الخاتمة

 

إنه لخليق بالمؤمن أن يحمد الله وحده على كل حال وفي كل حين فكيف وقد أتم الله عز وجل على المؤمنين نعمته وثبتهم بالكتاب والسنة وألهمهم شكره والاعتراف بفضله: )دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْـعَالَمِينَ( (يونس:10)، وفي ختام هذا البحث المتواضع والبضاعة المزجاة فإني أتقدم إلى إخواني المسلمين في كل العالم أن يستلموا هذا الجهد بيد المتلطف المتأني فما وجدوا فيه من سداد فقد وجب عليهم أن يضموه إلى مجمل ساحة الاجتهاد المعاصر لعله يسهم في إصلاح ذات بين المؤمنين ولعله يلقي بقبس من نور على الإبهام والإغلاق الذي تعاني منه مسيرة الدعوة الإسلامية في تعاملها مع المستجدات وتعاطيها مع الوقائع المختلفة ولعله يرفع منارة لأجيال الأمة فتقتفي إشارتها وتصيخ إلى نبضها، وأما إن وجدوا في ثناياه الخلل فقد وجب عليهم أن يصلحوه ويردوه إلى حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأما إن وجدوا فيه الشطط والزلل والخروج عن إجماع الأمة فليلقوه في وجه صاحبه وإني لعائذ بوجه الله الكريم أن أكون صاحب بدعة وواضع في الدين ما ليس منه.

 

فإلى علماء المسلمين الأمناء أوجه ندائي ورسالتي مذكرا بما استأمنهم عليه رب السموات والأرض من أمانة التبليغ والدعوة وإظهار البينات: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} (آل عمران:187) حيث اتضحت الحاجة إلى الاجتهاد الحي والتصدي للواقع ومدى أهمية تنزيل الأحكام على ذلك الواقع ومعالجة ما تواجهه الأمة المسلمة من بلاء وفتنة لا أن يكتفي العلماء بمجرد استعراض جمال الدين وكماله، كما يجب على العلماء أن يسعوا إلى الانعتاق من الهيمنة التي يفرضها الكفار على بلاد المسلمين وإلا وقعوا في تزيين فعل الكفار وفسادهم بحجج دينية وضرورات دنيوية فالله الله في الأمة وفي الموقف غدا بين يدي جبار السموات والأرض.

 

وإلى قيادات العمل الإسلامي والواقفين على رؤوس الاجتهادات الإسلامية المعاصرة تلك التي أسهمت في صناعة تاريخ المسلمين وتجديد ما اندرس من دين الحق أتقدم بدعوة خالصة لتأمل التحولات الكبرى التي تلف الدنيا والعالم الإسلامي وتوظيفها في تجديد الاجتهاد باتجاه استكمال النقص وسد الخلل وباتجاه استيفاء شروط النهضة والقوة التي أمرنا بها رب العباد ومن أهمها الاعتصام والوحدة وجمع الكلمة وعدم التفرق ونبذ الحسد المانع من التكامل والتواصل والتعاون ولعل من أهم الأدوار المنتظرة من قيادات العمل الإسلامي تقدمهم للأمة برؤية جامعة وبذل جهودهم لإخراج قيادة راشدة للمسلمين ولو في ملامحها الأولى وأخيرا قيادتهم للأجيال إلى ساحات البذل والفداء، وإذا لم تدل الأحداث الجسام وتكامل النذر العظام على تقدم المشروع الإسلامي إلى مرحلة جديدة من عمره وعمر الأمة المسلمة فما الذي يمكن أن يحرك سواكن خواطر قادة العمل الإسلامي وشوارد فكرهم نحو النهضة والتجديد والنفرة من جديد؟

 

وإلى من يعتقد بأن رسالة الإسلام للدنيا إنما تكمن في مجرد تبيان جمال الرسالة وعدالة الدين وحوار الحضارات أتقدم إليه بمسطرة القرآن الكريم في وصفها لعلائق البشر ودعوتها لأتباع دين الحق لكي يحملوا الرسالة بعلم وقوة فإذا تجرأ الكفار على الدعاة ـوهذا ديدنهم ـ كان جواب الدعاة ميدانيا لا بحثيا ولاصُحُـفيا: )يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ( (البقرة:217) فلا يزال الكفرة يقاتلون المسلمين بلا هوادة كما وصف الحكيم العليم، وليعلم من يقلقه موضوع حوار الحضارات بأن الدعوة إلى تطبيق كل مفردات الإسلام في التعامل مع الحضارة الغربية لا يعني إهدار فوائد وإنجازات تلك الحضارة وإنما هي مواجهة مع الاستراتيجيات التي توجه تلك الحضارة والتي يصنعها رؤوس الكفر أولئك الذين باتوا يستنهضون أممهم ويوجهون طاقاتهم لمنع الأمة المسلمة من تجديد مسيرتها وتحديد طرائق نهضتها وتطبيق دينها مع العلم بأن ما يحدث ليس خارجا عن المألوف فقد استمر النصارى على هذا الحال لقرون خلت ولا يعني ذلك أن شعوب النصارى مبرأة فقد واطأت قادتها على ما ذهبوا إليه وإلا فكيف تمكن جورج بوش من رصد الميزانيات التاريخية الهائلة في حربه الوهمية ضد ما يسميه إرهاب المسلمين ثم كيف تمكن بعد ذلك من مضاعفة تلك الميزانيات في حرب العراق لولا الدعم الذي يجده من مؤسسات الحكم الصليبي في أمريكا والرأي العام، ورغم تمريغ الحكومة الأمريكية لأنف الأمم المتحدة في التراب فقد نجحت بعد ذلك في جلب رايات الصليبية العالمية لكي تدعم مو قفها في العراق واحتلالها المباشر لها.

