· عودة جديدة مظفرة
إذا كان للبشر خلال حقب التاريخ ما يدفعهم ويحرك جامح تصوراتهم لكي يتجاوزوا حدود أقطار السماوات والأرض ويتحكموا في غيرهم من البشر ويستولوا على ثروات الشعوب في مسيرة طاغوتية من الاستعباد والظلم فإن للمسلمين في ما أنزله لهم ربهم من الحق وفي ما تركه لهم سابقوهم من تاريخ الفتح والتمكين الرحيم لدافع وأي دافع نحو تجديد ما اندرس من الحق وتوصيل العدل الذي باتت تتطلع إليه البشرية في المشرق والمغرب، ولكن الأمم لا تأخذ من أمة تتمطى كسلا في السياسة والجهاد والاقتصاد والعلوم وغيرها وحاشا أمة الإسلام أن تستمر على هذا الحال.
وإذا كانت البشرية قد تمكنت في القرن العشرين الميلادي من أن تحدث تلك التحولات الهائلة في طرائق عيشها المادية وفي توظيف القدرات العقلية للبشر حتى غدت الأرض قرية واحدة فإنها وفي نفس الوقت قد أوقعها الكفر والإلحاد في تناقض حاد بين منجزاتها تلك وبين وهدتها في الروح والخلق وليس من أمة مرشحة للعب دور الإنقاذ والبناء معا كالأمة المسلمة بعد أن جرب العالم طويلا أنانية الغرب وماديته وإلحاد الشرق وجبروته، وإن الضغوط التي تسلطها أمم النصارى على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها والدعم اللامحدود الذي تقدمه لربيبتها اليهودية لن يؤخر المسلمين عن قيامهم بمهمة الإنقاذ تلك بل إن طاقات المسلمين لتشحذ وآمالهم لتتسع حتى ليخيل للمراقب أنه لا توجد أمة حية على ظهر هذا الكوكب غير أمة المسلمين فقضيتهم الأولى باتت تشغل العالم بأسره ومساهمتهم المباشرة في إسقاط أكبر دولة ملحدة عرفها التاريخ لا ينكرها أحد وحراكهم الجهادي والسياسي والدعوي لم يقف عند شعب محدد من شعوبهم وإنما امتد من جزيرة مندناو في المشرق إلى البوسنة في قلب أوروبا غربا ومن نيجيريا جنوبا إلى تركستان الشرقية شمالا، وهذه التحولات سواء كانت في العالم كله أو كانت في واقع المسلمين فإنها تنذر بواقع جديد ينبغي لقادة الحركات الإسلامية أن يسهموا في صنعه والتأثير في اتجاهاته.
وإن الباحث والمتأمل في سنن التدافع البشري وسنن الأداء الإنساني والتي أنبأنا بها المولى تبارك وتعالى في كتابه الكريم وكذا ما ورد في أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم في أبواب الفتن ووصف المراحل التي سوف تمر بها أمة الإسلام ليجد في ذلك نورا وأي نور والذي لو وظفناه في رؤيتنا للواقع المرير والمستقبل القريب والبعيد لنجونا بإذن الله القدير.
ومع وجود المنهج الإلهي بين أيدينا ووقوع التحولات الهائلة خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين والتي غيرت من التوازنات البشرية السائدة فلا يزال قادة المشروع الإسلامي المفترضين - على فضلهم- والذين يقفون على رأس مختلف الاجتهادات الإسلامية المعاصرة من جماعات وحركات إسلامية ومستقلين تبدوا إشاراتهم غير مشجعة كثيرا بتحديد أسس التعامل والاستثمار للتحولات لصالح التغيير الإسلامي فهم بانتظار تحول ما لكي يبدءوا في التعامل مع الواقع فما الذي يمنعهم من ذلك؟ وبالتأمل الدقيق لأحوال الأمة والجماعات الإسلامية نجد أن الدفع المبارك الذي قادته الجماعات الإسلامية نحو التطبيق الإسلامي قد أدى إلى تقدم المسلمين نحو ساحات لم يلامسوها من قبل في مجالات الدعوة والسياسة والجهاد مما أفزع قادة الكفرة في العالم وعلى رأسهم اليهود والنصارى فبدءوا برسم استراتيجياتهم المضادة واتخذوا من حرب الإسلام والمسلمين مسارا أساسيا للارتقاء بهيمنتهم الكونية الجديدة فهل سيتعامل المسلمون مع هذا التحول والتغيير بنفس معطيات ومستلزمات النظريات الاجتهادية السائدة السابقة؟ مع العلم بأن الفراغ المرحلي هذا يعتبر أمرا طبيعيا في التحولات الأممية حتى تستجمع الأمة المسلمة رؤيتها الجديدة للتعامل مع هذه التحولات ولكن بعض المهددات الداخلية في صفوف المسلمين تلقي بظلالها على المستقبل القريب ومن ذلك بعد الشقة بين الاجتهادات الإسلامية التي تقود المسلمين وتنازعها فيما بينها فقد أدى ذلك إلى تردد يطبع السواد الأعظم من المسلمين في قبولهم بتلك الاجتهادات لما يرون من خلاف وقلة إجماع بين الدعاة مما يقتضي سرعة العمل على سد الفراغ وحلحلة الجمود الذي يكمن في المنطقة العليا من المشروع الإسلامي وهي منطقة الاجتهاد والنظرية والذي انعكس بدوره على كافة مسارات العمل الإسلامي.
