العالم مقابل حماية السوق الأمريكية.

§       وإن من مرتكزات نظرية الاقتصاد العالمي الجديد أن يعاد تصميم نظام التجارة الدولي بمقاطعة الإملاءات الأمريكية وعدم الاستجابة لها وبالسعي لتشكيل مسارات جديدة للأسواق العالمية وخطوط النقل ومقاطعة البورصات العالمية ومقاطعة الإنتاج الأمريكي أو أي إنتاج يدعم الظلم والاستبداد الذي يتعرض لـه المسلمون في العالم حتى يصل الأمر عند المسلمين إلى اعتبار إنتاج الأعداء كلحم الخنزير. 

§        وإن من مرتكزات نظرية الاقتصاد العالمي الجديد العمل بنظام الزكاة الإسلامي تلك النسبة الثابتة حسب المادة الاقتصادية المعنية والتي تؤخذ من الأغنياء وترد على الفقراء بحيث يتم التدرج في بناء نظام الزكاة حتى تتكامل صور التطبيق في ظل الحكم الإسلامي، ويمكن للمسلمين أن يبدءوا من وحدة الحي الواحد في مجتمعاتهم فيتكفل الأمناء بجمع الزكاة من الأغنياء فيردوها على الفقراء ثم ببناء مؤسسات الزكاة الشعبية والأهلية والمؤسسات العابرة للقارات وهكذا، ويمكن للمسلمين أن يسوقوا هذا النظام حتى بين أمم الكفر فلن يكون أمام فقراء العالم والمنصفين إلا أن يعملوا به خاصة إذا عمت الكوارث واستمر النظام الاقتصادي الدولي في الانكسار والفوضى.

§        وإن من مرتكزات نظرية الاقتصاد العالمي الجديد إعادة تقويم موقف الثروات الإستراتيجية كالبترول وغيره في العالم الإسلامي وما يسمى بالعالم الثالث لتغيير الرؤية الاستراتيجية تجاه تلك الثروات ومنها إعادة تقويم الأسعار العالمية المفروضة على تلك الثروات ومنها حقوق الأجيال القادمة في الثروات ووقف الاستنزاف المهدد بنضوبها وإعادة النظر في سياسة استثمار الثروات والتي تقف عند عتبات التصدير بفرض شروط على الموردين بالمشاركة في إعادة تدوير الإنتاج وتأسيس بنية تحتية تسمح بإبقاء أغلب آثار الإنتاج في البلد المنتج ودراسة الثروات الواعدة وكيفية استثمارها لصالح النهضة الإسلامية العالمية.

 

النظرية الثالثة : نظرية أنماط التنمية المتكاملة:

منطوق النظرية:

أن يؤسس الأداء الاقتصادي في بيئات المسلمين على تكامل وتوازن الدورة الاقتصادية وأنماط التنمية في تلك البيئات سواء كانت بيئات بسيطة وأولية أو كانت بيئات اقتصادية وسطى أو بيئات مدنية وصناعية دون أن تطغى بيئة على أخرى.

 

جوانب النظرية : وفيها الجوانب التالية:

الجانب الأول : جانب إحياء البيئات الفطرية الأصيلة

الجانب الثاني : جانب إحياء البيئات الوسيطة

الجانب الثالث: جانب إعادة تصميم البيئات المدنية والصناعية

 

الجانب الأول : جانب إحياء البيئات الفطرية الأصيلة: وفيها

§       أن يتوجه اهتمام المسلمين إلى إعادة بناء البيئات الإنسانية الفطرية والتي تعتبر من أهم مرتكزات الأداء الحضاري في الأمم والتي تمثل أساس الانتاج الاقتصادي وذلك من خلال البيئات الحرفية والزراعية وبيئات الثروة الحيوانية والثروة البحرية وثروة الغابات وغيرها.

§       ويُعتمد في عملية إعادة بناء تلك البيئات على تأهيل الشعوب المسلمة لكي تفقه دورها الحضاري في تكامل أدائها وعلاقة ذلك الأداء بالدورة الاقتصادية الكلية للأمة المسلمة وحتى تمتلك الشعوب المسلمة العقلية والنفسية التي تجعلها تتوكل على الله تعالى وتعمل وتبدع في عملها.

§        ويُعتمد في عملية إعادة بناء تلك البيئات على استقرارها ودوام أدائها وعدم تعلق أهلها بتقليد البيئات الصناعية والمدنية وضرورة عكس اتجاهات الهجرة التي دمرت البيئات الفطرية وأن يتم ذلك بإحياء وتجديد القيم التي تؤدي إلى استقرار الناس في بيئاتهم واعتزازهم بدورهم الحضاري فيها.

§       ويُعتمد في عملية إعادة بناء تلك البيئات على منظومة مبتكرة من التطوير العلمي والفني والإداري الذي يضمن جودة الإنتاج وتوفيرا للجهود عبر التعاون والتنظيم وحسن استغلال الموارد وما أشبه وهو مجال مفتوح للمسلمين لكي يبدعوا فيه ويقدموا النماذج المتطورة.

§        ويُعتمد في عملية إعادة بناء تلك البيئات على تدوير الانتاج وتداوله وتكامله داخل البيئة الواحدة وبين البيئات المختلفة.

§       ويُعتمد في عملية إعادة بناء تلك البيئات على الموازنة بين دور البسطاء والأفراد في الانتاج وبين الأداء التجاري والاستثماري الذي تمثله الحكومات والشركات لصالح الحفاظ على البيئات الفطرية بحيث يتم تقليص أو توقيف النشاط التجاري والصناعي في حال طغيانه وتجاوزه على الفقراء.

§        ويُعتمد في عملية إعادة بناء تلك البيئات على منح المجتمعات الفطرية المتعلقة بها والواقعة في دوائرها حق الانتفاع والارتزاق دون أن يطغى أحد على أحد خاصة طغيان الكبار الذين يطوقون الأراضي ويفسدون البيئات الفطرية بجشعهم وحبهم للسيطرة.

§        ويُعتمد في عملية إعادة بناء تلك البيئات على مراقبة الموارد الفطرية ومنع تهديدها أو إفسادها.

§