 

وإلى شباب الإسلام في كل مكان أتقدم بهذه المنظومة من الرصد التاريخي المعاصر لموقف الأمم من الأمة المسلمة خاصة الأمة النصرانية واليهودية ومن التقويم للأداء الإسلامي المعاصر الذي نجح في أعلى قمم الأداء عنده من إسقاط أعتى القوى الكفرية والاستبدادية في العالم وهو الاتحاد السوفيتي، كما أتقدم إليهم بمسطرة في الإعداد والعمل وطلب الحرية والاستقلال الحقيقي فيا شباب الإسلام لا تلهكم الترهات والعيش على الآمال الكاذبة عن الإعداد والتجهيز وبناء الذات وإن أردتم اللهو فليكن لهوا حلالا على ظهور الخيل ولهو بالسلاح والرصاص وتعلم فنون القتال وإن أردتم السفر فليكن إلى الجبهات وساحات الجهاد وطلب العلم لا إلى الأغاني والخمارات ـ حاشا وجوه الكرام ـ فإذا تقدم إخوة القردة والخنازير إلى مقدساتكم والجرأة على هدمها -وهم لا شك عازمون-كان الجواب عندكم حاضرا وقريبا فلا تنتظروا أمما متحدة قد أجمعت على سلب حقوقكم ولا تعتمدوا على مؤتمرات الذل والتسليم بل توجهوا للعزة ولو أدى ذلك بكم إلى التصعلك والتشرد وتمردوا على نظم وإمبراطوريات الكفر شرقا وغربا ولكن بنظام وتصميم ودقة وتوقيت وطول نفس.

 

وإلى العائدين التائبين من شطط وانحراف المذاهب المادية من علمانية وقومية وشيوعية ممن اكتشفوا دينهم وتابعوا نبيهم صلى الله عليه وسلم أتقدم بهذه الرؤية الشاملة والمؤسسة على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فكونوا يدا مع إخوانكم المسلمين والتحقوا بالركب  فالحاجة إليكم ماسة وإياكم من مكر الأعداء الذين يسعون إلى إعادة توظيفكم كطابور خامس بين المسلمين.

 

وإلى الأقليات من مذاهب شيعية وإباضية وبقية باطنية أتقدم بدعوة صادقة لاستثمار هذه الفرصة التاريخية من التحول في تاريخ المسلمين لتصحيح رؤاهم والعدول عن الشطط المؤسس على العنصرية والقومية وإياكم واتباع أحباركم ورهبانكم وما يزينونه لكم من باطل فإن الدين الذي ارتضاه الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم قد تأسس على اتخاذ الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من الصحابة قدوة ونموذجا إلى قيام الساعة:  )الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ( (لأعراف:157) فكيف يُتعبّد الله تعالى بكسر ذلك النموذج والطعن فيه وتشويهه وهو نموذج مترابط متكامل متمثل في النبي صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه؟ كما تأسس هذا الدين على الظهور ومن معاني الظهور أن يكون المتابعون له بالحق أكثرية على الدوام فلو كانوا أقلية لما سمي ذلك ظهورا، كما تأسس هذا الدين على الوضوح الذي لا لبس فيه فإذا خالطته سرية مشبوهة وظاهر وباطن فاعلم أن ذلك مما ليس منه فيا أيها الشيعة والإباض ارتضوا ما ارتضاه الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم وتابعوا النبي صلى الله عليه وسلم والصحب الكرام رضي الله عنهم أجمعين تفلحوا.

 

وإلى المذبذين في الأمة المسلمة ممن أجسامهم على أرض الإسلام وعقولهم وقلوبهم واجفة وخائفة من قوة الكفروصولته أتقدم إليهم بقول الله عز وجل:  )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ( (المائدة:51-52) فلا يصلح في الدين التذبذب وإنما هو الثبات والاعتماد على القوي العزيز الذي يوشك أن نقف جميعا أمامه عز شأنه، فلا تشتروا بآيات الله ثمنا قليلا واحذروا أن تعيشوا مع المسلمين وتحشروا غدا مع فرعون وهامان ولا يتخذنكم الكفار جسرا يعبرون عليه إلى انتهاك مقدسات المسلمين   وحرماتهم ودمائهم.

 

وإني لأستودع الله الحفيظ العليم هذه الأمانة الذي له ملك السموات والأرض واسأله أن ييسر وصولها إلى مستقرها من قلوب وعقول الأجيال المسلمة فيورق ويثمر منها العلم الصحيح المتين ويسقط عنها السقيم العليل.

 

                                       والله أكبر ولله الحمد