وإني لأسأل الله العليم الحكيم أن يعينني في هذا البحث على المساهمة في تحديد ملامح الرؤية الكلية للأداء الإسلامي المعاصر أو بعض تلك الملامح على أقل تقدير خاصة فيما يتعلق بالخيارات الجديدة التي ينبغي أن تتضمنها النقلة الجديدة في المشروع الإسلامي للتعامل مع المستجدات الكونية بعد أن تزاحمت في إطار المشروع الإسلامي الأنوار والظلمات معا، وأن أتمكن من تلمس الصور الواقعية في ساحات الأمة المسلمة وما استجد من تطورات وتحديد علاقة تلك التطورات بسنن الصراع والتدافع التي دلنا عليها رب العالمين في كتابه الكريم ودلنا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته قولا وعملا فنتبع ولا نبتدع وننقل العلم الذي توارثته أجيال المسلمين من الدعاة عن علمائهم فإن أسوأ ما يمكن أن يقع فيه المتصدي لهذه العملية الدقيقة هو القول بالرأي دون أن يستند على أثارة من علم أو خبر أو تتبع للآثار التطبيقية الميدانية لمسارات المشروع الإسلامي فقد روى البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عَنْ عُرْوَةَ قَالَ حَجَّ عَلَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْزِعُ الْعِلْمَ بَعْدَ أَنْ أَعْطَاكُمُوهُ انْتِزَاعًا وَلَكِنْ يَنْتَزِعُهُ مِنْهُمْ مَعَ قَبْضِ الْعُلَمَاءِ بِعِلْمِهِمْ فَيَبْقَى نَاسٌ جُهَّالٌ يُسْتَفْتَوْنَ فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ فَيُضِلُّونَ وَيَضِلُّونَ فَحَدَّثْتُ بِهِ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو حَجَّ بَعْدُ فَقَالَتْ يَا ابْنَ أُخْتِي انْطَلِقْ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَاسْتَثْبِتْ لِي مِنْهُ الَّذِي حَدَّثْتَنِي عَنْهُ فَجِئْتُهُ فَسَأَلْتُهُ فَحَدَّثَنِي بِهِ كَنَحْوِ مَا حَدَّثَنِي فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ فَأَخْبَرْتُهَا فَعَجِبَتْ فَقَالَتْ وَاللَّهِ لَقَدْ حَفِظَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو.(إنتهى) فأعوذ بالله أن ألتحق بالجهال الذين يفتون برأيهم فيُضلون ويضلون.
ولا يستهدف هذا البحث تقديم اجتهاد جديد إذ أن صاحبه أقل من أن يتمكن من ذلك ولا يستهدف ترجيح اجتهاد إسلامي معاصر على آخر ولكنه يستهدف التركيز على محاولة فهم طبيعة المرحلة التي تكاملت نذرها ومتابعة الآثار التطبيقية للمشروع الإسلامي وما ينبغي حدوثه من استجابات لدى قيادات المشروع الإسلامي وتحديد المسارات الدقيقة تجاه تلك النذر والتعامل معها خاصة في ظل الفراغ والتنازع الشديد بين الاجتهادات الدعوية المختلفة على ساحة المسلمين.